في مقال له بعنوان «لماذا يجب أن تكون الطاقة النووية جزءا من حل الطاقة» يقول ريتشارد رودس «في أواخر القرن السادس عشر، عندما أجبرت التكلفة المتزايدة للحطب، سكان لندن العاديين على التحول على مضض إلى الفحم، اعترض الدعاة الإليزابيثيون على الوقود الذي اعتقدوا أنه حرفيا (مخلفات الشيطان). كان الفحم أسود اللون، قذراً، ويوجد في طبقات تحت الأرض – أسفل نحو الجحيم – وكانت رائحته قوية مثل الكبريت عندما يحترق. كان التحول إلى الفحم، في المنازل التي تفتقر عادةً إلى المداخن، أمرا صعبا بما فيه الكفاية؛ ورغم أن الإدانة الصريحة من جانب رجال الدين كانت مبررة بيئياً، إلا أنها أدت إلى تعقيد وتأخير التوصل إلى حلٍ لمشكلة ملحة تتعلق بإمدادات الطاقة في الوقت المناسب.
يرى العديد من أنصار حماية البيئة، المهتمين بظاهرة الانحباس الحراري العالمي، أن الطاقة النووية أصبحت اليوم بمثابة مخلفات الشيطان. إنهم يدينونها لإنتاجها واستخدامها للوقود المشع، وللمشكلة المفترضة المتمثلة في التخلص من نفاياتها، وفي رأيي أن إدانتهم لهذا المصدر الفعال منخفض الكربون للطاقة الأساسية في غير محلها. وبعيداً عن كونها مخلفات الشيطان، فإن الطاقة النووية، من الممكن أن تمارس دورها الحيوي في حماية هذا الكوكب.
ومثل جميع مصادر الطاقة، للطاقة النووية مزاياها وعيوبها، وبما أنها تنتج الطاقة عن طريق الانشطار النووي، بدلاً من الحرق الكيميائي، فإنها تولد الكهرباء الأساسية، دون إنتاج الكربون، العنصر الشرير في ظاهرة الانحباس الحراري العالمي، إذ يعد التحول من الفحم إلى الغاز الطبيعي خطوة نحو إزالة الكربون، حيث أن حرق الغاز الطبيعي ينتج حوالي نصف ثاني أكسيد الكربون الناتج عن حرق الفحم. لكن التحول من الفحم إلى الطاقة النووية يؤدي إلى إزالة الكربون بشكل جذري، فمحطات الطاقة النووية تطلق الغازات الدفيئة فقط من الاستخدام الإضافي للوقود الأحفوري أثناء بنائها، والتعدين، ومعالجة الوقود، والصيانة، وإيقاف التشغيل – بقدر ما تطلقه الطاقة الشمسية، وهو حوالي 4 إلى 5 في المئة من محطة توليد الكهرباء التي تعمل بالغاز الطبيعي. وعلى عكس العديد من مصادر الطاقة المتجددة، يمكن توليد الطاقة من الطاقة النووية على مدار 24 ساعة في اليوم ولا تعتمد على الطقس، مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية.
لمكافحة تغير المناخ، سيحتاج العالم إلى طرق جديدة وأفضل للاستفادة من مصدر الطاقة هذا، الذي تنتجه المفاعلات النووية، من خلال عملية لا تولد أي غازات دفيئة
إن الطاقة النووية هي المصدر الأكبر، والأكثر موثوقية للطاقة النظيفة في العالم، وهي توفر الكهرباء لمنازل عشرات الملايين في الأماكن التي تستخدمها. ولمكافحة تغير المناخ، سيحتاج العالم إلى طرق جديدة وأفضل للاستفادة من مصدر الطاقة هذا، الذي تنتجه المفاعلات النووية، من خلال عملية لا تولد أي غازات دفيئة، ولكن كيف يمكن للمفاعلات النووية أن تنتج كل هذا القدر من الطاقة دون انبعاثات؟ لقد ظلت قوة الذرة في قلب عملية توليد الكهرباء لأكثر من نصف قرن، منذ خطاب إيزنهاور «الذرة من أجل السلام» والآن يبدو أن الانشطار النووي – العملية التي يتم من خلالها استخدام الطاقة النووية لتوليد الكهرباء – سيدعم مستقبل أنظمة الطاقة النظيفة الخالية من الطاقة على مستوى العالم ويمكن أن يؤدي دوره بفاعلية تجاه تهديد سلام مناخ هذا الكوكب. ويبدو أن الصراع القائم في العالم منذ ما يقارب نصف قرن، أو أكثر هو صراع على موارد الطاقة البديلة للوقود الأحفوري، لكنه لم يظهر على السطح إلا بعد إعلان الأمم المتحدة للأهداف السبعة عشر للتنمية المستدامة. ومؤخرا قالت مؤسسة تكنولوجيا المعلومات والابتكار، وفقا لوكالة رويترز في تقرير صدر الأسبوع الماضي، مظهرا حجم ذلك الصراع «إن الصين لديها 27 مفاعلا نوويا قيد التطوير، ويستغرق تشغيل المفاعل سبع سنوات في المتوسط، وهو أسرع بكثير من معظم الدول الأخرى. وقال معهد الأبحاث ومقره واشنطن، إنه بين عامي 2008 و2023، زادت حصة الصين من براءات الاختراع النووية من 1.3 في المئة إلى 13.4 في المئة، وتتصدر الآن في عدد طلبات براءات الاختراع الخاصة بالاندماج النووي.
واقتصاديا تشكل تكاليف الوقود للمحطات النووية نسبة ضئيلة من إجمالي تكاليف التوليد، رغم أن تكاليف رأس المال أكبر من تلك الخاصة بالمحطات التي تعمل بحرق الفحم، وأكبر بكثير من تكاليف المحطات التي تعمل بحرق الغاز. كما إن تكاليف نظام الطاقة النووية (وكذلك توليد الطاقة بالفحم والغاز) أقل كثيراً من تكاليف مصادر الطاقة المتجددة المتقطعة. كذلك فإن توفير الحوافز للاستثمار طويل الأجل وعالي رأس المال في الأسواق غير الخاضعة للقواعد التنظيمية، مدفوعة بإشارات الأسعار قصيرة الأجل، يمثل تحديا في تأمين نظام متنوع وموثوق لإمدادات الكهرباء. وعند تقييم اقتصاديات الطاقة النووية، يتم أخذ تكاليف وقف التشغيل والتخلص من النفايات في الاعتبار بشكل كامل. ويعد بناء محطات الطاقة النووية نموذجا نموذجيا لمشاريع البنية التحتية الكبيرة في جميع أنحاء العالم، والتي تميل تكاليفها وتحديات تنفيذها إلى التقليل من تقديرها.
وأخيرا يمكن أن نختتم بقول ريتشارد رودس، الذي اقتبسنا منه في مطلع المقال «إن الطاقة النووية ليست الحل الوحيد لتهديد الانحباس الحراري العالمي. الطاقة المتجددة لها مكانها. وكذلك الأمر بالنسبة للغاز الطبيعي، على الأقل فيما يتعلق بتسوية تدفق الكهرباء، عندما تختلف مصادر الطاقة المتجددة. لكن الطاقة النووية تستحق ما هو أفضل من التحيزات والمخاوف المناهضة للطاقة النووية التي ابتليت بها.. إنها جزء قيم، وحتى لا يمكن استبداله، من الحل لأكبر تهديد للطاقة في تاريخ البشرية».
كاتب يمني