«إسرائيل تسأل: كيف أستطيع أن أمزق هذا الرابط؟ كيف أستطيع أن أحطم هذا الرابط الذي يجعل الناس يهبون لمساعدة بعضهم بعضاً؟ وإذا كانت إسرائيل مهتمة بكسر الرابط الاجتماعي، الرابط التضامني بين الفلسطيني والفلسطيني تحت القصف في نفس البقعة الجغرافية، فتخيل إلى أي حد تصب فردانيتنا وأنانيتنا في خدمة أجندة الكيان؟ أفكر إلى أي درجة بدا تسويق فكرة العجز يصب في خدمة الكيان، وكيف تم تطبيع فكرة الإبادة في وعينا الجمعي على مدى خسمة عشر شهراً، إلى درجة أن «إحنا بطلنا نتحرك». فواضح أن عدوك يعول على فردانيتك، وواضح أن النظام العالمي القائم على ترويج الخلاص الفردي هو في خدمة عدوك، وواضح أن الحل ليس صعب أبداً، كل المطلوب هو أن ترجع إلى فطرتك…».
كانت هذه كلمات الأديبة الكويتية المميزة بثينة العيسى، التي -حقيقة- ضربت على وتر حساس مؤثر. الفردانية التي تحدثت عنها العيسى تشكل في الواقع قفزة فلسفية اقتصادياً واجتماعياً في التاريخ البشري، إذ طالما اعتبرت البشرية أن الانتقال من الجماعية إلى الفردانية هو انتقال حضاري تقدمي، حوّل البشرية من حال إلى حال، وأعطى قيمة لكل إنسان على سطح الأرض، لقدراته وملكاته ومهارته وأفكاره، مهما كانت اختلافات هذا الإنسان أو عيوبه. لقد أعطت الفردانية قيمة للإنسان المنفرد خارج جماعته، كما أضافت وزناً لرأيه المختلف ولموقفه الخارج عن موقف «القطيع»، لتشكل هذه الفردانية نقلة نوعية في التاريخ الإنساني. لكننا كعادتنا كبشر، نأخذ كل موقف وفكرة إلى أقصاها، نستهلكها ونبتذلها حد سنها سكيناً ضدنا، نحن بحد ذاتنا، وضد وجودنا وبقائنا.
شخصياً، لربما أول ما شعرتُ بخطورة هذه الفردانية المتطرفة كان في الصراع القديم الذي خضته كصوت لليبرالية الاجتماعية ذات المنحى اليساري في مجتمع محافظ. فرضت هذه النزعة الليبرالية التي حركتني ورفقائي في المجال علينا جميعاً احترام الرأي المختلف والموقف المختلف أياً كانا، حد تشتت الصوت وتشرذم الموقف، ما بعثرنا وقضايانا المحلية، وصولاً إلى ضياع الصف الليبرالي محلياً وفي العالم العربي تماماً، فهذا صف لا يجمعه رأي ولا قضية ولا موقف، لا يعتقد أصحابه بضرورة الإلحاح ومحاولة إقناع أنفسهم أو الآخرين باتخاذ موقف ما لتقوية الصف. هذا صف علته من داخله، من قيمه بحد ذاتها، من فردانيته المتطرفة. شكل هذا الشعور نزاعاً في الروح وشوكة في الحلق لي خصوصاً، وأنا أشهد التعاضد المحافظ الذي مكن الإسلاميين السياسيين من الوصول لنتائج محسوسة في معظم الأمور التي كانوا ينشطون فيها. لربما يختلفون بينهم حد الكره، لكنهم عند العمل كانوا يقفون وقفة فرد واحد. مبهر هذا التوجه، ليس فقط في قدرة أصحابه على تخطى خلافاتهم واختلافاتهم، ولكن كذلك في تحقيقه القوي لنتائج حقيقية مباشرة.
وها هو التعاضد ها هنا يخلق سلاحاً فتاكاً مميتاً. فها هي إسرائيل، كما ينوه الدكتور نورمان فينكلشتاين، قد خلقت اتفاقاً شعبياً داخلياً على موضوع إنهاء غزة. يؤكد الدكتور أن حرب الإبادة ليست مشروعاً حكومياً، هي حقيقة مشروع شعبي، برنامج عام لتصفية الفلسطينيين، يشارك فيه كل أفراد الشعب الإسرائيلي بالسكوت والموافقة والتأييد. ليست فقط هي حكومة إسرائيل اليمينية، البلد كلها (مع التحفظ على وصف كيان شاذ ببلد له شعب) يمين متطرف، الشعب كله، إلا أقل القليل، متحد الموقف على تصفية الفلسطينيين، صغارهم قبل كبارهم، حيث نرى ذلك متجلياً في ردود فعل «الإسرائيليين» تجاه فيديوهات وصور قتل وحرق الأطفال والكبار وتحميل أجسادهم في أكياس أو دهسها بالدبابات، صور لا يقوى أي إنسان ذي فطرة طبيعية على تحملها، فقط المغسول دماغه والمعاد برمجته بأقذر البرامج وبشكل جمعي يستطيع تحملها، بل ويحتفي بها.
