إيران… وحدث الفتاة العارية والسياسة

بينما كانت أنظار المتابعين لشؤون المنطقة تتابع أخبار السجال العسكري بين طهران وتل أبيب، عقب الهجوم الإسرائيلي على منشآت عسكرية داخل إيران، وفيما كانت الاعتداءات وأعمال الإبادة، التي تستهدف الشعبين الفلسطيني واللبناني مستمرة، كان حدث فريد من نوعه يستحوذ على اهتمام المنصات الإعلامية والإخبارية. تعلق الحدث، بظهور فتاة وهي تتجول شبه عارية في أحد شوارع طهران. تلك الصور سرعان ما أصبحت من الأكثر تداولاً، خاصة في العالم الغربي، الذي رأى في هذا المشهد نوعاً من الاحتجاج البطولي.
لم تمض ساعات حتى بلغ تداول الصور مداه، لتتحول هذه الفتاة بين ليلة وضحاها إلى رمز يستحق الاحتفاء وأيقونة من أيقونات الحرية، فتحولت صورها لرمز ورسوم، يتم تداولها بكثافة، كما تحولت قصتها إلى موضوع ساعة تتم مناقشته في البرامج الإخبارية وفي التحقيقات الصحافية في أكبر وسائل الإعلام.
أعادت هذه القصة إلى الأذهان قضية الفتاة مهسا أميني، التي توفيت قبل عامين عقب اعتقالها من قبل «شرطة الأخلاق»، التي كانت ترى أنها لم تكن ترتدي حجابها بشكل صحيح. تسببت تلك الحادثة آنذاك في دخول البلاد في موجة تظاهرات غير مسبوقة، لدرجة أن محللين كثرا اعتبروا حينها أنها قد تؤدي لانهيار النظام، خاصة أنه ظهرت إبان الاحتجاجات إشارات على كراهية النظام ورموزه، التي كان من بينها الحجاب. خلال الأسابيع، التي تلت وفاة مهسا أميني، كان نزع الحجاب بمثابة رد فعل ثوري على تسلط حماة الأخلاق الرسميين على المجال الاجتماعي، وقد تناقلت وسائل الإعلام حينها صوراً لفتيات وهن يخرجن بلا أغطية رأس، أو يتجمعن لحرق الحجاب. الضغوط الشعبية والمظاهرات، التي رفعت شعار: «نساء، حياة، حرية»، كانت قد مضت لحد المطالبة بتحجيم سلطة رجال الدين وبإلغاء الرقابة على المظهر العام، التي كانت تقوم بها جهات متحمسة تابعة أو مقربة من النظام.

في أي مكان في العالم، بما في ذلك ما يمكن وصفها بعواصم العالم الحر، لا يمكن اعتماد المنطق، الذي يقول إن هذا هو جسدي وأن من حقي أن أرتدي، أو لا أرتدي، ما أشاء

