العائِد

 

1

عادوا مَعَ الفَجْرِ،

عَلى أَجْنِحَةِ القَلْب،

إلى تِلْكَ القُرى.

يَسْبِقُهُمْ شَوْقٌ مُقيمٌ

لِبُيوتٍ سَكَنَتْهُمْ

وَدُروبٍ حَفِظَتْ في قَلْبِها

صَدى خُطاهُم،

وَزَواريبَ اشْتَكَتْ شَوْقا إِلَيْهِمْ

وَحَواكيرَ اسْتَشاطَتْ عَطَشاً

إِلى اللُّجَيْنِ هامِياً

مِنْ جَبْهَةٍ لا تَنْحَني

إلّا لِرَبِّ العالَمين.

         (2)

  لَمْ يَثْنِهِمْ غَدْرُ عَدُوٍّ غاشِمٍ

عَنْ عَوْدَةٍ مَيْمونَةٍ

إلى مَساقِطِ القُلوبْ

هُناكَ حَيْثُ تَرْتَقي الأَرْضُ

إلى أَعْلى عَلِيِّيْنَ

وَتَهْبِطُ السَّماءُ مِنْ عُلاها

لِتُعانِقَ الثَّرى المَجْبولَ

بِالعَنْبَرِ وَالمِسْكِ وَأَطْيابِ الجَنوبْ

وَحَيْثُ تَطْلُبُ الرِّضى الشَّمْسُ

إذا ما اسْتَيْقَظَتْ مِنْ نَوْمِها

أَوْ يَمَّمَتْ شَطْرَ الغُروبْ

هُناكَ حَيْثُ الشُّهَداءُ

يَرْفَعونَ يافِطاتٍ

كَتَبوها بِمِدادِ القَلْبِ

تَرْحيباً بِكُلِّ العائِدينْ

        (3)

  لَمْ يَقِفِ العائِدُ باكِياً

عَلى أَطْلالِ مَنْزِلٍ بَناهُ

بِدَمِ القَلْبِ وَشِقِّ النَّفْسِ

ذاتَ فُسْحَةٍ مِنْ زَمَنٍ رَغْدٍ

وَشاءَهُ مَلاذًا آمِنًا

مِنْ شَرِّ صُنّاعِ الظَّلامْ

وَلَمْ يَقِفْ مُسْتَبْكِيًا عَلى

حُطامٍ آيِلٍ شَطْرَ الزَّوالِ

بَعْدَ أَنْ كانَ، عَلى الدَّوامِ

غِمْدًا لِلْحُسامْ

          (4)

  لَمْ يَنْدُبِ العائِدُ حَظًّا عاثِرا،

بَعْدَ زَوالِ مَنْزِلٍ أوْدَعَهُ

أَحْلامَه الأولى،

وَذِكْرَياتِهِ الأَحْلى،

وَأَسْرابَ الحَمامْ

وَلَمْ يُوَلِّ العائِدُ الأَدْبارَ

بَحْثا عَنْ مَلاذٍ غَيْرِهُ

في هَذِهِ الأَرْضِ الحَرامْ

بَلْ شَمَّرَ العائِدُ عَنْ زَنْدَيْهِ

كَيْ يَمْسَحَ أَقْدامَ المَغولِ

عَنْ دُروبِ أَرْضِهِ

أَفْرَدَ لِلرِّيحِ جَناحَيْهِ

لِكَيْ يُطَهِّرَ السَّماءَ

مِنْ أَغْرِبَةِ الشُّؤْمِ

فَتَبْقى مَلْعَبَ الأَجْنِحَةِ العَنْقاءِ

إذْ تَجْتَرِحُ التَّحْليقَ

مِنْ جمْرِ الرُّكامْ.

