القلق

حجم الخط
12

أعاد الفيلسوف الدنماركي كيركجارد، كلمة القلق إلى القاموس الفلسفي، مميزاً بين الخوف تجاه الكائنات في العالم والقلق تجاه نفسه.
وكان هدفه الدلالة عما يشعر به الإنسان عندما يدرك وضعه في العالم. كما يسعى إلى التفكير في الإنسان وفي تجربته الشخصية.
أما جان بول سارتر فسيتولى الإجابة على الأسئلة التي اقترحها كيركجارد. السؤال الرئيسي للفلسفة في رأيه هو الالتزام والمسؤولية تجاه الحرية. حيث ميز بين الخوف والقلق؛ الخوف مرتبط بالعمل ويتعلق بخطر حالي، أما القلق فهو ناجم عن خوف محتمل.
لقد قام الفيلسوفان بتحديث كلمة يونانية قديمة هي ankho أي أن يختنق الإنسان في مكان ضيق، وقاما بتغيير معناها لجعلها كلمة فلسفية حديثة.
دخلت كلمة قلق لمعناها الجديد إلى القاموس العربي عن طريق الوجوديين، ولاقت المصير نفسه الذي لاقته كلمة وجودية من سوء ترجمة وسوء فهم، ولكن ليس هذا هو موضوعنا اليوم.
موضوعنا هو قراءة كلمة قلق في سياقها اللبناني.
ماذا يعني القلق اللبناني؟
أنا لا أبحث عن تميز لبناني على غرار فلاسفة القومية اللبنانية، لكنني أحاول أن أبحث عن سر ودلالات هذا القلق الجماعي الذي يضرب مجتمعنا.
إن اختلاف القلق اللبناني عن غيره ناجم عن اختلاف الوضع اللبناني. وهناك قلقان كبيران:
القلق الأول هو قلق الحرب الأهلية واحتمالات تجددها والابتزاز الذي تستخدمه الطبقة الحاكمة لإخافتنا كل يوم بها.
قلق الحرب الأهلية تحول إلى مزيج من القلق والتروما، أي أنه لا يتوقف بل يتجدد بشكل يومي.
القلق الثاني هو قلق الحرب مع إسرائيل، فنحن نعيش وسط تهديد إسرائيلي دائم بالحرب منذ عام 2006. وهي أيضاً حرب لا تتوقف بل تكبر وتتضخم وتأخذنا إلى مجاهل القلق، وهذا ما يشهده الجنوب اللبناني بقُراه المختلفة.
هذان هما القلقان الكبيران، لكن هذا لا يعني أن بقية عناصر القلق ليست كبيرة.
هناك القلق الذي نجم عن أزمة المصارف، الذي أودى بأموال المودعين وذرّها في الريح وحول الطبقة الوسطى إلى طبقة دُنيا. وهو قلق لم يتوقف ولن يتوقف لأن المصارف أفلست، وهي تكذب على الناس في قولها إنها ستعيد الأموال إلى أصحابها.
القلق الثالث هو الغلاء الذي نعيشه كل يوم؛ ففي كل يوم نكتشف أن الأشياء ترقص على ميزان أسعار لا ضوابط له، فالغلاء ينهش الناس ويضعهم في مواجهة مخيفة مع واقعهم لأنه يجبرهم على العيش على حافة الجوع وعلى حافة عجز شراء متطلبات الحياة لعائلاتهم.
القلق الرابع هو قلق المدارس والامتحانات الرسمية، وهو قلق يومي لأنك أيضاً هنا لا تعرف هل ستجري الامتحانات لأولادك أم لا؟ وماذا سيحل بهم وكيف ستنقذهم من هذه الورطة؟ هنا أتكلم عن طلاب المدارس الرسمية الذين يعانون الويل ليتعلموا وهم يشعرون أنهم على حافة الجهل.
القلق الخامس هو الهجرة. فحمى الهجرة تضرب المجتمع اللبناني وتدفع الناس إلى التفكير بها بشكل دائم، سواء كانوا يملكون المال أو لا يملكونه، سواء كانوا يملكون كفاءات الهجرة أو كانوا لا يملكونها. نحن في وضع المهاجر الدائم، على رأي الشاعر جورج شحادة.
نحن مهاجرون وعاجزون عن إيقاف هذا النزف، ولكننا أيضاً بتنا عاجزين عن الهجرة، وهذا لم يسبق له أن حصل للمجتمع اللبناني. عادة الهجرة هي المنفذ الوحيد لمجتمعنا وهي المخرج الوحيد من أزماتنا. الآن أُقفل هذا المدخل وهذا المخرج، وبتنا عالقين حيث نحن.
الحل الذي اقترحه علينا كيركجارد هو الإيمان، وهو حل فردي لا يجيب على أسئلة القلق اللبناني، فالقلق اللبناني معلق في مكان آخر. انتقل بنا من التمسك بالإيمان إلى تحويل الدين إلى أداة حرب أهلية وإلى تدمير بُنانا الاجتماعية بدل أن يكون، كما اقترح الفيلسوف الدنماركي، أساساً لإعادة بناء الثقة بالحياة والمجتمع.
أما الاقتراح الذي قدمه لنا جان بول سارتر، فهو الالتزام. والالتزام في الحالة اللبنانية صار عبئاً على اللبنانيين؛ يلتزمون بماذا؟ وكيف؟ ولماذا؟ وما الهدف؟
يلتزمون وهم على حافة الجنون من هذا القلق الدائم!
القلق من المكان، فلبنان بالنسبة للجيل الجديد هو مجرد فكرة لم تتحقق. وحين يتحدثون عن لبنان بلغة الحنين والنوستالجيا فيكونون يقلدون أهلهم.
فلبنان فكرة غائمة في الضباب، جميلة رائعة، لكنها في الواقع اليومي كارثة على المقيمين فيها.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول كنعان المقدسي:

