كنتليان Quintilien واسمه الكامل ماركوس فابيوس كنتليانوس علم من أعلام البلاغة اللاتينية في القرن الأوّل للميلاد، جمع بين مهنتي المحاماة وتدريس البلاغة. عرف بكتابه «في المؤسسة الخطابية» De institutione oratoria الموجّه إلى تربية الخطيب وتعلم مبادئ الخطابة. كانت الخطابة جزءا من الثالوث العلمي Trivium وهي ثلاثة علوم من مجموع سبعة تؤلف ما يسمّى بالفنون الحرّة. الثالوث العلمي يتألف من النحو والبلاغة والجدل. قرر الإمبراطور الروماني التاسع إسفيانوس Vespasianus (حكم بين 69 و79) أن ينشئ تعليما عموميا فسمّى كنتليان في هذه الخطة وصارت المدرسة موجّهة إلى تدريس البلاغة وقضى في التدريس عقدين استطاع فيهما أن يرسم الخطوط الكبرى للدرس البلاغي اللاتيني القديم. ما يعنينا في هذ المقال أن نبيّن من خلال كتابه «في المؤسسة الخطابية» كيف حاول أن يرسم ملامح الطفل البلاغي، وكيف كان يوجّهه إلى البلاغة وينتقد هيمنة النحاة على التدريس في مجالات هي من مجالات البلاغة.
يلوم كنتليان معلمي البلاغة على أنّهم تخلّوا عن دورهم وافتكّه منهم النحاة، وكان اعتقاد البلاغيين أنّ دورهم « يقتصر على الإلقاء الخطابي وتعليم فنّ الخطابة ومهاراته»، وهو يشير بذلك إلى ارتباط هذا الفنّ بالمحاماة والدفاع عن المتنازعين لدى المحاكم في قضايا تخص ملكية الأرض وإثباتها؛ فالبلاغيّ كان محاميا في ذلك الوقت. لقد كان النحو في أصله الأوّل مقتصرا على دراسة الحروف، وعلى فنّ الكتابة، فهو علم تقنيّ محدود، ولكنّه استحوذ حسب كنتليان على اختصاص البلاغيين من غير أن تكون لهم الكفايات التعليمية المناسبة.
ينصح كنتليان الأسر أن تعهد بأبنائها إلى بلاغيّين، وليس سنّ التمدرس مهمّاً بقدر ما تكمن الأهمية في قدرة الطفل الذهنية على استيعاب دروس البلاغة، التي تقدّم إليه. وعلى العموم كلما بكّر الولي في وضع ابنه بين يدي البلاغي (أو النحوي المستحوذ على دور البلاغي) كانت النتيجة أفضل. يبدأ دور البلاغي أكيدا حين يصبح الطفل قادرا على الكتابة والسرد، وعلى تأليف نصوص من النوع الخطابي أو البياني، كما يقول كنتليان. في هذه المرحلة ينبغي للبلاغي أن يعلم الطفل أشكال الجدل والحجاج، أو الخطابة القضائية، وأن يتعلم المدح والذم وكل الأساليب السردية والبيانية والوصفية، التي يحتاجها المترافع في القضاء. إنّ «انتزاع» التلميذ من يد النحوي بعد أن يتعلم مبادئ النحو أمر ضروري لكي يلتحق بالبلاغي. لكنّ كنتليان يرى من المفيد الجمع بين معلِّمَيْن في آن واحد في الاختصاصين المذكورين، وهنا يصدع كنتليان بعبارات ثقيلة من جهة مردوديتها التعليمية إذ يقول: «لا أزيد العمل، بل أقسّمه فقط، بعدما كان مختلطا عند معلّم واحد. وبذلك يصبح كلّ واحد منهما أكثر فائدة، حين يقتصر على مجاله الخاص». إنّنا إزاء تمييز مهمّ بين تركيم ساعات الدرس في سلك عام (نحو، بلاغة) واحد، وتقسيمه إلى اختصاصين يدلي كلّ بما يمكن أن يفيد فيه التلميذ من غير أن يتطفّل على مجال غيره فلا البلاغي يتطفل على النحوي (وهذا غير وارد) ولا النحوي يتطفل على البلاغي (وهذا واقع)». التدريس بالقسمة والاختصاص عادة يونانية مثلما يخبرنا كنتليان، ولكنّ اللاتينيين أهملوها ومالوا إلى تعليم نسميه اليوم «عاما»، أو «جذعا مشتركا». ولكل فلسفته فلسفة الأوّل التخصص والتعلم الحافر في عمق أصل واحد؛ وفلسفة الثاني الجمع من غير تفريط في العلمين ولنقل في الثلاثة إذا اعتبرنا أنّ الجدل مادّة مضمنة في دروس البلاغة وليس النحو.
