من منا لم يشاهد فيلما عن الرومان أو اليونان القديمة، أو روبن هود، أو الملك آرثر، أو رعاة البقر (الكاوبوي)، أوعن التاريخ البريطاني في القرن التاسع عشر، أو عن الحربين العالميتين؟ أظن أن الجميع شاهد فيلما من هذه الأنواع، فأفلام مثل «المصارع» Gladiator (1992) و»طروادة» troy (2004) و»300» (2006) و»بوتش كاسيدي والسندانس كد» Butch Cassidy and the Sundance Kid (1969) و»لعبة العروش» Game of thrones (2011)، تعد من أشهر أفلام السينما العالمية قاطبة. وهناك أكثر من خمسين فيلما عن روبن هود، وأكثر من سبعين فيلما عن الملك آرثر.
وكان أحد أوائل الأفلام في السينما العالمية تاريخيا، عنوانه «إعدام ماري ستيوارت» The Execution of Mary Stuart (1895).
ما يربط كل هذه الأفلام؟ أنها أفلام تاريخية تمتاز بأنها الأكثر نيلا لجوائز الأوسكار، محطمة جميع الأرقام القياسية في هذا المجال، مثل «تيتانيك» و»سيد الخواتم» (إحدى عشرة جائزة لكل منهما) و»ذهب مع الريح» و»الإمبراطور الأخير» (تسع جوائز لكل منهما) و»غاندي» و»أماديوس» (ثماني جوائز لكل منهما). ويدل هذا على أهمية التاريخ في صناعة الأفلام السينمائية، والإعلام العالمي بشكل عام، حتى إن الدراسات الحديثة تبين أن الأفلام والمسلسلات التاريخية تعد المصدر الرئيسي لما يعرفه المواطن العادي عن التاريخ، فالفيلم التاريخي يدخل المشاهد في عالم سحري يمتاز بقوانينه وأخلاقه الخاصة. وتضم هذه الأفلام نجوما سينمائيين كبارا وانفعالات تسحر المشاهد من حب ورومانسية وعنف وانتقام وتنافس شديد، ومكائد وتوتر وأزياء ملونة جذابة، بالإضافة إلى الديكورات الرائعة في هذه الأفلام ومظهر الجيوش الضخمة في صراع دموي، والشخصيات المثالية التي تمتاز بالشرف والعفة والشجاعة والإخلاص.

ويظن المشاهد أن الفيلم السينمائي نافذة على حقيقة العالم الذي يتناوله ذلك الفيلم، فالأفلام التاريخية تمثل عالما ليس غريبا تماما، لأن كل مشاهد على دراية مسبقة بشخصيات وحضارات تاريخية، سبقت له دراستها في المدرسة، لاسيما أن هذه الشخصيات والأحداث التاريخية أثرت على واقعنا الحالي، مما يجعل الفيلم قابلا للتصديق، وجذابا للمشاهد حتى قبل مشاهدته له. وكل هذا يزيد من تأثير الفيلم التاريخي على أفكار المشاهد. ولكن الواقع مختلف تماما، فما يعرضه الفيلم ليس سوى إثارة مقنعة بالتاريخ، وحدث خيالي قد أعد وفقا للأفكار والقوانين الحالية، أي أن الكثير من الأفكار في الأفلام التاريخية حديثة جدا. ولتحقيق كل هذا يتلاعب صانعو الفيلم بأحداثه، كما يشاؤون، حيث يرى المشاهد شخصيات تاريخية حقيقية تقوم بأعمال لا علاقة بها، أو تتعامل مع شخصيات خيالية.
