الشعب الجزائري بصدد صنع الواقعة التاريخية التي تسوغ له استعادة السلطة الفعلية من بقايا النظام. ففي كافة الأحوال النظام الذي كان قائما قبل 22 فبراير/شباط 2019 لم يعد يمتلك الشرعية اللازمة لمواصلة حكمه، إلا بالقدر الذي يتنازل عنها تباعا إلى الشعب، باعتباره المعَبّر الحقيقي عن حراك جماهيري يعلو على كل السلطات.
فالشعب اليوم في حالة سيادة يمارس السياسة كفعل مطلق، أي يؤسس لنظام آخر غير الذي عهدناه قبل 22 فبراير الماضي. هذه الحقيقة يجب أن تفهم من قبل بقايا النظام، وكذلك من قبل الحَراك نفسه. فبنية بقايا النظام قَيْد التَّحلل ويتَلاشي نفوذه لصالح الإرادة الشعبية، المرجع الأخير والعالي لتراتبية السلطات في الدولة والمجتمع. وعليه، فيجب على الحراك أن لا يفقد للحظة واحدة الوعي بسلطته الفعلية التي يقرر بها مصير الشعب والنظام معاً. من جملة النقاط التي يجب أن توضع على بعض الحروف، أن بقايا النظام وما بقي له من نفوذ وسطوة هي مجرد استعراضات عارضة يودع بها الحكم، ويحتم على الطرف الشعبي أن يواصل توسيع دائرة وجوده، وتقرير ما يكون عليه وضع الجزائر ما بعد واقعة إسقاط نظام حكم القوى غير الدستورية، وسَدَنتها من ممثلي الأحزاب الموالية وأذنابهم.
وفي خضم هذه الجدلية، أي جدلية استعادة السلطة من جانب، وفقدانها من جانب آخر ، يكون الحراك على أعلى درجات الوعي، بأن لا يترك لبقايا ا لنظام أي اعتبار أو أي سلطة، يدخل بها كطرف أصيل في عملية ترتيب الأوضاع لما بعد عهد «الاستبداد الدستوري». فالجيش، باعتباره آخر بقايا النظام ليس له إلا مرافقة الشعب في إرساء معالم الدولة المدنية الديمقراطية، وهذا ما أوضحناه في مقال سابق، ورد تحت عنوان « الجيش والشعب المواجهة السارة»، حيث تعود السيادة للشعب، وفي الوقت ذاته لا يفقد الجيش مؤسسته العسكرية. الاعتبار الوحيد الذي يتحلى به الجيش ممثلا في قيادة الأركان، أن يَدَه على الزناد ويستند إلى ترسانة حربية وأمنية مازالت بحوزته، ومن ثم فهو في مواجهة مراكز قوى أمنية داخلية وفي مواجهة الجماهير، إذا ما عنّ لها أن تثور بعنف على الوضع. فالمماطلة والتسويف والإرجاء إلى مواعيد لاحقة، لا يمكنها أن تتحقق، على ما حصل للندوة التي دعا إليها «رئيس الدولة»، وهي ليست في صالح قيادة الأركان، لأنها تُعَرّض النظام إلى التَّآكل الداخلي، على ما نلحظ ونرى من تراجع في الإقبال على موعد الانتخابات التي عبثا، يحاول بقايا النظام أن يجريها في موعدها المقبل 4 يوليو/تموز 2019.
إن عدّة الحراك وذخيرته هي الجماهير المحصّنة بتعليم وتكوين سياسي واجتماعي يمكنها من التمييز والوعي بالحق والحقيقة
في سياق الحراك والمسيرات الشعبية التي تجرى في الفضاءات العامة بترتيب في الزمان والمكان، بدأت الجماهير تمتلك اليقين السياسي العالي، الذي يجبرها على عدم التخلّي عن السيادة، ليس في مواجهة بقايا النظام فحسب، بل ضدّا على من تسول لهم نواياهم المبيتة، ممن هم على هامش الحراك، يتربصون به بالسعي إلى تلبية دعوة قيادة الأركان إلى حوار، لا تملك أي اعتبار أو قيمة سياسية تبرر لها «الانتصاب»، كطرف أصيل في عملية الخروج من الأزمة، وترتيب وضع الجزائر لما بعد وقف الانتخابات المهزلة وما بعد يوم الخروج الأعظم.
