نجح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في جرِّ الرئيس ترامب إلى حرب مع إيران. ترامب ليس رجل حروب، ولا رجل تخطيط سياسي واستراتيجي. هو نجم تلفزيوني في الأول والأخير، لذلك يريد أن ينأى بنفسه عن الصراعات، لكن هناك قوة واحدة يمكنها دفعه إلى الحروب ولا يستطيع أن يرفض لها طلبا: «آيباك»، وسبب واحد يزج من أجله بأمريكا في حرب: إسرائيل. قصف إيران دون أن يسأل، لأول مرة في حياته ربما، عن الفاتورة ومَن عليه دفعها!
لا أحد يعرف حجم الخسائر التي لحقت بالمنشآت النووية الإيرانية جراء القصف الأمريكي. ترامب في قمة زهوه وغروره المألوف، والإيرانيون ينفون وقوع خسائر فادحة. إذا تأكد للإسرائيليين صدق الرواية الإيرانية، يصبح تغيير النظام الإيراني مطلبهم القادم. وستجُرّ «آيباك» ترامب لخوض مغامرته مثلما جرّته لقصف المنشآت النووية.
منذ بدء الحرب الإسرائيلية ـ الأمريكية على إيران يتحدث كبار المسؤولين الإسرائيليين عن تغيير نظام الحكم في طهران مثلما يتحدث رجل عن تغيير بدلته. كثرة الحديث عن تغيير النظام، بالتأكيد أو بالنفي، مقصودة، بغض النظر عن واقعية الفكرة من عدمها، وتدخل في سياق الحرب النفسية المواكبة للحملة العسكرية.
في الحروب المعنوية على الشعوب يُرسِّخ تكرار الكلام نفسه في الموضوع نفسه الانطباع بأن الذي يُهدد يعرف ماذا يريد وقادر على فعل ما يقول. وهذا يكرّس لدى المتلقي شعورا بالتصديق ثم التقبّل، واستطرادا بالهزيمة.
لكن الواقع شيء آخر. هناك حقائق يتجاهلها الحالمون بتغيير الحكم في إيران. أولى هذه الحقائق أنهم، وعوض أن يجعلوا التجارب السابقة في المنطقة بوصلتهم ومرجعيتهم، يتعمدون القفز عليها. هناك فعل تغيير الأنظمة، وهذا أمر ممكن، وهناك واقع ما بعد تغيير الأنظمة، وهنا المعضلة. الإطاحة بأنظمة الحكم في أفغانستان والعراق، ولاحقا في ليبيا ومصر واليمن، لم تجلب الخير والاستقرار للمنطقة وللدول المعنية، بل سبَّبت فوضى عارمة وأنهاراً من الدماء.
هذه وقائع حدثت بالأمس، الغرب وإسرائيل شريكان أساسيان فيها. والقفز عليها هروب من مواجهة الواقع.
لكن أهم من تجارب المنطقة، هناك الحالة الإيرانية ذاتها التي، إذا لم يتأملها دعاة تغيير النظام في طهران، ستوقعهم في شرّ أعمالهم. إلى حد الآن يبدو أن مروّجي فكرة تغيير النظام لا يريدون التفقه في الحالة الإيرانية. أول عناوين هذه الحالة أن الإطاحة بالنظام الحالي لن تُغيّر العقيدة الإيرانية وأحد أركانها السعي لامتلاك تكنولوجيا نووية تجعل إيران مختلفة في المنطقة ومتفوقة على من فيها. «إيران نووية» كانت طموح الشاه رضا بهلوي وورثها عنه نظام الخميني الذي أطاح به.
الإطاحة بأنظمة الحكم في أفغانستان والعراق، ولاحقا في ليبيا ومصر واليمن، لم تجلب الخير والاستقرار للمنطقة وللدول المعنية، بل سبَّبت فوضى عارمة وأنهاراً من الدماء
القصة: عقب أزمة النفط التي هزّت العالم إثر حرب أكتوبر 1973 بين إسرائيل والعرب، قرر شاه إيران أن يبدأ مشروعا نوويا لتقليل تبعية بلاده للنفط والطاقة التقليدية. تفاوض مع وزير الخارجية الأمريكي آنذاك هنري كيسنجر. كانت فكرة كيسنجر أن تحتفظ واشنطن بـ«الكلمة الأخيرة» في الموضوع، وكان الشاه، في المقابل، يرفض أن تُعامَل بلاده مثل أيّ دولة أخرى في هذا الموضوع، منطلقا من «تفوقها وعراقتها» ومن علاقتها الوثيقة مع واشنطن.
