الفلسطيني الذي اغتصب طفلة يهودية

حجم الخط
10

انشغل الإعلام الإسرائيلي الرسمي منذ عشرة أيام برجل فلسطيني يبلغ من العمر ستة وأربعين عاماً يدعى محمود قطوسة من بلدة دير قديس، بشبهة اغتصاب طفلة يهودية في مستوطنة موديعين عيليت في الضفة الغربية شمال غرب رام الله، وكان النشر ممنوعاً عن القضية لمدة خمسة وأربعين يوماً كان محمود معتقلا خلالها.
نشر الخبر قبل عشرة أيام عن عملية اغتصاب وحشية، تحولت إلى حديث الساعة، ووصفت صحف رئيسة مثل «يديعوت أحرونوت» و»يسرائيل هيوم ومعاريف عملية الاغتصاب بتفاصيل بورنوغرافية، تثير اشمئزاز وغضب كل من يقرأها، إذ وُصف المشبوه بأنه اختطف الطفلة ابنة السنوات السبع من الشارع العام بعد انتهاء دوامها الدراسي إلى بناية قريبة، وهناك وبمساعدة رجلين آخرين من أصدقائه ألقوها على سرير وثبّتوها من يديها وساقيها، ثم خلعوا عنها ملابسها ليغتصبها المشبوه وهي تبكي وتتألم وترجوه بأن يرحمها.
عندما تقرأ هذا لا بد أن تقول لنفسك، أي نوع من البهائم هؤلاء؟ أي بشر ممكن أن يفعل هذا؟ كيف يقوم ثلاثة رجال بفعلٍ كهذا مع طفلة؟ حتى في أقذر أفلام العنف الرخيصة لن تجد جريمة كهذه! وتقول لنفسك، إن من فعل هذا مجرم لا يستحق الهواء الذي يتنفسه.
إضافة لهذا فإن جريمة الاغتصاب تأخذ منحى أشد حدّة، عندما يقوم بها رجل ما ضد ضحية من قوم أو طائفة أو مذهب أو قبيلة أخرى في حالة صراع، حيث لن تعدم حينئذ من يتخذها وسيلة لتحقيق أجندة سياسية كبيرة أو صغيرة، أو لاستفزاز الهمم للقتال والدفاع عن النفس، أو لإهانة فئة ما والإمعان في إذلالها، أو لاستخدامها وسيلة للإرهاب في عمليات التطهير العرقي، كذلك عُرف الاغتصاب كسلاح بيد بعض السلطات لقمع المعارضين وإرهابهم، ودفع أهليهم للتبرؤ منهم وعزلهم، من خلال تشويههم وتصويرهم كمن جلبوا العار لأسرهم، خصوصاً في المجتمعات المحافظة.

عُرف الاغتصاب كسلاح بيد بعض السلطات لقمع المعارضين وإرهابهم، ودفع أهليهم للتبرؤ منهم وعزلهم

