الصرح الثقافي العراقي في لندن… كاليري الكوفة

حجم الخط
0

حين وجدتُ نفسي في العاصمة البريطانية لندن نهاية عام 1989. بعد سلسلة طويلة من المنافي، وجدتُ أيضاً معلماً ثقافياً كبيراً، إنه «كاليري الكوفة»، ذلك المكان الحاني والحادب على جمهرة عربية كبيرة من المهاجرين الجدد والمقيمين الأوائل، ممن وفدوا إلى لندن لغرض الدراسة، أو الهجرة المتصلة بأسباب وموجبات حياتية، سياسية، تجارية، اقتصادية، أو علمية ذات توجّهات شتى، هدفها التعلّم واكتساب الخبرات العلمية والفنية والإدارية. هذا المكان بمرور الوقت أضحى يجسّد ويعكس بإهابه ورونقه المعماري الفريد، في قلب العاصمة البريطانية لندن، ثقافة وتراث حضارة العراق، بكلّ مراحله الزمنية والتاريخية والحضارية.

في هذا الصّرح الثقافي الدافئ والأليف، كنا نلتقي كل أربعاء من الأسبوع، حيث زواياه وأركانه وسقفه الخشبي الأبنوسي الغامق، والمتواشج مع رموز ودلالات الشناشيل العراقية وزخرفتها الكوفية، الفنية والتراثية، والمُصمّمة بأصابع فنّية ماهرة لمعماري كبير، هو صاحب المكان ومالكه الراحل محمد مكّية.
كنّا نلتقي، في أفق هذا الصّرح المعماري الجميل والأنيس، حيث تنتصب هناك المكتبة التراثية الرفيعة، التي تضم وتحتوي على كتب ومخطوطات تاريخية نادرة، كانت تضيء الجزء العلوي من المكان. لقد أثرى كاليري الكوفة الحياة الثقافية العراقية والعربية، أثراها بأمسيات ومعارض وندوات لا تنسى، اقتسمها الفن التشكيلي، بمعارض لفنانين عراقيين وعرب وبريطانيين وأوروبيين، فكانت الألوان تشع في الصالة شبه الدائرية، والأسماء كانت معروفة وساطعة في عالم الفن وأفقه الواسع، المنفتح على التصوير كفن إبداعي، وعلى التجارب المسرحية، وعلى فضاء الفن التشكيلي بتجاربه الحديثة، وأشكاله الفنية الجديدة، وتحوّلاته الأسلوبية التي لا تنقطع وتيرتها في البلاد العربية والأجنبية.
وكذلك هي الأمسيات الموسيقية والغنائية المختلفة، التي أقيمت بين زواياه المرنانة التي يتداخل صداها مع تخاريم وزخارف نوع الخشب البنّي الداكن، الذي يحتويه فيتسع الصدى حينها ويطول.
كان المكان ملاذاً دافئاً للعراقيين، مكاناً للقاء والتواصل والتحاور وإثارة الأسئلة، عبر الجدل والقراءة، وصولاً إلى حثّ الخيال في استنباط الأفكار وإنتاج الرؤى والصيغ الإبداعية الجديدة، هذه التي قد تتحوّل إلى بحوث ودراسات، وربما إلى قصائد ولوحات ستنير مسار حياة المنفي العراقي والعربي.
وفي مجال الشعر، فقد وقف على منصّة كاليري الكوفة، العديد من كبارالشعراء العراقيين والعرب والبريطانيين والأوروبيين، وكذلك من الأمريكتين، فقد أقيمت أمسيات وقراءات شعرية لا تحصى، على هذا المنبر الجامع لجميع المبدعين من العالم.

أما في مجال البحوث والدراسات والندوات النقدية والفكرية والفلسفية والروائية والقصصية، فكانت كثيرة، وغنية بأسماء أدبية لافتة، لا سيّما وأن المكان كان يُشرف عليه وعلى إدارة مكتبته، ويضع ويُعد البرنامج الثقافي الشهري للكاليري، هو الباحث رشيد الخيّون وبمعاونة دائرة من الأصدقاء. من هنا كان ديوان الكوفة عبارة عن مركز تنوير فكريّ، وإشعاع أدبيّ، ومنتدى اجتماعي، يجمع كل الهالات والأطياف والمنازع من طبقات المجتمع العراقي، متعدد الأديان والمذاهب. يأتي إليه المنفيّون القدامى، فالمنافي هي أجيال أيضاً، فهناك أفراد لا يزالون يحنّون إلى الزمن الملكيّ، وأفراد يحنّون إلى عهد عبد الكريم قاسم وعارف الثاني، ثم جيلنا الذي ابتلى بالنظام الديكتاتوري الدمويّ الثقيل، هذا الذي أدّى إلى هجرات متوالية ظهرتْ مطالعها في نهاية السبعينيّات من الألفية الأولى، ولم تنقطع وتيرتها حتى رحيل الطاغية ونظامه البائد.