وبذلك فإن الفكرة التي ينوي الفيلم إيصالها تدخل وتترسخ في عقل المشاهد دون أن يشعر. ولذلك نجد أغلب الناس يؤكدون أن موزارت قُتِلَ على يد سالييري، لأن هذا ما عرضه فيلم «أماديوس» Amadeus (1984) وأن الإمبراطور ماركوس أوريليوس، طلب من أحد قادته استلام السلطة بعد وفاته، وتحويل الإمبراطورية الرومانية الى جمهورية، فهذا ما عرضه فيلم «المصارع» Gladiator. والغريب في الأمر أن بعض المظاهر الاجتماعية القديمة، تثير اهتمام المشاهد الحديث، فما يزال الملوك والنبلاء والفرسان يثيرون أعجاب المشاهدين، ونرى هذا جليا في الأفلام التي تتناول بشكل خاص، التاريخ البريطاني في القرن التاسع عشر حيث جميع الشخصيات الرئيسية مثالية بشكل غريب. ونرى هذا حتى في الأفلام التي تتناول التاريخ القريب، فالرئيس الأمريكي جون كينيدي، يظهر دائما وكأنه أحد نبلاء بريطانيا القرن التاسع عشر بوسامته وتصرفاته الراقية في السينما. أما الجنود البريطانيون في المستعمرات البريطانية، فيبدون وكأنهم فرسان العصور الوسطى. وبلغ تأثير الأفلام التاريخية من القوة، أن البعض أصبحوا يتمنون الحياة في تلك العصور، والاختلاط بشخصياتها، حتى إن هناك من قد يظن أن هذه الشخصيات التاريخية كانت تتكلم اللغة الإنكليزية الحالية، بينما كانت اللغة الإنكليزية في عهد شيكسبير (1564 – 1616) صعبة الفهم بالنسبة للمواطن البريطاني الحالي، بل إن بعض اللهجات الحالية في بريطانيا غير مفهومة بالنسبة للبريطانيين.
أما الرومان والإغريق، فتكلموا لغات أجنبية تماما. وتعطي هذه الأفلام الانطباع بأن المؤرخين وصانعي الأفلام التاريخية يعرفون كل شيء عن تلك الحقب التي تتناولها الأفلام، بينما لا يعرف المؤرخون في الحقيقة سوى النزر اليسير عنها، لاسيما الإغريق والرومان. أما صانعو الأفلام، فمعلوماتهم ضئيلة. وقد يكون أحد أكثر الأدلة على قوة الأفلام التاريخية في تأثيرها أن الأفلام والمسلسلات التلفزيونية، التي انتجت في السنوات الأخيرة عن الفايكنغ، جعلت الكثير من البريطانيين يحاولون جاهدين إثبات نسبهم إلى الفايكنغ الذين كانوا في الواقع من أكثر الشعوب همجية وتخلفا في التاريخ.
من المضحك أن الفيلم التاريخي أحيانا ليس سوى خدعة لعرض فيلم ذي طابع معين مختلف تمام، بحجة كونه فيلما تاريخيا، فمثلا عرض عام 1979 فيلم «كاليغولا» Caligula على أساس أنه فيلم تاريخي عن الإمبراطور الروماني «كاليغولا». ولكن هذه الحجة كانت تخفي الهدف الحقيقي للفيلم، ألا وهو عرض فيلم إباحي بجدارة. وقد ضم هذا الفيلم ممثلين شهيرين مثل بيتر أوتول ومالكولم مكدول. وكان أول فيلم شهير للممثلة هيلين ميرن.
من أسباب شعبية الأفلام التاريخية بين الذكور من المشاهدين، العنف الواضح في الكثير منها، لاسيما أفلام الإمبراطورية الرومانية ورعاة البقر، حيث يجد المشاهد نفسه راغبا في أن يكون مثل أبطال الفيلم في شجاعتهم وعنفهم ومطاردتهم للأشرار، والفوز بالمرأة الجميلة، أو الانتقام لها من الذي أضر بها.
أما النساء من المشاهدين فينبهرن بالعلاقة الرومانسية التي عادة ما تكون معضلة في الفيلم، وتمثل أحد جوانبه الأساسية. وللرومانسية السينمائية تأثير خاص على المرأة، فالعالم يعيش في عصر الوحدة القاتلة والحياة الخالية من أي رومانسية. ولهذا تعيش المرأة في خيال رومانسي تعويضا لما تفتقده. وللسبب نفسه نجد أن النساء هنّ أغلب قراء الروايات في العالم. ولكن شركات السينما قامت في السنوات الأخيرة بتوسيع ظاهرة قديمة لإرضاء الجمهور النسائي، فبعد إنتاج تسعة عشر فيلما عن شخصية «جان دارك» أخذت صناعة السينما تنتج أعمالا جديدة على شكل مسلسلات تلفزيونية عن نساء محاربات يرتدين الدروع، ويدخلن معارك دامية ضد الرجال.