المشبوه محمود قطوسة متزوج وله أطفال، يشتغل عامل صيانة في مدرسة في المستوطنة القائمة على أرض قريته، كذلك يعمل في بيوت المستوطنين، في البلاط والدهان وغيرها، إنه وهذا واقع غريب، لكنها ليست سابقة تاريخية، فالكثير من الشعوب تعرضت لمثل هذا الواقع المرّ الذي يتعرض له الفلسطينيون.
بعد الكشف الصحافي، تبين أن إحدى عائلات المستوطنين تقدمت بشكوى إلى الشرطة بأن ابنتها الطفلة تعرضت لاغتصاب وحشي، وأنها أشارت إلى محمود طقوسة عامل الصيانة في المدرسة. بُث الخبر وبدأت جوقة التحريض من وزير الأمن الداخلي، وأعضاء كنيست حتى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وطبعا الجمهور العريض الذي راح يصف الفلسطينيين بأقذر التعابير، ويدعو لإعدام قطوسة، تخلل هذا هجوم من قبل وزير الأمن الداخلي على سلطة رام الله، فوصفها بأنها مُسمّمة لعقول الناس وهي مصدر كل الشرور. جرى استغلال الحادثة سياسياً، ودارت مباراة بين ليبرمان من ناحية ووزراء من الليكود، فزاود ليبرمان على نتنياهو ووصفه بأنه العائق أمام تنفيذ حكم الإعدام بالـ»إرهابيين»، مؤكداً على أن عملية الاغتصاب جرت على خلفية قومية مخططة جيداّ، لأنه إرهابي والطفلة يهودية وليس لأنه مريض بوديلفيا. بعد خمسة وخمسين يوماً تبين أن الشهادات في هذا الملف متناقضة، فبعد أن أثبت المشبوه بأنه عمل طيلة ذلك اليوم في بيت مُدرّسة من المستوطنة نفسها، التي شهدت بأنه عمل في بيتها بحضور زوجها وأسرتها طيلة النهار وفي ساعة وقوع الحادث، غيّر المحققون ساعة ومكان وقوع الحادث، وحالوا تفصيل التهمة على مقاس وحسب مواعيد عمل وأماكن وجود المشبوه.
إضافة إلى هذا فقد تأخرت الأسرة في تقديم شكوى لمدة يومين بعد حادثة الاغتصاب، ثم أخّرت عرض الطفلة على طبيبة مختصة لعدة أيام لمعرفة ما إذا حدث اغتصاب أم لا، وما هو الضرر الذي تسبب للطفلة؟ كذلك هناك ادعاءات أخرى ضعيفة ومشكوك فيها مثل جرّها في الشارع العام وصراخها في ساعة انتهاء دوام الطلاب، من دون لفت انتباه أحد، إضافة إلى وجود كاميرات عادة ما تكون في الشوارع في كل زاوية، خصوصاً في المستوطنات، فأين اختفت الكاميرات! يوم الثلاثاء الأول من أمس أطلق سراح الفلسطيني وعاد إلى حضن أسرته، لعدم وجود مواد كافية للائحة اتهام ضده ولتناقض الشهادات، الأمر الذي بات يعتبر فضيحة مجلجلة للشرطة وطريقة عملها. من ناحيته طالب قطوسة بإعدام من قام بهذا العمل الإجرامي وقال لوسائل الإعلام: يجب أن يبحثوا هناك لدى من وجّه الطفلة كي تشير بأصبع الاتهام إليّ. معظم الدلائل تقول إن الطفلة لم تغتصب من أصله، ربما أنها تعرضت لعمل مشين لا علاقة لقطوسة به، وقد يكون الجاني من سكان المستوطنة، وقد يكون قريباً من الطفلة، فالإحصاءات الرسمية تشير إلى أن 85% من الاعتداءات الجنسية في إسرائيل تحدث من قبل أناس معروفين للضحية، وأن واحدة من كل ثلاث نساء وواحد من كل ستة أطفال تحت سن الثانية عشرة تعرض وتعرضت لاعتداء جنسي. إلا أن مسؤولين كبارا استغلوا الحادثة، التي ربما لم تحدث لنزع إنسانية الفلسطيني عنه، وتحويله إلى كائن وحشي، وبما أنه كذلك فلا بأس بأن يقتل، وأن يطرد من بيته وأن تصادر أرضه وحقوقه.
في هذا السياق ولأجل المعلومات العامة فقط، تبلغ مساحة قرية دير قديس بلد المشبوه 8207 دونمات، صادر الاحتلال منها حتى الآن حوالي 4560 دونما لصالح جدار الفصل العنصري والطرق الالتفافية ولمستوطنات منها موديعين عيليت التي يعمل فيها محمود قطوسة منذ ثماني سنوات.
كاتب فلسطيني

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول د 0 عطوة 0 ايلياء:

    هناك سوابق للكذب اعتاد الصهاينة اختلاقها لتبرير اجرامهم ضد الفلسطينيين فهناك حادثة اختفاء الطفلة نافا ايلي كوهين عام 80 اي قبل اربعين عام وحادثة اختطاف شبان وتبين انهم قتلوا نتيجة حادث طرق قبل الاعلان بأيام وكان اجتياح غزة وحادثة الطفلة كان اجتياح لبنان عام 80

  2. يقول الكروي داود النرويج:

    إطلاق سراحه دليل براءته! الإغتصاب جريمة تستحق الإعدام بالخازوق ليذوق المجرم ألم الإغتصاب!! ولا حول ولا قوة الا بالله

    1. يقول ابو ابراهيم:

      الكذب هو صفة هؤلاء المستوطنون المخربون الذين اعتادوا الاعتداء على الفلسطينيين واملاكهم وحرق أطفالهم

  3. يقول ختام قيس:

    صباح الخير
    فعلا انها قصة اغتصاب لشعب، لارض،لثقافة ،لفكر فمن منهجهه اغتصاب لا بد ان يقيس الامور بهذه المفاهيم فهذا العامل هو الحلقة الاضعف الذي لا بد ان تعلق عليه جميع خيبات الامل،الاذلال والاحتقار من قبل مغتصبيه،والاغتصاب هو لغة يمارسها القوي على الضعيف بشتى الطرق والوسائل،لا غريب فيما ما نشر وعرض باوسع النشرات ،حتى التشهير في طفلة ما زلت تلعب في اجراء الحي هو عمل رخيص لابعد الحدود والمعايير.
    فعلا حدث وما زال يحدث اخطر من الاغتصاب نفسه هو التفكير واستغلال المنصاب للنيل بما هو اعظم.
    صباحكم رواق.
    شكرا استاذ سهيل.