في ضوء كل ذلك ولشتّى الأسباب انبثق «كاليري الكوفة» ليكون الحاضنة المثالية لكل هذه السلالات المنفية، من العراقيين والعرب أيضاً، كون المكان كان قد شكّل على مدار عقود من السنوات معلماً حضارياً عربياً ومأوىً ثقافياً للجميع.
في خضم نشاطات كاليري الكوفة المتوالية، كانت تقام إلى جواره منتديات أدبية وثقافية وفنية، ولكن أغلبها كانت تتم تحت يافطة سياسية، يسارية أو ذات نهج ديني يطغى عليه الجانب المذهبي، أكثر مما يطغى عليه الجانب الثقافي والمعرفي، فاليسار له مريدوه وأتباعه ومحازبوه، وكذلك الاتجاه الديني، غالباً كان يتمسح بالرؤية المذهبية، ذات التوجه الضيق والمحدود، أما كاليري الكوفة فكان يأتي بالعكس، ما كان يأتي به الآخرون، بصفته حاضنة ومستوعَباً وملاذاً يؤمه الجميع، من كل المذاهب والأطياف والأديان والاتجاهات السياسية والفكرية، وهو لا يمثل العراقيين فحسب، بل كان يمثل شرائح كبيرة وواسعة من المجتمعات العربية، تلك التي وجدت في لندن غايتها، بل كان يشهد في بعض مناسباته مشاركات لكتاب وفنانين وباحثين بريطانيين وغيرهم من الأوروبيين، كانوا يسهمون جنباً إلى جنب العراقي والعربي، في النشاط الثقافي الذي كان يتطلب أحياناً مشاركة واسعة يحددها السياق المطروح في ندوة ثقافية، كالحديث مثلاً عن الشعر والرواية والترجمة، أو المسرح وما يتضمنه من رؤى وأفكار وطروحات وتوجّهات ومراسم، مستجدّة ومستحدثة وآنية، تدور في فضاءات المسرح العالمي. هذا ناهيك من الغناء والموسيقى والندوات الفكرية المتشعّبة والمتنوّعة والمتوغّلة في الشأن الفلسفي والعلمي والأدبي من ثقافتنا العربية.

إذن كم نحتاج في ظرفنا الراهن، حيث الأمة العربية تتعرّض إلى هزّات وضربات في الصميم، كغزّة على سبيل المثال، كم نحتاج إلى فضاء وأفق جديدين، يعملان وفق أزمنة حديثة وتنويرية، يجري بين أروقتهما هواء نظيف ومختلف ومغاير، يتسق مع رؤية نقية وأدبية وفنية خالصة، ككاليري الكوفة، يجمع الأجيال الجديدة للمهاجرين الجدد والقدامى، يجمعهم تحت مظلته، من دون دوافع من أيّ نوع كانت، دوافع بعيدة عن التكتلات، والتجمّعات والمؤثّرات ذات الطابع السياسي والديني العصبوي، التي تتحرّك بدافع نفعي يحمل أفكاراً وتعاليم ووصايا نهج فئوي، لا يقبل بالعنصر الحر والفاعل ذي التوجه الليبرالي، العلماني، كونه رازحاً تحت محددات وعي ضيّق التفكير، يسعى دائماً إلى أن يُجيّر مساهمة المبدع لصالحه، على أنها هي أيضاً أي فكرة الآخر تسهم في إنتاج أفكاره ورؤاه ومصطلحاته وتصب في النهاية في اتجاهه وخطه وسبيله الفكري، من أجل الانتشار والذيوع والشيوع في عالم بات غامضاً ومختلطاً، طُمست فيه ملامح المبدعين والمفكرين والرؤيويين الحالمين والعاملين في حقول الرؤى ومخيالها الخصيب.

شاعر‭ ‬وكاتب‭ ‬عراقي‭ ‬

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية