الرباط –« القدس العربي» : غيب الموت، صباح أمس الجمعة، الزعيم المغربي عبد الرحمن اليوسفي، رئيس أول حكومة تناوب، فتحت الطريق نحو انتقال ديمقراطي سلمي في مغرب عاشه اليوسفي مناضلاً ضد الاستعمار الفرنسي ومن أجل إقامة مغرب مستقل ديمقراطي، حاول الدفع به خطوات متسارعة بعد توليه رئاسة الحكومة 1998، بعد معارضة ديمقراطية شرسة على مدى أربعين عاماً.
وأعلن، أمس، عن وفاة «سي عبد الرحمن» الذي كان زعيماً للاتحاد الاشتراكي لقوات الشعبية منذ 1992، واعتزل السياسة منذ 2003، احتجاجاً على تدبير السلطات لنتائج الانتخابات البلدية، وهو اعتزال كانت مؤشراته واضحة بعد أن فاز حزبه بالمرتبة الأولى في تشريعيات 2002، إلا أنه استبعد من رئاسة الحكومة، وهو ما اعتبره في خطاب في بروكسل بأنه خروج عن الديمقراطية.
واجتاح الحزن، بعد الإعلان عن الوفاة، مختلف الأوساط المغربية الرسمية والحزبية والشعبية، رغم أن هذا الحدث الجلل كان متوقعاً منذ أن أعلن عن دخوله لإحدى مصحات الدار البيضاء.
مقبرة الشهداء
وشيع اليوسفي (96 عاماً) ظهر أمس في جنازة محدودة نظراً لإجراءات الحجر المنزلي المفروضة بسبب فيروس كورنا المستجد، واختير لجسده مكان في مقبرة الشهداء في الدار البيضاء، بالقرب من الزعيم المغربي عبد الله إبراهيم، أول رئيس حكومة مغربية ورفيق عبد الرحمن باتحاد القوات الشعبية، والذي استبعد أيضاً من رئاسة الحكومة لأنه أراد ترسيخ أسس مغرب ديمقراطي متحرر ومتقدم في كافة الميادين.
توفي عبد الرحمن اليوسفي، فجر أمس الجمعة، في إحدى المصحات الطبية التي أدخل إليها في حالة صحية حرجة، حيث أمضى عدداً من الأيام بالعناية المركزة، يوم 8 آذار/ مارس عام 1924، في مدينة طنجة، وكان على معرفة وثيقة بالملوك الثلاثة للمغرب المستقل (محمد الخامس، الحسن الثاني ومحمد السادس)، الذين تربطهم به علاقة معقدة، تعكس تطور حزبه.
وكان الزعيم الاشتراكي أحد آخر الممثلين لـ»الحركة الوطنية»، الذين قاتلوا ضد الاستعمار الفرنسي في عهد محمد الخامس، وبمجرد تحقيق الاستقلال، عارض أيضاً تراكم السلطة في يد الملكية، وهو الأمر الذي قاد حزبه إلى تصادم مباشر مع الحسن الثاني.
وخلال فترة حكم الحسن الثاني الطويلة، أمضى اليوسفي ما يقرب من عشرين عاماً في المنفى في فرنسا، لكنه عاد نهائياً إلى المغرب في عام 1993، حيث كان بالفعل السكرتير الأول لاتحاد القوى الشعبية، وهو الحزب الذي سيمثل بعد ذلك أكبر قوة معارضة.
وفي عام 1998، كلف الملك الحسن الثاني اليوسفي بتشكيل حكومة بديلة، وللمرة الأولى منذ سنوات عديدة سيَجلس الحزبان التاريخيان في البلاد، حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي، في محاولة لإغلاق قوص عصرٍ يسمى بـ«سنوات الرصاص»، والتي عرفت القمع الشديد ضد كل المعارضين في المغرب.
تولى اليوسفي رئاسة الحكومة المغربية، آخر عهد الحسن الثاني في عام 1999، واستمر في منصبه بعد تولي محمد السادس العرش، ولكن بعد الانتخابات الأولى التي جرت في عهد الملك الجديد، غادر على الرغم من أن حزبه كان الفائز في الانتخابات، وعُين مكانه رئيس حكومة تكنوقراطية.