 

 كاتب لبناني

 

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول ضحى عبدالرروف المل:

    “من جبهة لا تنحني إلا لرب العالمين”
    رائع بحق كل سلطة أرضية (احتلال، قهر، هيمنة) باطلة لأنها تطلب ما لا يحق إلا لله.
    قصيدة انبعاث بحق إذ لا يعود العائدون إلى القرى بقدر ما تعود القرى إليهم، تتسرّب في دمهم كوصية قديمة لا تموت، وتنهض في خطاهم كقدرٍ لا يُؤجَّل. فالفجر زمنا، بل شهادة ميلاد ثانية، ولا يكون الشوق شعورا، بل قوة خفية تسوق القلوب إلى ما خُلِقت له. البيوت التي “سكنتهم” تنفض عن جدرانها غبار الغياب، والدروب التي حفظت صدى أقدامهم تستعيدهم كما تستعيد الذاكرة أسماءها الأولى، حتى يغدو المكان كائنا حيا يرفض يتمه، ويستدعي أبناءه من منافيهم كما تستدعي النار شرارتها. وفي قلب هذا المشهد، لا يقف العائد باكيًا على أطلاله، لأن الدمع خيانة لسرّ الأرض، بل ينهض من رماد الهدم كعنقاء تعرف أن الخراب ليس خاتمة الحكاية، بل بدايتها الأكثر صدقا. كتبت في قصيدتك الإنسان حين يرفض أن يكون أثرا، ويصرّ أن يكون أثرا مضادا؛ يواجه الفناء بالفعل، ويحوّل الجرح إلى جناحين، ويجعل من العودة فعل خلقٍ لا يقلّ قداسة عن البدء الأول…اختزلت في قصيدتك حكاية الإنسان على مر التاريخ حتى الآن وما يحدث في لبنان وفي أي مكان …ضحى عبدالرؤوف المل

  2. يقول الدكتور جمال البدري:

    هذه في الشّاعر السّيد سلمان زين الدّين؛ قبل الشّعر البليغ المتين؛ ووالله لقد كنت أنتظر منك هذه القصيدة الصادقة المشاعر في لبنان الوطن؛ البعيدة عن الكذب والمين؛ قبل كتابتها للنشر الآن؛ وأقول ببيتين؛ بمحبّة الأصدقاء والخلان:
    { أزفّ بُشراي والتبريك جذلانا…….مهنأً بمنال الشّعر سلمانا }.{ فالشّعر للوطن المجروح بلسمه…. ومنْ تعامى عن الإخلاص قد مانا }.عاشت بلادنا العربيّة الإسلاميّة؛ وحفظ الله لبنان من كلّ شرّ وعدوان.

    1. يقول Mujtahid:

      وماذا عن المسيحيين والأقباط والأرمن وووووووو

  3. يقول الشاعر أحمد الشامي / دير الزور:

    قصيدة معجونة بمعاناة الناس.. ولسان حالها يقول:
    نحن أمة مجروحة لكننا لن نموت.

  4. يقول الشاعر راشد بن حسين /الأردن:

    يقول الأخ سلمان زين الدين في ختام نصه:
    “أَفْرَدَ لِلرِّيحِ جَناحَيْهِ
    لِكَيْ يُطَهِّرَ السَّماءَ
    مِنْ أَغْرِبَةِ الشُّؤْمِ”
    هذا لعمري تجنٍّ سافرٌ على الأغربة البريئة، فهي لمن لا يعلم طيورٌ ذكية جدًا، وتتميّز بقدرات عقلية واجتماعية فريدة منها القدرة على حلّ المسائل المعقدة والتخطيط البديع والتعلّم السريع، ناهيك عن امتلاكها ذاكرةً قوية تمكنها من حفظ الوجوه البشرية والتمييز بين الصديق الوفي والعدو الغادر والامتثال لقوانين صارمة تشبه المحاكمات العقلية. فنعتها “شعريا” بنعت الشؤم لا يدل إلا على عدم دراية المعنيّ بطبيعة هذه الطيور المجحَف بحقّها في الثقافة العربية المتخلّفة، ثقافة أنخفانات التأسلم والشقاق وكيذبانات المديح والنفاق !!

  5. يقول غياث المرزوق الديري:

    غريب عجيب تحامل الشاعر راشد من الأردن على توظيف مفردة الغراب في القصيدة. فالغراب في الذاكرة الشعبية رمز الشؤم. أترى هو الصعق من هذه القصيدة أم هي المبالغة في الرد غير المبرر؟

    1. يقول درغام سفان الشاوي:

      بالفعل، ولكن قد يجوز الوجهان!
      فالسلام خير من الخصام!

  6. يقول جاسم بوش:

    يمكن للشاعر راشد قراءة كتابي: الغراب في الشعر العربي.. ففيه أجوبة على ما طرحه وعلى غيره.

اشترك في قائمتنا البريدية