ضمن البرنامج الثقافي لمعرض الرباط الدولي للكتاب، تشرّفت هذه السطور بالمشاركة في ندوة بعنوان «في الحاجة إلى إدوارد سعيد»، بمشاركة الناقد المغربي أنور المرتجي، الذي أصدر مؤخراً كتابه الرائد «خطاب ما بعد الكولونيالية: تمثيلات المثقف والسلطة»؛ وأدار الندوة الشاعر والإعلامي المغربي مصطفى غلمان. الإدارة الثقافية للمعرض شاءت وضع اللقاء في الإطار التالي: «ألسنا اليوم أحوج إلى هذا الأكاديمي العالمي ممّا كنّا عليه في السابق؟ مشددة على القضية الفلسطينية وعلى راهنية فكر سعيد ورؤيته في كتابه «الاستشراق».
الأرجح أنّ أغلبية ساحقة من المشتغلين بمسائل الإطارَين المشار إليهما، القضية الفلسطينية والاستشراق، تفتقد المفكّر والناقد الفلسطيني الكبير إدوارد سعيد (1935 ـ 2003)؛ اليوم تحديداً، بالفعل، في ارتباط وثيق مع سلسلة من الظواهر والوقائع والتطوّرات والتفاصيل: في النظرية النقدية والعلوم الإنسانية إجمالاً، وفي الفنون والحياة البحثية والأكاديمية، ثمّ في السياسة الدولية وانشطارات العالم إلى شمال وجنوب. وبهذا المعنى، فإنّ العودة إلى سعيد ليست حاجة ماسة فقط، بل ضرورة حيوية لازمة أيضاً.
ففي الجانب الفلسطيني نفتقد رؤية سعيد الثاقبة لتلك الأبعاد الخافية التي تكتنف ظواهر تبدو جليّة واضحة، وليس في مستوى التحليل السياسي وحده، بل في التعمّق الطباقيّ، كما اعتاد الراحل تسمية منهجيته الكفيلة بدراسة باطن السطوح؛ في قلب ما يتراكب ويتعقّد ويتنافر ويتوحّد ويتآلف في آن معاً، داخل حال منفردة قد لا يلوح البتة أنها أكثر من تفصيل عرضي بسيط.
وبين كتاباته الكثيرة الغزيرة عن فلسطين والفلسطينيين، وبالتالي عن دولة الاحتلال الإسرائيلي وماضي وحاضر ومستقبل الحركة الصهيونية؛ تجد هذه السطور دلالات عديدة في التوقف عند واحد من أهمّ أعماله، ولعله بين الأخطر والأجدى والأبكر استشرافاً لمآلات الصراع العربي – الإسرائيلي، ولاصطفافات الغرب الرسمي والشعبي خلف الكيان الصهيوني. اعتبار ثانٍ يزكّي هذا الكتاب، هو أنّ محتوياته تخاطب الراهن بقوّة، سواء لجهة حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزّة، أو انحطاط معظم الديمقراطيات الغربية إلى درك سحيق من السكوت عن جرائم الحرب أو التواطؤ معها أو حتى تشجيعها.
كذلك فإنّ سعيد حاجة/ ضرورة في جانب مركزي من شخصيته العميقة والغنية: أنه كان، ويظلّ اليوم بعد 22 سنة على رحيله، رجلَ الأسئلة الجدلية المفتوحة أكثر من الإجابات القارّة المغلقة، وباعث القلق والتشكك والبحث وليس حامل الاستقرار والطمأنينة واليقين… تماماً كما أراد لنفسه من نفسه، وأراد لها من الآخرين. وكما هو معروف، في مطلع ثمانينيات القرن المنصرم، كان سعيد قد طوّر سلسلة مفاهيم جديدة تصبّ في هذه الدائرة الحوارية النقدية الانشقاقية، فتحدّث عن «النظرية المترحلة»، حيث الأفكار والنظريات تسافر مثل البشر ومدارس التفكير، منطلقة من شهادة ميلاد، ونقطة بدء، ومسار رحيل، وشروط وصول، ومقتضيات رحيل جديد؛ وناقش «النقد الديني»، حيث يجري نسخ الثقافة إلى شعائر وشعائر مضادة، وإلى لافتات مطلقة تلغي أي تمييز جدلي. ولعلّ الأهمّ بين هذه المقترحات النوعية كان مفهوم «النقد العلماني»، الذي استخدمه سعيد في مقالة تمهيدية لكتابه «العالم، النصّ، والناقد»، 1983، وجاء بمثابة ردّ فعل شجاع على انحدار النظريات النقدية الأمريكية نحو نزعة تجريدية تقدّس النصّ في ذاته، وتعزله عن محيطاته الاجتماعية والثقافية والسياسية والتاريخية، بل تجعله بديل التاريخ أحياناً.