كان يُنظر إلى ذلك على أنه إذلال له، وقد تقاعد من السياسة دون الإدلاء بتصريحات وبقي صامتاً لسنوات عديدة، وهو صمت لم ينفصل جزئياً عن الإصدار الأخير لمذكراته، حيث امتنع عن انتقاد الملك.
رحيل اليوسفي آنذاك عن الحكومة، كان بمثابة فترة نكسة لحزبه، الذي فقد شعبيته وخسر انتخابات بعد انتخابات، في حين اكتسبت قوة أخرى مختلفة جذرياً، وهي الإسلام السياسي، الذي تعاطف معه الرأي العام في الألفية الحالية، كما حدث في بقية العالم العربي.
سيرة معارض ناصر الملكية
امتهن اليوسفي المحاماة من قبل، وناضل في شبابه من أجل الاستقلال الوطني، بين 1953 و1956 شارك في تنظيم جيش التحرير الوطني وحركة المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي.
وبمجرد إعلان استقلال المغرب، وتثبيت محمد الخامس على العرش، انشق القادة السياسيون المحسوبون على الجناح الأكثر تقدمية بعد الاستقلال، بما في ذلك المهدي بن بركة، عبد الرحيم بوعبيد، عبد الله إبراهيم واليوسفي نفسه، عن الحزب الوطني التاريخي ليؤسسوا عام 1959 الاتحاد الوطني للقوى الشعبية (UNFP اختصاراً بالفرنسية).
وفي المؤتمر الأول للتشكيل السياسي الجديد، انتُخب اليوسفي أميناً عاماً ورئيس تحرير لـ»التحرير»، وهي الجريدة الرسمية للحزب.
وعانت تطلعات الانفتاح الديمقراطي التي دافع عنها الحزب الاشتراكي من انتكاسة شديدة مع صعود الحسن الثاني على العرش في عام 1961.
وفي الدوائر القريبة من الملك؛ تم تفسير انتقاد الحزب لاستبداد النظام والنتائج الانتخابية الجيدة التي تم الحصول عليها من خلال فوز بن بركة في الانتخابات التشريعية عام 1963، كتهديد لمصالح المملكة، وهكذا تم سجن قيادة الحزب بتهمة التآمر.
بعد ذلك بعامين، قاد بن بركة ما سمي بـ«المؤامرة السياسية» للإطاحة بالحسن الثاني، لكنها قمعت بشدة في المدن الرئيسية في البلاد، واضطر الزعيم اليساري على البقاء في المنفى بباريس، حيث اختفى بعدها بشكل غامض. بعد أسابيع، سافر اليوسفي إلى العاصمة الفرنسية كمحام، تولى الدفاع عن قادة الثورة الجزائرية بقيادة أحمد بن بيلا الذين أسروا بالاستيلاء على طائرتهم وليكون أيضاً جزءاً من العملية القانونية للكشف عن اختطاف واغتيال رفيقه المهدي بن بركة.
وبعد أكثر من ثلاثين سنة، كشف المحققون الفرنسيون والمغاربة للرأي العام أنه في 29 تشرين الأول/ أكتوبر 1965، وفي قلب العاصمة الفرنسية باريس، تم اختطاف بن بركة وتعذيبه من قبل المخابرات المغربية بالتعاون مع المخابرات الأمريكية والإسرائيلية، وأعدمه وزير الحسن الثاني آنذاك للداخلية، الجنرال أوفقير، إلا أنه لم يكشف عن مصير جثمانه إلى اليوم، حيث تردد روايات متعددة من بينها أنه أعيد الجثمان سراً إلى الرباط، حيث تمت إذابته في حمض.
في العام ذاته، 1965، وفي الوقت نفسه الذي علق فيه الملك المغربي مؤقتاً، البرلمان والدستور، لتولي السلطات التنفيذية والتشريعية الكاملة، كثف الجيش القمع والاضطهاد ضد عناصر المعارضة للنظام، مما جعل رحلة اليوسفي إلى باريس رحلة منفى استمرت طويلاً لمدة خمسة عشر عاماً.