    فرادة لبنان في إدارة سياسيه لازماته، حيث يجري إبداع أزمة جديدة بمواصفات مستحدثة لتغطية على، ولتمويه أزمة قائمة في محاولةلنسيانها واثاراة حوارات جدل للتغطية عما سبقها من أزمات اغرقوا فيها ذات المجتمع.وهذه صفة الفرادة في سياسي المجتمع اللبناني.

    1. يقول للتذكير:

      يُستحسن من المعلق أن يتولى التعبير بأسلوب واضح وجلي
      وسيُجزى على ذلك ولا ريب

    2. يقول أسامة كلّيَّة سوريا/ألمانيا:

      وأين المشكلة أخي المعلق “للتذكير”

  2. يقول سميرة توفيق - فاتنة الصحراء:

    هناك في علم النفس العلاجي أو ما شابه /
    ما يُسمى بـ “قاعدة الـ 3-3-3” لعلاج اضراب القلق – حتى بدو الصحراء صاروا يعرفونه.
    العلاج بسيط جدا بحيث تم تصميمه على نحو لا يشكل “التباسا إدراكيا” حتى بالنسبة للطفل،
    إذ يُطلب منه:
    أن يسمّي ثلاثة أشياء يراها، وأن يعيّن ثلاثة أصوات يسمعها، وأن يحرّك ثلاثة أجزاء من جسمه –
    وإن كان عليّ أنا، فسأطلب منه أن يطنطن ثلاثة ألحان من أغنياتي الصحراوية !
    وبالمناسبة هنا، القلق شيء واضطراب القلق شيء آخر !!

  3. يقول أسامة كلّيَّة سوريا/ألمانيا:

    شكراً أخي الياس خوري. في الحقيقة لانعاني من القلق (ولا أتذكر هوا إلا قلق بان كيمون عندما كانت البراميل المتفجرة اسقط فوق رؤوس الناس في سوريا وصار قلقه دعابة رغم المأساة)، بل من كوابيس تحيط بنا وتلاحقنا من كل جانب وصوب، وربما هو ذات الكابوس يخيم علينا جميعاً ولايريد أن ينتهي.