لم يتوصل الطرفان إلى نتيجة، ثم أطاحت الثورة الإسلامية بالشاه بعد سنوات قليلة. لكن طموح إيران بقي على قيد الحياة، وسيبقى لو تغيّر النظام الحالي وبغضِّ النظر عمن سيحل محله.
هناك أمر آخر يتعيّن على الحالمين بتغيير النظام الإيراني مراعاته: الذهنية الإيرانية. في منطقة الشرق الأوسط تطغى المشاعر القومية بقوة، خصوصا في الدول التي تؤمن بأنها عريقة مثل إيران ومصر وتركيا وباكستان، ويفيض منسوب الوطنية والفخر بين سكانها. قد تستاء الشعوب وتختلف مع حكامها لكن عندما يتعلق الأمر بمصير الأوطان، تتراجع الخلافات بسرعة وتستيقظ المشاعر القومية.
في إيران الموضوع النووي مسألة فخر قومي وليس مطلب المرشد الأعلى أو الحرس الثوري.
في 2018 كتب أردشير زاهدي، وزير خارجية إيران وسفيرها لدى واشنطن ولندن خلال حكم الشاه، في «نيويورك تايمز» أن «التنمر لن يثني الأمة الإيرانية». كان زاهدي من منفاه في سويسرا وهو على أعتاب التسعين، يرد على تهديد وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو بأن إيران ستُسحق إذا لم تستجب لشروط واشنطن. في المقال ذاته يسأل زاهدي ساخرا: ألهذا الحد استبد الجهل بالعقول في الخارجية الأمريكية و«سي آي إي»؟
في حزيران (يونيو) 2019 نشر زاهدي مقالا مماثلا في صحيفة «واشنطن بوست» اتهم فيه واشنطن بخنق إيران في الموضوع النووي. كان زاهدي أبرز رموز نظام الشاه وآخر سفرائه في واشنطن قبل الإطاحة به. هو الذي وقّع انضمام إيران إلى معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية. على الصعيد الشخصي هو صهر الشاه (قبل أن يُطلِّق ابنته شهناز بهلوي). وكان أحد أكبر المتضررين من ثورة الخميني. عاش منفيا في سويسرا إلى أن توفي في تشرين الثاني (نوفمبر) 2021 متأثرا بإصابته بكوفيد19.
خلال فترة عمله سفيرا في واشنطن استغل زاهدي مكانته في تسهيل العديد من الصفقات. بفضله باعت إيران كميات هائلة من النفط للولايات المتحدة بأسعار مفضّلة، واشترت منها أسلحة وتكنولوجيا بمليارات الدولارات. والأهم أنه ساهم في جعل إيران منصة انطلقت منها الولايات المتحدة لتعزيز نفوذها في الشرق الأوسط.
رغم كل هذا القرب والخدمات يُقرُّ زاهدي بوجود عدم ارتياح عميق في الولايات المتحدة والغرب وإسرائيل من سعي إيران لامتلاك تكنولوجيا نووية. ورغم المنفى وحملات التشهير التي طالته من نظام الخميني، تصدّى زاهدي لبومبيو بشجاعة عندما تعلّق الأمر بالبرنامج النووي الإيراني.
قد ينجح الفعل إذا ما قررت الولايات المتحدة وإسرائيل الشروع في مسار الإطاحة بالنظام الإيراني، لكن الحساب سيكون ما بعد الفعل. وهذه بعض الأسباب: الإيرانيون لن يقبلوا بحامد كارزاي جديد ولن يستسلموا. المنطقة هشّة أمام تصرف طائش يجرّها إلى الجحيم. هذا التصرف سيكرّس صورة إسرائيل دولة مارقة وأمريكا دولة شريكة لها همّها الوحيد سفك الدماء وزرع الفوضى. سيعزز موقف روسيا في أوكرانيا ويمنح شرعية لخطط الصين في تايوان. سيكون ضربة قاصمة لدور الأمم المتحدة والقانون الدولي.
أما أهم نتائج هذا الخطاب المتهوّر والتهديد العبثي أنه يمنح إيران حق وأسباب التعجيل بامتلاك سلاح نووي.