ولسوف تظلّ حاجتنا ماسّة إلى شخصية سعيد كناقد ثقافي يفكّر خارج الصندوق كما يُقال، كي نعيد اكتشاف واستكشاف شخصية فريدة على غرار الطبيب النفسي والمناضل والثوري فرانز فانون مثلاً؛ إذْ كان سعيد رائداً في استرجاع هذا المارتينيكي اللامع، وتوظيف أفكاره ضمن النسق العامّ لنظريات الخطاب ما بعد الكولونيالي. وفي مقالته المعروفة «تمثيل المستعمَر: مُحاوِرو الأنثروبولوجيا»، أشار سعيد إلى جدل التحرير الذي حاول فانون فرضه على أوروبا مستمتعة بلعب «الدور غير المسؤول لجميلة الغابة النائمة»، وإجبار المتروبول الأوروبي على التفكير في تاريخه؛ بالتضافر مع تاريخ المستعمرات المستيقظة من السبات القاسي، والجمود الفاسد للهيمنة الإمبريالية. ولقد حذّر سعيد من تشويه رؤية فانون الشاملة إذا لم نطوّر قدوته في التشديد على اندماج أوروبا ضمن موقعها الإمبراطوري، في سيرورة انحلال الاستعمار؛ الأمر الذي يُلزم بوضع أوروبا وجهاً لوجه أمام سؤال الهوية، ذلك الشريك السرّي في التأمّل الأنثروبولوجي لـ «الآخَرية» و»الاختلاف».
تبقى -غنيّ عن القول- حاجتنا الدائمة إلى سعيد لاستكمال النقد العميق، النوعي والرائد والاستثنائي الذي أخضعه لمؤسسة الاستشراق، واستكشاف الشيفرات الخفية التي تكتنف الخطاب المعرفي الاستشراقي، وتعريتها. وكان كتاب «الاستشراق»، 1978، نقلة سعيد الحاسمة نحو تحليل العلاقة بين السلطة والمعرفة، وكيف دخلت في صلب مهامّ تولت مؤسسة الاستشراق تنفيذها لصالح السياسات الاستعمارية، وشكلت جزءاً تكوينياً من عوامل صعود الإمبريالية.
صحيح أنّ الكتاب احتلّ مكانته البارزة في التحليل النقدي لنصوص الاستشراق، من جهة أولى؛ ومحنة الثقافات «الآخَرية» في علاقتها بالخطاب الثقافي الغربي المهيمن، من جهة ثانية، ولكن من الصحيح في المقابل أنّ الدروب إلى تلك المهامّ ما تزال طويلة، وعرة، وجديرة بالمسير والمتابعة؛ على شاكلة ما يقترن بشخصية سعيد من حاجة وضرورة.
لم يستفد المستشرقون من هذا المثقف الذين كان يعيش بين أظهرهم، ولم يحمل كتابه “الاستشراق” لأمته لقاح اليقظة الحقيقية، فبقي الرجل وإرثه الفكري ضائعا بين عالمين.
ما نراه هنا فهم ملتبس للغرض الرئيسي من كتاب إدوارد سعيد «الاستشراق»، المسألة ها هنا، إذن، ليست مسألة استفادة المستشرقين من عمل هذا الناقد الأدبي الفذ، بل مسألة تفكيكه ومن ثمّ فضحه وتعريته لأعمال هؤلاء المستشرقين الذين ساهموا بشكل مباشر أو لامباشر في خلق ثقافة التسويغ الاستهلالي أو حتى التمهيدي لـ«مكذابية»، في مقابل «مصداقية»، استعمار دول ما يُسمى بـ«العالم الأول» أو «الغرب» المتقدّم خصوصا لدول ما يُدعى بـ«العالم الثالث» أو «الشرق» المتخلّف عموما !!
ادعاء المستشرقين الموضوعية العلمية والبحث عن الحقيقة يقتضي النظر في ما قاله الرجل عنهم، وإلا فإن بحثهم مغرض وتوصيتهم للسياسات الخارجية لبلدانهم له آثار كارثية عليهم، ولازم النتيجة معقول. ولا يخلو الأمر من نزهاء وهم قلة. هذا قصدي مما قلت في التعليق.
تماما أخت رابعة، اتفق معك.
/وكان كتاب «الاستشراق»، 1978، نقلة سعيد الحاسمة نحو تحليل العلاقة بين السلطة والمعرفة، وكيف دخلت في صلب مهامّ تولت مؤسسة الاستشراق تنفيذها لصالح السياسات الاستعمارية، وشكلت جزءاً تكوينياً من عوامل صعود الإمبريالية/ انتهاء الاقتباس
وعلى فكرة هنا، وبعكس ظن الكاتب صبحي حديدي فيما يبدو، فإن فكرة الاقتران بين «السلطة والمعرفة» ليست فكرة إدوارد سعيد بامتياز (كما أقرّ هو ذاته في أكثر من مناسبة)، بل هي في الأساس فكرة الشاعر الإنكليزي المنعوت بـ«شاعر الإمبراطورية»، رَدْيارد كيبلينغ، تلك الفكرة التي تجسّدت في روايته الوحيدة «كيم» إبان الاحتلال الإنكليزي للهند.. ففي هذه الرواية، تتجلّى إحدى الشخصيات الرئيسية، شخصية الكولونيل كرايتون، بوصفه رئيس سلك المخابرات في الهند المحتلة وبوصفه في الآن ذاته باحثا أنثروبولوجيا “جادًّا” يقوم بدراسة ميدانية لهذا البلد المستعمَر – ومن هنا كذلك، وفضلا عن رواية جورج أورويل «1984» التي طرحت ذات الفكرة، سعى ميشيل فوكو دائبا فيما بعد إلى تطوير فكرة هذا الاقتران بين «السلطة والمعرفة» على شاكلة المفهوم الذي سمّاه بـ«القوة والمعرفة» بوجه العموم..