  4. يقول Amanda:

    The title of this article is deceptive. This man did not rape anyone, but the title suggests he did. It should be changed.

  5. يقول كمال - نيويورك:

    وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ . ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ

  6. يقول Nazeera:

    دائما حين تكون الحكومة الاسرائيلية تائهة في بحر الظلمات ..مهتزّة الثقة من قبل مواطنيها ..تجد مخرجا من ثقب أبرة ..قشة تتعلق بها ..وهي إحداث قضية للرأي العام..قضية تقلب الموازين وتكون سببا في حرب ..منذ مطلع الثمانينيات من القرن الماضي وحتى اخر حربين ضد غزة ..كانت الاسباب اولاد ..اطفال ..ربما اختفوا لما قتلوا..
    والان وفي هذه الايام لا مخرج ولا منفذ لدى نتانياهو من اتهاماته وقضاياه امام المجتمع الا ارضاء اهالي الغلاف الحدودي مع غزة والحرائق الزراعيةالناتجة عن الطائرات الورقيه الا ذريعة ما جاء غي الاخبار الاخيرة عن قطوسةوطفلة لا تتجاوز السابعة وطفلة لعائلة متدينة ..
    ما أثار حفيظتي هي الاسئلة المستفزة من قبل مذيع لاخبار للمحامي ..الذي كانت تظهر على وجهه علامات الاستياء والاستغراب وكأنه يعرف انها ملفّقة الا أنه تمالك نفسه لئلا يرد ردود تجعل موقفه ضعيفا ..صموده هذا وثقته ببراءة موكله كانت أحد الأسباب ليستجمع قواه أخيرا ويستغل حرية الرأي وقول الحق لإثبات أن القضية تلفيق ..وشهادة العائلة التي عمل عندها كانت سفينة نوح ..
    مقال يستحق كل ثناء استاذ سهيل دمت منبرا لقول الحقيقة ?⚘?

  7. يقول رسيله:

    هنري فريدريك اميل يقول :”الحقيقة يغتصبها البهتان ويجتاحها الصمت”. وعلى ما يبدو ان العدو يسعى لاخفاء حقيقة شعبنا وإلحاق كل التهم بنا والهدف طمس هويتنا كسكان اصليين ومالكين حقيقيين لهذا الوطن المسلوب والمغتصب ، وهو بذلك يسعى لاغتصاب فكرنا وإلحاق الأذى بكرامتنا الوطنية والشخصية .ان اتهام أحد بالتحرش الجنسي أو الأفعال ذات الطابع الجنسي التي تنتهك الجسد أو الخصوصية أو المشاعر الشخصيه، تجعله يشعر بعدم الارتياح أو التهديد، والخوف، وعدم الاحترام، والإهانة، والانتهاك ، وعادة ما يبحث الجاني عن الضحية الاضعف خاصة في النزاعات السياسية كوسيلة للانتقام .
    وعلى حد قول مبعوثة الأمم المتحدة لشؤون العنف الجنسي في الحروب، زينب هاوا بانجورا بان :”العنف الجنسي في حالات الصراع هو جريمة الحرب الأقدم والأقل إدانة .”مضيفة أنه يتم “استخدام العنف الجنسي على مر العصور لأنه سلاح رخيص ومدمر”.( هناك تتمه)

  8. يقول رسيله:

    ( التتمه) فإذا تعتبر تهمة الاغتصاب او الاتهام بالتحرش الجنسي بمثابة تكتيك عسكري متعمّد لتحقيق أهداف سياسية: سواء لإذلال المعارضين السياسيّين، أو لدفع الأقليات العرقية إلى الخضوع أو المغادرة، أو لترهيب المجتمع وحمله على الإذعان ،ما رأيك استاذ سهيل بهذا التحليل؟؟ أرغب بقراءة رايك ؟
    كاتبنا مبدع دائماً في إختياراتك ونزفك الراقي والعذب ،لامس هذا النص مشاعري وعزف على أوتار قلبي فعلاً نص راقي ويدل على ذوق راقي ومتألق.

  9. يقول عادل:

    نعم من اللحطة الأولى شعرت وتأكدت أنها كذبة وتشويه صورة الفلسطيني وبالتالي استباحة القرية وإذلال سكانها وسرقة أراضيهم وتهجيرهم ..لكن انقلبت القضية الملفقة وسكنت افواه العنصريين ولكن يجب على كل صاحب ضمير عربي ان ينشر ويتفاعل ويتكلم عن هذا القضية محليا وعالميا أمام الرأي العالمي لتكن درسا للمتعصبين المتطرفين … وخاصة صاحب القضية نشر كتاب بكل اللغات ..

اشترك في قائمتنا البريدية