كاتب صحافي جزائري
“في الحروب المعنوية على الشعوب يُرسِّخ تكرار الكلام نفسه في الموضوع نفسه الانطباع بأن الذي يُهدد يعرف ماذا يريد وقادر على فعل ما يقول. وهذا يكرّس لدى المتلقي شعورا بالتصديق ثم التقبّل، واستطرادا بالهزيمة” هذا ينطبق على الشعب الجزائري الذي بسبب أسطوانات المؤامرة الكونية اليومية في الإعلام أصبح يصدق” كل ما قالته مايا و كل ما قاله النبيذ” ! في جهنم تبرم مسيلمة الكذاب في قبره من طفح الكذبد و في الجنة فقد الوعي من كثرة الخيانة سنمار! فلا أحد يعلو عن صولجان العسكر.
يا اخي مادخل الجزائر في الموضوع !!
تعليق تحفة فنية.. شكرا..
بلاغة تسر القراء و لكن المعاني عصية على الفهم لمن يهمه الأمر.
اللهم اشف مرضى المسلمين…
كيف لا يصدق من راى و سمع “مثلا” مسؤول صهيوني يهدد بلده من دولة جارة “مسلمة”..و القائمة طويلة
لم تسقط ايران كما توقع البعض..بوجود اكثر من ثلاثين ألف عالم نووي. ستعيد طهران بناء برنامجها النووي. لكن ما يقلق هو هذا العدد الهائل من عملاء الموساد على اراضيها
إن كان هناك تغيير، فسيكون من الداخل… و هذا ليس ببعيد
” ، خصوصا في الدول التي تؤمن بأنها عريقة مثل إيران ومصر وتركيا وباكستان ” . ربما أدخلت سهوا باكستان التي كانت جزء لا يتجزأ من شبه الجزيرة الهندية ، واظنك مطلع على تفاصيل انشاء دولة الباكستان.
أعداء الأمة الحقيقيون هم هاته الأنظمة الحاكمة الفاسدة و الدكتاتورية….هي العائق الوحيد وراء التنمية!
شعوب تتجرع العنتريات و الخداع الاوهام و النيف الزائد. 58 سنة بعد هزيمة 67 ولازالت دار لقمان على حالها. نتلقى الصفعات تلو الصفعات.
مسألة سقوط النظام الإيراني لاتحكمها عواطف المؤيدين الذين ينتظرون ممن شارك في قتل ثلاثة ملايين عراقي..ويحتل حالياً العراق..وشرد نصف الشعب السوري..وقتل مئات الآلاف من خيرة أبناءه..ودمر البنية الإجتماعية للشعب اليمني واللبناني.. أن يحرر فلسطين..وعينه على احتلال مكة والمدينة..؛ ولا تحكمها أيضا تطلعات من شردوا من وطنهم في سوريا..ونكل بهم في العراق..ودفع بهم إلى المحرقة الصهيونية في غزة..؛ ولكن تحكمها اجندات من اطاح بالشاه وقلب له ظهر المجن في واشنطن وباريس ولندن.. وأتى بالخميني على متن طائرة فرنسية ضخمة من صنع أمريكي..ليجهض حلم الشاه بامتلاك قنبلة نووية..ويدفع بالمنطقة إلى حروب استئصالية تحت وهم إستعادة إمبراطورية داريوس الساسانية الفارسية….وهي نفس الاجندات التي دفعت بيدقا أمريكا إسمه ضياء الحق للانقلاب على ذو الفقار علي بوتو واعدامه حتى لاتصل الباكستان إلى تصنيع تلك القنبلة..ولكن الإنقلاب وقع بعد انتاجها..فتم التخلص من البيدق بعد ذلك..؛ والمراقب للحرب الحالية التي يقصد بها قص أجنحة إيران من باب قرص الأذن فقط..سيدرك حتما أن الهالة التي اعطيت اعلاميا لنظام الملالي..منفوخ فيها بشكل مقصود… وأن سقوط كبار الضباط وعلماء الذرة في مقدمة القصف..دليل على أن بيتهم أوهى من بيت العنكبوت..
مجرد انطباعات شخصية مزاجية لا يُعول عليها
لو كان بيت الإيرانيين أوهى من بيت العنكبوت حقا
لما لجأ الصهاينة إلى التماس وقف إطلاق وبخاصة
بعدما تيقنوا من عجزهم أمام الترسانة الإيرانية
تحليل عميق مسلح بالأدلة والبراهين، كماهي عادة الاستاذ المبدع توفيق رباحي.