يقدّر كنتليان أنّ المتعلمين حين يصلون إلى مرحلة استحقاق الدراسة البلاغية يكونون قد بلغوا سنّ المراهقة، ولنقل بعبارة قديمة بلغوا سنّ البلوغ أو الرشد؛ في هذه المرحلة الحساسة يوصي كنتليان أن يُدرج مقياس الأخلاق في اختيار المعلمين يقول: «فالطلاب يكونون في الغالب قد بلغوا سنّ المراهقة حين يُسلَّمون إلى معلّم البلاغة، ويُدركهم سنّ البلوغ وهم لا يزالون تحت إشرافه، لذلك يجب الحرص الشديد على أن تجد سنواتهم الغضّة في نقاء المعلّم حماية من كلّ فساد، وأن تردعهم هيبته في سنّ الشهوات عن كل انحراف. ولا يكفي أن يقدّم هو نفسه مثالًا في الصرامة الأخلاقية، بل يجب أيضا أن يضبط، بحزم نظامه، أخلاق الشباب الذين يتلقّون عنه».
ويستعير كنتليان للمعلم صورة الأب ليؤكّد على هذا «النقاء» العلاقي بين المعلم والمتعلم؛ بل إنّ المعلّم البلاغيّ يصبح أيضا معلّما للفضيلة، لأنّه «كلمّا أكثر من النصح قلّ احتياجه إلى العقاب». ومن أخلاق المعلّم حسب كنتليان الابتعاد عن الغضب والتشدد مع الرذائل صارما في غير قسوة لينا من غير تهاون. وعليه أن يمدح أعمال تلاميذه فلا يعليهم فوق ما يستوجب قدرهم، وعليه أن ينقدهم فلا يحطهم نقده إلى السافلة، فالمتعلم ينبغي أن يكون وسطا بين ثقة زائدة ونفور قاتم ممّا يتعلمه. يتدرب الطفل في أوّل تعليمه على مبادئ ليست هي من جوهر البلاغة وهي، القدرة على السرد وهذا من عمل النحويين، وفي السرد ضروب ثلاثة: الأول منها سرد الأساطير والخرافات التي لا تمت للواقع بصلة، وإن كانت تعالج المآسي والقصائد. والثاني هو السرد الافتراضي الذي يكون الخيال فيه معقولا وهو الذي يستعمل في الكوميديا. وأخيرا فإنّ النوع الثالث من السرد موكول إلى البلاغي، إذ يعلم الطالب الصغير عرض الوقائع التاريخية، وهذا هو الذي يتطلب فنّا ومهارة لا يتقنها غير البلاغي لأنّه أدخل في الخطابة القضائية.
إنّ السرد الذي يتعلمه الطفل هو سرد فيه ماء الأدب ورونق الخيال، وليس فيه جفاف ضارّ بالطفل وبتفكيره. يستشهد كنتليان بشيشرون إذ يقول:» ومن قرأ شيشرون لن يستغرب هذا الرأي؛ إذ يقول: «أريد أن يُطلق الشابّ العنان لخصوبته». لذلك يحذّر كنتليان من أولئك المعلّمين الذين لا يقلّ جفاف تعليمهم ضررا على الأطفال عن الأرض اليابسة المحروقة على النباتات الغضّة. لكن ما هي البلاغة التي على الطفل المتعلم أن يتعلمها ويتدرب عليها إلى أن يصبح شابا؟ البلاغة فيها حسب كنتليان ثلاثة أركان: هي الفنّ والفنّان والعمل. الفنّ هو موضوع العلم وهو كيفية التوصل إلى القول الحسن، أمّا الفنّان فهو الخطيب الذي غايته أن يحسن القول، وأمّا العمل فهو ما ينتجه الفنان الخطيب المجيد. ولكل ركن من هذه الأركان الثلاثة مجالات اهتمام تختص بها. يشير كنتليان إلى أنّ اعتبار البلاغة علما، ليس أمرا شائعا فهناك من يعتبرها فضيلة وهناك من يعتبرها قوة إقناع وهناك من يعتبرها عادة تكتسب بالدربة على الخطابة ولا تتعلم بقواعد نظرية. يميل كنتليان إلى أنّ البلاغة قوّة أو بعبارة أخرى هي القدرة. القوة تكون بالكلام والإقناع لكنّها تدرك أيضا بعلامات غير لغوية منها المال والحظوة التي للفنان، أو ما لديه من سلطان. وقد يكون للحضور الصامت هذه القوة أيضا، ومن عناصر القوة المحبة والجمال والفضائل التي للخطيب.