[يتبع]
[تابع]
وأخيرا هنا، وليس آخرا، ثمة ايضا في كتاب «الاستشراق» المشوَّه أيما تشويه في ترجمة الأكاديمي النرجسي كمال أبو ديب، ثمة فكرة رئيسية هامة كذلك كان الكاتب صبحي حديدي قد غفل عنها في تقريره المقتضب من حيث الأفكار لكن المطنب من حيث الألفاظ، ألا وهي: فكرة «الجغرافيا الخيالية» بالذات، وعلى الأخص فيما مِسَاسٌ الآن بوحشية وهمجية وبربرية الكيان الصهيوني الذي يلهث زاحفًا شيئا فشيئا وراء احتلال المزيد من الأراضي في كل من جنوب سوريا وجنوب لبنان، وذلك من خلال تذرُّع هذا الكيان الصهيوني المجرم بذريعة، لا بل بأكذوبة، «الدفاع عن النفس» في حربه الإجرامية الإبادية ضد قطاع غزة، إذ سيأتي يوم مصطَنَع في آخر المطاف حينما يعلن هكذا كيان مصطَنَع على الملأ عن «جغرافيته الشرعية» وهي عين «الجغرافيا الخيالية» المصطَنَعة على نحو سافر وصارخ وفاضح على مرأى وعلى مسمعٍ من العالم بأسره !!؟
شكراً أختي ليلى الصباغ. القسم الثاني من التعليق ممتاز! وفي الحقيقة أنا أيصاً لاحظت أن مقال الأستاذ صبحي حديدي اليوم مقتضب بالأفكار والواسع من حيث الأفكار. ومن قم أختي العزبزة عن أب معرض كتاب وعن أي ندوات نتحدث بالله عليكم إذا كان التطبيع والتعاون مع الإحتلال الإسرائيلي الفاشي يسير جنباً إلى جنب مع حرب الإبادة والأجرام البشع الذي تقوم به حكومة نتنياهو المجرم والمطلوب للعدالة الدولية. لكم الله ياشعب فلسطين فقد ترككم إخوتكم في أصعب المحن. سيحاسبهم الله وستحاسبهم شعوبهم ذات يوم وإن شاء الله.
عذراً تصويب؛ طبعاً أقصد المقتضب بالأفكار والواسع من حيث الألفاظ! كما نوهت الأخت ليلى.
ليس صحيحا أن فكرة العلاقة بين المعرفة والسلطة تعود لشاعر الإمبراطورية كلينيغ بل
هي تعود إلى كونفوشيوس في الصين القديمة.عندما أشار إلى أن المفكر افضل صاحب سلطة إذا حكم.
بسم الله الرحمن الرحيم
تحية للأخت أ. ليلى الصباغ وللأخ أ. صبحي حديدي أثابهما الله كل الخير
رحمه الله ومعارضته لاوسلو فقط تكفيه شرفا وتعاليا وسموا
كلاب الغرب من حاقدين على الشرق ونهايته قالوا عنه منظر الارهاب .
انه من الأسود الذين قتلتهم امتهم فأكلتهم كلاب اعداءها
رحمه الله ورحم الله الشهيد المغدور الرئيس محمد مرسي
فهو صاحب مقولة لا تقولوا اسودكم فتأكلكم كلاب اعدائكم
احسنت اخي احمد الشامي على التصويب..
نعم العلاقة بين المعرفة والسلطة قال بها كونفوشيوس قبل الجميع واكدها لاحقا عبد الرحمن بن خلدون.
Well done Laila and Raabia
Your brilliant comments are in fact to the point
All the best
ليس هناك فيلسوف في التاريخ لم يتكلم عن المعرفة ولكن كلٌّ من منظوره الخاص
أما اقترانها بالقوة بالمعنى الذي عناه كيبلينغ هو الذي أثار اهتمام أورويل وفوكو وسعيد –
يقول بيرنارد شو في السياق، تجنّبوا من يثرثر بقشور العلم الزائف فهو أشد خطرًا من الجهل عينه!؟
تحية تقدير خاصة للأخوات ليلى ورابعة وللإخوة صبحي وأبو تاج وعزالدين وقاسم وجميل!؟