  4. يقول عبد الله العقبة:

    يقال إن القلق موطنه لبنان..جاء الى لبنان على سفن الفينيقيين من وراء البحار واستقر فيها.

  5. يقول المؤمنة بالله:

    أستاذ إلياس الخوري،
    كيركِغارد يفهم القلق Angst على أنه في الآن ذاته “انجذاب إلى” و”نفور من” عدمية الإمكان المستقبلي أو الإمكانات المستقبلية. وعليه فإن القلق ليس ببساطةٍ حالا أو مزاجا أو حتى شعورا سيكولوجيا، بل بناءً أنطولوجيا أساسيا وهاما بالنسبة لكل من الكائن الإنساني والحرية الإنسانية.
    وفي كتابه الشهير “مفهوم القلق” (أو هكذا يُترجم بالعربية) يصف كيركِغارد طبيعة وأنواع القلق واضعا إياه في مجال الحالات الذهنية-الشعورية للوجود الإنساني التي تسبق قفزة الإيمان النوعية إلى تلك “الحالة الروحية أو الروحانية” للمسيحية، وبادئا بذلك بالكلام على تجربة القلق الإنساني الأولى – ذلك الخيار الذي وُضع أمام آدم بين الأكل من شجرة المعرفة المحرّمة وبين الامتناع عن هذا الأكل !!
    أما بالنسبة إلى سارتر، من طرفه، فلا يكفي عامل “الالتزام” كمقابل لعامل “الإيمان”، كما ارتأيت يا عزيزي. سارتر يعتقد بأن الوجود الإنساني يتجلى في مسائل الاختيار والقلق والحرية (حرية الإرادة) في حد ذواتها. من هنا، فإن مسؤولية الإنسان في بناء مستقبله إنما تقع على عاتقه هو بالذات وليس على عاتق أي إنسان آخر. وبما أن طبيعة المستقبل، في إيما تجلّ ممكن، لَطبيعةٌ لايقينية أصلا، فلا مفرّ أمام الإنسان من أن يعتريه القلق وإلى حد اليأس حتى !!

  6. يقول فدوى حاوي/ جامعة أيرلندا الشمالية:

    ما جاء في تعليق المؤمنة بالله اكثر تعقيدات مما سواه.ياليتها اخذت بنصيحة
    وتعليق للتذكير..فهما من مشكاة التنوع.شكرا لسميرة توفيق وللعقبة.

  7. يقول أبو تاج الحكمة الأول - باريس:

    بسم الله الرحمن الرحيم
    إلى اللاهثين على الهوامش والمتصيّدين التافهين الفاشلين
    يقول الشاعر الحكيم دون ذكر الاسم:
    النص العظيم، حينما يمرّ من قنوات عقل صغير،
    يصبح نصا صغيرا وإلى حدّ الابتذال تماما كصاحب هذا العقل/
    تتحية لكل من أدلى بالتعليق سواء كان بالإيجاب أو كان بالسلب
    فالأول قد أفاد وأنار مشكورا، والأخير قد كشف عن أوراقه مدحورا

  8. يقول الفلسطيني الناقم:

    أنا تعجبني كثيرا كتابات الأخ إلياس خوري في هذه الزاوية حقا

  9. يقول سميرة توفيق - فاتنة الصحراء:

    القلق ظاهرة كونية تحدث لكل إنسان في هذا الكون
    من يقول إن القلق موطنه لبنان فهو فعلا غبن وجاهل ولا يعي ما يقول
    ملاحظاتي موجهة للأطفال بينما ملاحظات أستاذتي المومنة بالله موجهة للكبار اللامعين

  10. يقول رجاء السليماني:

    تحية تقدير وثناء خاصة للأخت المؤمنة بالله – ما تأتين به من نص إن هو إلا مثال ملموس على النص العظيم كما نوّه الأخ أبو تاج، ولسوف ينقرض الخرّاصون المدرقعون ولا ريب – كم أعجبني فهمُكِ العميق لمفهوم كل من كيركِغارد وسارتر عن القلق – تحية أيضا للأخ إلياس خوري سادن الكلم الشامخ

اشترك في قائمتنا البريدية