وينتقد كنتليان تعريف أرسطو للبلاغة من أنّها فنّ إيجاد كل ما يمكن أن يقنع في الكلام، فهو في رأيه لا يتضمن إلاّ مرحلة واحدة من مراحل البلاغة هي مرحلة الاختراع (أي إيجاد الحجج) فهو تعريف ينقصه الأسلوب، أو التعبير وعلى كلّ فإنّ عيوب تعريفات البلاغة في رأي كنتليان إمّا الاختصار المخل أو التوسع المفرط. والبلاغة ينبغي أن تجمع الفكرة والعبارة والبنية والنجاعة. المهمّ أنّ كنتليان يواصل عرض الخط الفاصل بين البلاغة بما هي خطابة وإقناع والبلاغة بما هي فنّ وعلم؛ فالفن يقوم على اليقينيات بينما الخطابة تبنى على المرافعات. والرأي واليقين أنّ البلاغة تحتاج تعلما يمكن أن يتلقاه الطفل ولكنّها أيضا تحتاج موهبة فليس كل متعلم يمكن أن يصبح بشكل آلي بلاغيا.
أستاذ اللسانيات بالجامعة التونسية.
للبلاغة تعريفات شتى؛ ولي رأي متواضع مؤاده؛ أنّ البلاغة ( العربيّة ) هي كشف لفظ المعنى الحقيقيّ؛ بمعنى اللفظ المجازيّ؛ مما يمنح النصّ سعة نوعيّة في : الجمال والجلال والكمال.( مع ملاحظة أنّ الجمال المقابل لعلم البديع؛ والجلال المقابل لعلم البيان؛ والكمال المقابل لعلم المعاني؛ وهي العلوم الثلاثة للبلاغة ).{ وفوق كلّ ذي علم عليم }( يوسف 76).
البلاغة من المنظور اللساني العلمي عند كنتليانوس ناقد الفيلسوف أرسطو شيء ،
والبلاغة بوصفها اجترارا لما قيل عند العرب في العصر الوسيط في كل مرة شيء آخر !
هذا الخلط لا يأتي به إلا من يفتقر إلى التفكير اللساني العلمي حتى بمستوى مبادئه الأولى ؛
ومن ليس في جعبته بالتالي سوى تكرار تيك “العلوم الثلاثة” للبلاغة (العربية) بين الحين والآخر !
المسألة إذن ليست في مسميات الاصطلاحات الجامدة، بل في الفحاوي الحيوية والتمثّلات الفعلية !
البلاغة تجتمع في ثلاثية البديع والبيان والمعاني هذه هي البلاغة العربية والتي تجسدت في آيات القرآن والشعر والنثر العربي عبر التاريخ. أما من يتفيهق بغير ذلك فهو البعيد عن البلاغة كما هو بعيد عن أرض الوطن.. ويرى الأمر من سم الخياط.
وما قاله الدكتور جمال هو الصواب ويتفق مع ما
يعتمده اتحادنا للكتاب بدمشق.
بسم الله الرحمن الرحيم
تحية للأخ أ. توفيق قريرة وللأخ أ. الأثير أثابهما الله باذخ الخير..
كلمة البلاغة “العربية” مشتقة أصلا من الجذر اللاتيني..
فمن الغبن والمثير للتهكّم القول بأن المترجَم هو الصواب والمترجَم عنه هو الخطأ..
هذا من الأسباب الرئيسية في تخلّف المجتمعات العربية وتراجعها عن الركب الحضاري آنا بعد آن!
جميل جدا