من السمات البارزة في هذه الأفلام أن من يمثل شخصية بارزة تاريخيا يعد من كبار الممثلين، فمثلا عندما أدت هيلين مرن دور الملكة «اليزابيث الثانية» صعدت الى قمة المجد السينمائي، ونالت جائزة الأوسكار عن دورها عام 2006 وقامت بأداء دور الملكة «أليزابيث الأولى» في مسلسل تلفزيوني ونالت جوائز لهذ الدور أيضا، وبالتالي أصبحت من أشهر ممثلات السينما العالمية. ونظرا لأهمية الملكة «اليزابيث الأولى» في التاريخ البريطاني، فقد مثلت دورها مجموعة من أشهر الممثلات في السينما العالمية على مدى تاريخها مثل سارة برنارد وبيتي ديفيز (في فيلمين مختلفين) وجودي دينش، التي أدت كذلك دور الملكة «فكتوريا» وأخريات. ويدل هذا على الأهمية الكبيرة للأفلام التاريخية في الثقافة والسياسة الغربيتين.

بدأ هذا الاهتمام الواضح بالتاريخ في الغرب في القرن التاسع عشر، حيث بلغت الإمبراطوريات الأوروبية أقصى حدودها وتراكمت فيها ثروات هائلة وظهرت طبقة متوسطة، كما زادت نسبة المتعلمين بشكل واضح، وانخفضت تكلفة طبع ونشر الكتب والصحف، لاسيما في بريطانيا التي كانت الإمبراطورية الأكبر والأغنى في العالم آنذاك. ومن المعروف أن الشخص العادي يحاول أن يمجد أصوله عندما يرتفع شأنه، وكان هذا أيضا شأن الدول الأوروبية، حيث أخذت تمجد أصولها، وأخذت تفتش وتنقب في هذا المجال. وحاولت كل منها أن تثبت أنها متفوقة وأنها أكثر من مجرد دولة غنية وعسكرية، ولذلك بدأت نشر ثقافتها بكل رموزها لاسيما بريطانيا، وعرف الجميع شيكسبير، وجميع الشخصيات التاريخية البريطانية، إذ امتلكت بريطانيا أكبر ماكنة إعلامية في العالم في تلك الفترة، ولكن هناك جانبا في الثقافة الغربية يثير الدهشة، حيث تتميز بالخضوع للثقافتين الإغريقية والرومانية القديمتين والمنقرضتين، فعندما كانت الثقافات الأوروبية في مرحلة البروز قبل القرن التاسع عشر كان علماء اللغة يدخلون كلمات لاتينية (الرومانية) وإغريقية وحتى قواعد اللغة اللاتينية في اللغات الأوروبية الغربية، ولذلك برز تاريخ الإغريق والإمبراطورية الرومانية في القرن التاسع عشر. وعندما ظهرت صناعة السينما انتقلت جميع مظاهر الثقافة الغربية، إلى عالم السينما وما يزال الحال على هذا المنوال.
مهما بلغت درجة الانتقادات لصناعة السينما حول عدم التزامها بالتاريخ الحقيقي، فهناك عدة عوامل مهمة تجعل المرء يتفهم الهوة بين الاثنين، إذ إن هدف صناعة السينما تقديم متعة وخيال للمشاهد، وليس درسا في التاريخ حتى إذا كان ذلك موجها نوعا ما، وحتى إذا كان الفيلم محاولة حقيقية للالتزام بالتاريخ الحقيقي، فللكثير من الأحداث التاريخية عدة وجهات نظر بالنسبة للمؤرخين، وإذا قدم الفيلم وجهة نظر لمؤرخ، فهناك من سيناقضه، وأحيانا يركز الفيلم التاريخي على جانب واحد من حادثة تاريخية، إلا أنه يهمل جانبا آخر، فمثلا هنالك اثنين وثلاثين فيلما عن الهجوم الفاشل للأسطول الإسباني على بريطانيا عام 1588، إلا أن هذه الأفلام لا تذكر أن الأسطول البريطاني فشل بدوره في هجوم كبير قام به على إسبانيا في العام التالي. والمشكلة الأخرى، أن علم التاريخ في تطور مستمر، ما يعني أنه مهما كان الفيلم مخلصا للتاريخ، فاكتشاف تاريخ بعد عرض الفيلم قد يجعل تفاصيل الفيلم مغلوطة. وهنالك مشكلة أخرى، وهي كون المخرج والممثلين تحت تصرف شركة الإنتاج السينمائي، التي قد تتعرض لمختلف الضغوط المالية أو الثقافية أو السياسية. ولهذه الأسباب من الممكن القول، إن صناعة الأفلام التاريخية تستطيع التمتع بالحرية في ما تعرضه، وفي الوقت نفسه يتمتع المؤرخون بحرية الاعتراض. ولكن مخرجي الأفلام التاريخية لا يتقبلون النقد بسهولة، فعندما انتقد مؤرخون فيلم «نابليون» (2023) استشاط مخرجه ريدلي سكوت غضبا وأطلق سيلا من الشتائم البذيئة.