أهو داريايي الفتاة، التي اكتفت بالتجوال مرتدية قطعتين من الملابس الداخلية، تقول قصتها، إنها فعلت ذلك رداً على تعرض بعض مسؤولي المظهر العام لها، بسبب اعتبارهم أن ملابسها لم تكن لائقة، أي أنها أرادت أن تتحدى، وأن تصل بالأمر إلى نهاياته عبر التخلص من ملابسها بشكل تام. النهاية، التي كانت متوقعة منذ البداية، لم تتأخر، فمن جهة لم تلبث السلطات المحلية أن اعتقلت داريايي، ومن جهة أخرى لم يتأخر الإعلام الغربي في تحويل قصتها لمصدر إلهام وفعلها إلى فعل ثوري مع التركيز على اعتبار أن الخطأ هو خطأ النظام الإيراني، الذي يتغول على الحريات ويتدخل في خيارات النساء المتعلقة بالمظهر واللباس. أتابع الإعلام الفرنسي بشكل خاص، وقد لفتني التركيز على الموضوع في منصات مختلفة، مع ذكر تفاصيل من بينها أن داريايي من دارسات الأدب الفرنسي، إلى جانب تكرار الحديث عن قيمة الحرية، التي لا يحق لأحد أن يمس بها. الكلام يبدو متوازناً، لكن وجه التناقض فيه أن أصحابه هم الفرنسيون، الذين تمثل بلادهم اليوم النسخة المعاكسة للنسخة الإيرانية، فإذا كان النظام السياسي في طهران لا يقبل أن تخرج النساء إلى المجال العام من دون حجاب، فإن النظام في باريس لا يقبل في المقابل أن تخرج الفتيات والنساء المسلمات إلى الدراسة، أو العمل وهن يرتدين الحجاب، أو غطاء الرأس أو حتى العباءة، التي تم وضعها العام الماضي على لائحة الأزياء الممنوعة في المدرسة. لا ترى فرنسا الحريات في القوانين، التي تفرضها على الجميع بمختلف خلفياتهم، تسلطاً، بل ترى أن فيها تمسكاً بقيمة العلمانية، التي تقدسها كدين، والتي تضعها القوانين والتشريعات الفرنسية الحالية في مرتبة أعلى من كل الأديان. وفق منطق المشرع الفرنسي، فإن المواطنين والوافدين على السواء، يجب عليهم احترام مبادئ الجمهورية العلمانية، التي يمكن تفسيرها من دون مواربة بالحق في التعري في مقابل منع الحجاب. وفق هذا المنطق، الذي لا يجد اعتراضاً فقط من جانب الجالية المسلمة، فالحجاب رمز ديني يتعارض ارتداؤه مع مبدأ المساواة، وحياد المؤسسات أمام الأديان، أما التعري فهو حق خاص من حقوق الناس.
سبق اشتعال قضية الفتاة المتعرية بأيام صدور كتاب المعارضة الإيرانية المقيمة في فرنسا، التي تعيش تحت حماية الشرطة خوفاً من التهديدات، منى جعفراني، التي اختارت له عنوان: «أنا إيرانية». وفق الدعاية الترويجية للكتاب، فقد كانت جعفراني متأثرة بقضية مهسا أميني وأرادت أن تقوم بتوثيق واقع المرأة الإيرانية من خلال استعراض شهادات وقصص لمجموعة من النساء، اللواتي سيحكين تجاربهن التي عاشوها وما واجهنه من تحديات في ظل نظام «الجمهورية الإسلامية». كانت قضية الفتاة المتعرية مناسبة مهمة لاستضافة جعفراني من أجل التعليق عليها والتبشير بكتابها. في إحدى مداخلاتها مع «راديو سود» الفرنسي، حكت جعفراني عن أنه بعد اعتقال داريايي فإنه تمت إحالتها لمستشفى الأمراض العقلية، لفحص حالتها النفسية. تابعت جعفراني قائلة بسخرية، أن النظام يعتبر من لا ترتدي الحجاب مجنونة. ما تعمد متعاطفون مع داريايي تجاهله كان أن مثل هذا التعري في بيئة مشرقية يبدو أقرب إلى الجنون فعلاً. إن أبسط إلمام بالحساسية الثقافية يمكنه أن يخبرنا أنه، وبهذا الظهور الفاضح، فإن المرء لا يتحدى الشرطة والنظام فقط، بل يتحدى قيم المجتمع بأسره، الذي، وإن كان فيه من يعترض على فرض الحجاب، إلا أنه في غالبه مجتمع محافظ، كعامة شعوب دول الجنوب. يمكننا أن نمضي أكثر من ذلك للقول، إنه حتى في دول الغرب، فإنه لا يكون من الطبيعي أن يمشي المرء عارياً في أي مكان.
يعلم المجادلون أن في أي مكان في العالم، بما في ذلك ما يمكن وصفها بعواصم العالم الحر، فإنه لا يمكن اعتماد المنطق، الذي يقول إن هذا هو جسدي وأن من حقي أن أرتدي، أو لا أرتدي، ما أشاء. النظام الغربي نفسه يعمل على أن تكون المساحات العامة كالنوادي والشواطئ، التي يسمح فيها بالتعري، معروفة وخاصة، بل يعاقب من لا يلتزم بذلك عقوبات مشددة في أغلب الأحيان. أتيحت الفرصة لناشطات نسويات أخريات من أصل إيراني مثل مرجان ساترابي، الكاتبة والسينمائية، التي اكتسبت شهرة خلال السنوات الماضية وفازت أعمالها، الناقدة للمجتمع والسياسة الإيرانية، بجوائز عالمية مهمة، من أجل الإدلاء بوجهات نظرهن. حديث ساترابي وغيرها من الليبراليات كان مماثلاً لحديث جعفراني، خاصة لجهة الربط بين التحرر السياسي والتحرر من اللباس. ساترابي تمضي في تحليلها إلى ما هو أكثر من ذلك لتقول إن هذه القدرة الاستثنائية عند فتيات هذا الجيل على التحدي تعني أن النظام انتهى، وتتابع قائلة فيما كانت الشاشة تستعرض مشهد الفتاة العارية، التي تقف صامتة وسط استغراب وصدمة المارة، أن داريايي فعلت ما تتمنى جميع نساء إيران فعله.
كل ذلك التركيز لم ينجح، على ما يظهر، في «أيقنة» داريايي وجعلها امتداداً لقصة أميني، التي لاقت تعاطفاً قوياً، بالمقارنة مع صورة الفتاة المتعرية، التي نظر إليها كثيرون بانتقاد. القصة، التي اشتعلت وشغلت العالم لأيام سرعان ما انطفأت، كما انطفأت محاولات النفخ فيها من أجل أن تمثل شعلة للثورة وللتغيير.
كاتب سوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول Azmat Ullah Ghori:

    أبدع كعادنه دكتور مدى الفاتح في فضح تناقضات العقلية الفكرية الغربية والنظرة الثقافية الدونية لحامليها تجاه الشرق وأهله بجميع طوائفهم .. شكرا كثيراً جميلا جزيلا
    محمد السكري

  2. يقول علي:

    كاتب مبدع وأفكاره رائعة ومفيدة لفهم ما يدور في العالم

  3. يقول أسامة كلّيَّة سوريا/ألمانيا:

    شكراً أخي مدى الفاتح. أوافق الرأي على هذا المفتل المتوازن، اللهم باستثناء بعض التفاصل ومنها أني أرى أن تحدي هذه الفتاة بالتعري هو رسالة احتجاج سياسية ومدروسة على الأغلب ولهذا لم تنجح مثل حالة مهسا أميني التي دفعت حياتها ثمناً لرفض سلطة مستبدة، لكن الحالة هنا لاعلاقة لها في تحدي المجتمع وعاداته وتقاليده إنها رسالة احتجاج سياسية! ولها حقها في ذلك، ولم تكن ناجحة (أو غير موفقة لأسباب يمكن شرحها!) وكما أوضح المقال.

  4. يقول عبدالله /من الصحراء الغربية:

    مقاربة الكاتب لهذا الموضوع كانت في قمة الاتزان والموضوعية. لاقيم تعلو على القيم الأخلاقية. حياك الله وبياك.

اشترك في قائمتنا البريدية