الحراك كتيار جماهيري دافق لا يتوقف، أو يجب أن لا يتوقف، إلى أن يستعيد سلطته الكاملة من بقايا النظام، لأن العبرة كل العبرة بالمضمون الذي ينطوي عليه الفعل السياسي لما يجري في المجالات العامة. فالعمومية كقطاع هي اليوم في جهة الشعب، وليس للنظام القائم معنى إلا بإجراء مزيد من التنازل الإيجابي عن بقايا صلاحياته وسلطاته وامتيازاته، التي لم تعد مبررة وفاقدة للشرعية والمشروعية، حتى في إطار دستور 2016، لأنها هي أول من تنكرت لبنوده ومواده. الوقوف على الحراك بالتعريف والتحديد والإفصاح عن ماهيته يقتضيها الفكر السياسي المعاصر في آخر تطوراته، عندما يشير إلى مصطلحات جديدة من الحكامة أو الحكم الراشد، الانتقال الديمقراطي التي يجب أن تتوفر في نظام حكم يتسع للموالاة والمعارضة، في سيرورة من تناوب السلطة عبر من يقدم أفضل البرامج والمشاريع. عندما يتعلق الأمر بحركة سياسية جديدة ، مجالها الميادين العامة ووسيلتها ثقافة اللقاء والنضال السلمي المسالم، فإننا نكون بصدد توكيد حقيقة، من أعظم الحقائق التي اكتشفها الفكر السياسي المعاصر، ونقصد القوة الحيوية التي تنطوي عليها السلطة، أي قوة «البيو» في سلطة الحكم، على ما نظّر لها المفكر الفرنسي ميشال فوكو. فالمادة الحيوية التي تسكن السلطة وتعبر عن جوهرها هي التي تطيح بأنظمة وتنشئ أنظمة على أنقاضها. فالدولة شخصية اعتبارية تعلو وتتنزه عن الأغراض الشخصية، ولا تتماهى معها إطلاقا، فحياة الدولة لا تتوقف على حياة وموت الأشخاص، سواء أكانوا حكّاما أو غيرهم. وهكذا، تواصلا مع خيط الفكرة السابقة ، أن الأشخاص الذين أداروا فترة الحكم السابق إلى يوم 22 فبراير، لا يمكنهم إطلاقا أن يواصلوا الحكم، لأن مادتهم الحيوية في السلطة فقدت متانتها وأنتابها الموت، وصارت تنادي على من يؤبِّنهم إلى مثواهم الأخير وتحييدهم عن النشاط السياسي اللاحق.
أخيرا، ولعلّه أولا، أن الجيش في وعي جماهير الحراك هو قوة برسم أن يكون مؤسسة ليس من رموزه الفاسدة التي طغت وحكمت في الجزائر لعهود طويلة، خاصة زمن «القوى اللادستورية»، بل من الأفراد التي يفرزها الحراك نفسه الذي يتسع لكافة مكوّنات المجتمع الجزائري، وهذه عبقرية الحراك نفسه في أعلى درجات الوعي السياسي، أي الحرص على بقاء المؤسسات كجزء مكوّن لمسار دولة الحق والقانون المنشودة. فسياق الحراك، كما يحدث في الجزائر ويمكن أن يحدث في الخارج، ينبذ مصطلح الثورة التي لا تبقي ولا يذر، ولا يعبأ بمفردة الثورة المضادة، لأن ما تنطوي عليه المسيرات الجماهيرية وتفصح عنه الأمكنة العامة هي الشعب كلّه، صاحب شرعية انتخاب من يمثلونه في مؤسسات عمومية، ولا يسمح إطلاقا بأي إجراءات تعيين وترقيع، ويرفض أصلا فكرة وجود طرف آخر غير الشعب صاحب السيدة العليا.
إن عدّة الحراك وذخيرته هي الجماهير المحصّنة بتعليم وتكوين سياسي واجتماعي يمكنها من التمييز والوعي بالحق والحقيقة، تعرف عَبْره وجهتها، تستطيع أن تنقذ نفسها مع مؤسسات الدولة، وليس مع رموز الفساد فيها. فالأم أو الجدة التي تخرج في مسيرات عامة وتدلي بدلوها في قضايا الوضع، ليست من الرصيد المهمل الذي كان يسعف حزب الإدارة على الفوز الظالم في الانتخابات والاستفتاءات، لا بل هي أم وجدة تعبر عن رأيها باللغة العربية واللغة الفرنسية، وهي تعي تماما الوعي ما تقصد بعباراتها. نريد القول، في نهاية التحليل، إن الجهل كان نصير السلطة الفاسدة ، لكن مع علم وثقافة الجماهير تجترح الجزائر بداية لما بعد النظام السلطوي.
كاتب وأكاديمي جزائري
لا يمكن بناء الدولة الجزائرية الجديدة فوق شعارات فضفاضة شعبوبة يتم النفخ فيها لأسباب يعلمها الله وحده وتصويرها في هيئة الحل الواقعي الوحيد بينما هي بعيدة عن ذلك كل البعد.
لا أحد يمكن أن ينكر أن الشعب وحده من يملك ممارسة السلطة ولكن لا يمكن للشعب أن يمارس سلطته سوى عبر ممثليه الشرعيين ومؤسساته الشرعية..
من الجنون أو من التدليس أن يتم الحديث ن سلطة الشعب الذي أنهى الدولة القديمة بحراكه الواعي دون التطرق إلى المسارات التي يجب على الشعب أن يتخذا لتحديد مؤسساته الشرعية وفي هذا الاطار من الجنون ونن التدليس أيضا أن يتم الحديث عن انتقال ديمقراطي يقصي مؤسسة الجيش التي في الواقع لم يبق غيرها كمؤسسة قائمة في البلاد.
الحديث عن سلطة الشعب دون الوض في تفاصيل آليات ممارسة ذلك الشعب للسلطة هو ضحك هلى ااذقون ودعوة للفوضى الخلاقة التي يسعى لهازالكثيرون من أجل الرحوب على الحراك وتنفيذ أجنداتهم الخاصة.