باحث ومؤرخ من العراق
طرق كتابة التاريخ نفسها تُعد من أسراره في حد ذاتها؛ فالتاريخ غالبًا يُكتب من منظور المنتصرين أو وفقًا لميول سياسيين، وقد يخفي الكثير من التفاصيل التي لم تُدَوَّن رسميًا، مما يعني أن إعادة فحص المصادر الأولية أو اكتشاف مصادر أقلّ بروزًا قد يُحدث انقلابًا في فهمنا لأحداث أساسية.
شكرًا على المقال الجميل…ياسيد زيد خلدون جميل.عندي أنّ فلم المصارع للمخرج ريدلي سكوت وتأليف ديفيد فرانزوني مع آخرين من أروع الأفلام التاريخيّة في السينما الغربيّة…ووقفت حينها عند السيناريو؛ فهو إبداع بصريّ ليس له مثيل معاصر؛ حينما كنت أدرس فنّ السيناريو على طريقة سيد فيلد؛ أستاذ السيناريو في هوليوود.لقد انبهرت بسيناريو المصارع أيّما انبهار…وأعدت مشاهدته أكثر من مرّة بشوق؛ ليل نهار.وشكرًا مرّة أخرى أيّها الكاتب المكين؛ القريب إلى القاريء ولو كنت بعيد المكان.
عندما سالوا هيتشكوك عن اهم ثلاثة عناصر في الاخراج السينمائي اجاب بل تردد: السيناريو ثم السيناريو فالسيناريو!
الاستاذ زيد خلدون الجمل تكتب عن السينما بعمق غير مسبوق ومع ذلك لا تسمي نفسك ناقدا سينمائيا؟
هناك ملاحظات كثيرة على ثقافة الغربيين المخلصين لمناهج حكومتهم الإستعمارية..
يعتقد الغربيون أنهم من عرق أصيل وثقافة سامية أتت بقامة الفلاسفة كسقراط وافلاطون وارسطو.. في حين معظم الأوربيبن لم يكونوا يجيدون اليونانية ولا الرومانية ،فقد كانوا بعيدين عنها جغرافيا ولغويا وثقافيا , لم يكن الانجليز اليوم ولا السويديون ولا الهولنديون ولا الألمان يعرفون شيئا عن الثقافة اليونانية ، ولم تكن لغتهم يوما ولن تكن لغتهم غذا ، فقد انقرضت هذه اللغة من زمان .. وهم يتمسكون فقط ببعض مصطلحاتها للزينة أو “ليحاجّوكم” بها عند الحديث عن الشأن الثقفي..
في الجهة الأخرى , وأجدادنا في ذاك العصر قبل الميلاد وحتى بعد البعثة بفترات طويلة ، كان يجيدون اليونانية والفارسية الى جانب العربية.. اليونان كانت قريبة للحضارات البابلية والفرعونية والحضارة اليمنية وغيرها . كان المركز والتجارة والثقافة والحضارة هنا في منطقتنا ، جنوب المتوسط والشرق الأوسط ، وإلى اليوم لا زالت المنطقة تشكل ذات النقطة وذاك الإهتمام..
وعندما دخلت اللاتينية للرومان كان اجدادنا اكثر حداقة في تعلم اللغات فقد كانت التجارة عاملا محفزا ، وكانوا يعرفون أيضا بملكة الحفظ المتقدمة .