يتعاضد الصهاينة، وخلفهم حكومات متآمرة، على شر لم يسبق للبشرية أن شهدته؛ فلم لا نتعاضد نحن على الخير؟ لم لا نتخلى عن فردانيتنا التي تخدم الكيان كما نوهت بثينة العيسى، ونعود لفطرتنا، ولو مؤقتاً، فنحشد الكلمة والموقف اللذين سيكون لهما أكبر تأثير في القرار العالمي؟ لقد أقنعنا الكيان والرخيصون من صغار البشر المؤيدون له والأغبياء من ضعاف النفوس اللامبالين تجاه جرائمه، بأن مواقفنا غير مؤثرة، وبأننا مكسورون غير قادرين على التغيير، وأننا مهما فعلنا فهناك قوى أكبر منا ستقتل جهودنا. الحقيقة غير ذلك، الحقيقة أن كل فعل مؤثر: كل صوت مؤيد للحق، وكل زعقة في وجه الباطل، وكل امتناع عن شراء ملوث، كل مساهمة في نشاط مساند، كل خطوة في اعتصام، كل كلمة على إكس، كل صورة على انستغرام، كل منشور على تيك توك، كل «لا» في وجه متخاذل، كل «نعم» لوقفة حق، كل هذه وغيرها ستتراكم وتتجمع في حزمة ستكبر وتصبح شجرة تتفرع وتظلل على قضيتنا وتحميها وتنبت لها النصر الأخير.
لو كنت وحيداً وتشعر بالغربة في تمسكك بموقفك تجاه القضية الإنسانية الأولى في القرنين العشرين والحادي والعشرين، فاصبر وصابر وتماسك، ولو شهدتِ شخصاً وحيداً فانضمي له واصنعي معه حزمة من اثنين، ولو انفرد بكما اليأس لصغر المجهود أمام عظمة القضية وفظاعة مصابها فتذكرا أن كل صغير سيكبر وأن لكل فعل مهما تضاءل، ردة فعل، وأننا بتكاتفنا وتراكم جهودنا من أصغرها إلى أكبرها، سنحدث فرقاً يفوق التوقع.
الفردانية، بطريقة ممارستها الحالية، ستقتلنا. الفردانية هي التي تمكن الكيان الصهيوني من الفلسطينيين، ومنا، ومن الحق. اختلف كما تريد فكرياً، لكن عليك أن «تعشق» من يقف معك موقفاً متضامناً في القضية الفلسطينية، أن «تعشقه» ولو اختلفت معه على كل الأصعدة الأخرى. كل شيء ينتظر لحين توقف آلة القتل، ولحين تلقي القائمين على حرب الإبادة والممولين لها بل والساكتين عنها عقابهم المستحق. أجلوا الاختلافات وتعاضدوا عشقاً في فلسطين، عشقاً في الحق ومن أجله.
إذا فتحت النافذة ذات صباح وفي المنظر أمامي شاهدت قتيلا وشاهدت وردة. أليس من المخجل والمعيب حينها أن أكتب شعرا في الوردة؟!”… بابلو نيرودا
وكما قال سارتر: “لا يوجد مشاهدين للعنف، وإنما شركاء فيه”…
هناك قيمة سامية ممتدة في الإنتماء لسؤال الضحية…
الضحية واحدة والجلادون كثر…
تاريخ البشرية كتبه تقدم الوعي بالحرية… والحرية في غايتها الأزلية هي القدرة على فعل ما هو أفضل… ما هو أفضل للإنسان والمجتمع…
“الفردانية، بطريقة ممارستها الحالية، ستقتلنا. الفردانية هي التي تمكن الكيان الصهيوني من الفلسطينيين، ومنا، ومن الحق.” لا يجادل في هذا عاقل. لكن لابد أن نعترف ان من كان وراء ” الفردانية” و ترويجها هو المنتفع منها اي صهيون. خدمت أقليته في الغرب بعدما “تفردنت” الاغلبية. و انتقلت إلينا عبر من استهلكها و فككت أكثر ما جمعه الدين. فهذا العجز لم ينتجه فراغ او تمسكنا ب ” المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص” و إنما ثقافة اصابت هذا التماسك عندنا في مقتل، فيما قاومه من يبيدوننا اليوم باسم دين لهم بعدما اوهنوا صلتنا نحن بديننا. الفردانية كما النسوية و الجندرية و الليبرالية إنما هي أداة تفكيك و عزل و توجيه يعكسها عجزنا التام عن الاجتماع اليوم للتحرك في قضية وجودنا كأمة و أرض.
تابي الرماح اذا اجتمعن تكسرا واذا افترقن تكسرت احادا…. الاتحاد قوة والحق منتصر لا محالة والسعي مطلوب من الجميع… بارك الله فيك ونصر الله فلسطين
الفرقة تذهب الريح كما ورد في البيان، والعودة إلى الفطرة ليس اختيارا لحظيا وإنما هو مبدأ لا يتزعزع؛ لذلك ينتصر أصحابه دوما ولو بعد حين. ولكن كيف استطاع من يعشق هذا التنسيق بين ألوان متنافرة في صراع ليس من ورائه طائل، “الصراع القديم الذي خضته كصوت لليبرالية الاجتماعية ذات المنحى اليساري في مجتمع محافظ”!!
. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، العشق المطلوب، د. ابتهال الخطيب، تحياتي
رجائي السماح لي بالتفكير بصوت عالٍ فقط.
طول عمري، في شبابي واليوم وأنا على أبواب الثلاثة والثمانين عامًا، وأنا أعشق الحرية وأعشق العمل الجماعي.
ولكن لكي يتكوّن العمل الجماعي في فكر ووجدان الفرد، يجب أن يتمتع بالحرية، وثقافة الحرية.
وأهم شيء كي يصل الإنسان إلى ما يخدم قضايا الأمة العربية هو: أولًا التعليم، ثم التعليم، ثم التوجيه المعنوي.
وإذا تعلّمت كيف أصبح حرًّا، فقد حصلت على كرامتي.
كل شيء في حياة الإنسان، من الصباح حتى المساء، هو اختبار مع نفسه، ولا يستطيع أن يحصل على أي شيء دون أن يحصل أولًا على حريته.
والحمد لله، أنا خضت معارك في حياتي بمفردي، والذي يقول هذا الكلام معروف جيدًا لبلدي مصر، ومعروف لليونان.
ولا أرغب في التوسع أكثر من ذلك؛ سواء كنت شخصًا معروفًا أو غير معروف، فليست هذه هي القضية.
القضية هي: نحن العرب وقضايانا المعقدة، والمنطقة العربية بصفة خاصة، والعالم الإسلامي بصفة عامة، وليس العكس.
الإنسان العربي في كل مكان تحت مجهر غبي، وليس كل من هب ودب.
فأي شخص عربي يرغب في عمل شيء، ويتّضح أنه يرغب في خدمة القضايا الإنسانية في عالمه الذي ينتمي إليه، . ( 1 )
تُسلّط عليه سكاكين المخابرات لتهديده في كل ما يملك: في معيشته، ورزقه، وأولاده، وأحفاده، وكل ما يملك.
إذًا، أولًا: علينا السعي المخلص لخدمة قضايانا، وأن نقول الكلمة بأمانة، وبدون لفّ ودوران.
والأهم: القضية الفلسطينية، وإبادة الشعب الفلسطيني في غزة.
وعلى هذه الأمة أن تعلم جيدًا أن هناك آلة جهنمية تعمل ليل نهار على غسل دماغ كل من يفكر في هذه القضية.
ويجب علينا أن نعتاد على قتل الإنسان الفلسطيني ليلًا ونهارًا.
وبعد أن نتعوّد على إبادة هذا الشعب العظيم، نبدأ بالتعوّد على تركيع من يليه… ثم من يليه…
وفي يوم من الأيام، هذه المنطقة ستكون تحت الاحتلال، أو بمعنى أصح: سيكتمل الاحتلال.
نحن تحت احتلال اقتصادي كامل، ونصف عسكري.
وبعد الانتهاء من الشعب الفلسطيني، سيتبيّن من سيكون عليه الدور.
عنوان حضرتك “العشق المطلوب” جميل، والمقال أجمل.
ولكن اسمحي لي أن نلقي نظرة على 90٪ من التعليقات على جميع قضايانا العربية بصفة عامة، والقضية الفلسطينية بصفة خاصة:
هل حضرتك مبسوطة وسعيدة؟
تحياتي لحضرتك، ولـ القدس العربي. ( 2 )
كلام مؤثّر حقا ولكن للأسف لا حياة لمن تنادي
مقال كاشف في الصميم وحقا فهذه الحرب الابادية الجديدة الكاسحة ضد الشعب الفلسطيني اظهرت كيانا شيطانيا كان مختفيا منذ بدء الصراع وهو ما اسميه الصهاينة العرب المنتشرين في كل الدول المطبعة وغير المطبعة على حد سواء ويصعب حصر هؤلاء واكتشافهم؟!
شكرا سيدتي للسرد التاريخي للفردانية المفرطة والقاتلة، لكل قضية إنسانية وضمير
حي على طول المدى، فأن تكون فاعلاً ومؤثرا في قضية حق وعدل، تستحق أن تعيد
النظر العقلانية والموضوعية والمصداقية لمنطلقاتك الأساسية للقضية الفلسطينية،
بين قادم غاز وظالم وضحايا أخذوا على حين غفلة، لأنهم بسطاء وطيبين بالفطرة
وهاهم تحت الإحتلال والحصار بالبر والبحر والجو وحرب الإبادة الجماعية الجماعية والمجازر
اليومية ولا مجيب ولا مجير، إنه تحديث لمآساة العصر ونكبته الأولى 1948والثانية بعد ذلك،
والثالثة قيد التنفيذ بعد السابع من أكتوبر 2023،، ولا حد يجرى يقول هذا مش معقول،، !.