في هذه الأثناء، كان عبد الله إبراهيم يحمل شاهد بن بركة على رأس الحزب، على الرغم من أن التكوين شهد في أوائل السبعينيات أزمة داخلية خطيرة أدت إلى انقسام جديد بقيادة عبد الرحيم بوعبيد، وتأسيس «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية»، ومنذ ذلك الحين وحتى عودته إلى الرباط في تشرين الأول/ أكتوبر 1980، كان اليوسفي ممثلاً في المنفى للمعارضة الاشتراكية المغربية المتجددة.
عند وفاة بوعبيد عام 1992، انتخب أميناً عاماً لحزب «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية»، وهو تشكيل حضر به الانتخابات المحلية التي أجريت في العام 1993، وهزم في كل من الاستحقاقات الانتخابية من قبل تحالف يمين الوسط، وقدم استقالته وغادر البلاد مؤقتاً، ليعود في صيف عام 1995، واستعاد قيادة الحزب الاشتراكي.
واقتناعاً منه بأن السنوات الأخيرة من حكم الحسن الثاني، ستفضل تنفيذ الانفتاح المتوقع نحو دمقرطة البلاد، كان اليوسفي يؤيد الإصلاح الدستوري لعام 1996 وحقق النصر الانتخابي للحزب الاشتراكي في الانتخابات التشريعية التي أجريت في تشرين الثاني/ نوفمبر1997.
في الـ4 من شباط/ فبراير 1998، عهد إليه الملك بتشكيل الحكومة، وفي آذار/ مارس، ترأس حكومة ائتلاف يسار الوسط ، تتكون من الحزب الاشتراكي، التجمع الوطني للأحرار، الاستقلال، الحركة الشعبية الوطنية، حزب التقدم والاشتراكية، جبهة القوى الديمقراطية والحزب الديمقراطي الاشتراكي، وخلال فترة توليه منصبه على رأس السلطة التنفيذية المغربية، شهد وفاة الملك الحسن الثاني، وتتويج وريثه محمد السادس في تموز/ يوليو 1999. واستقبل اليوسفي بتفاؤل وعود الإصلاح التي قدمها الملك الجديد وأعلن الدعم الكامل للأسرة المالكة.
وفي كانون الأول/ ديسمبر 2000، أعرب عن رغبته في التخلي عن السياسة، بعد أن نظم في خريف عام 2002 أول انتخابات تشريعية في عهد محمد السادس.
وفي الانتخابات التي جرت في 27 أيلول/ سبتمبر، أعاد حزب اليوسفي الفوز بالأغلبية كما فعل في عام 1997، وتمكن من إضافة 50 مقعداً على الرغم من التقدم القوي للإسلام السياسي المعتدل الممثل في حزب العدالة والتنمية، الذين تحولوا بـ42 مقعداً إلى القوة السياسية الثالثة في البلاد.
وعلى الرغم من أن النتائج الانتخابية تنبأت بتعيين رئيس وزراء اشتراكي جديد، إلا أن الـ9 من تشرين الأول/ أكتوبر 2002، كلفتها تكليف الملك محمد السادس لإدريس جطو بتشكيل الحكومة من التكنوقراط، دون انتماء سياسي، والذي كان وزيراً للداخلية في حكومة اليوسفي.
وتم تفسير التعيين الفعلي للرئيس التنفيذي الجديد على أنه انتكاسة خطيرة للنظام البرلماني المغربي وواجه انتقادات شديدة من الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
وبعد مرور عام على تلك الانتكاسة، أعلن يوسفي عن استقالته من منصب الأمين العام للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتخلي عن النشاط السياسي، وهو الأمر الذي كان حتى وافته المنية صباح الجمعة في أحد مستشفيات الدار البيضاء
رحمة الله عليك خسارة كبيرة العرب والمغرب عرفته عن قرب في القاهرة في بداية السبعينات وكان صديقا لوالدي شفيق ارشيدات امين عام المحامين العرب.
دافع اليوسفي عن القضية الفلسطينية والمعتقلين منهم في اوروبا ونجح في تحقيق اختراقات عربية في اوروبا. الرجل عظيم في مسيرته وفكره.
رحم الله الفقيد سي عبد الرحمن اليوسفي و ادخله فسيح جنانه، كان رجلا وطنيا عظيما، محبا للوطن و مدافعا مستميتا عنه، كان مفخرة للمغرب، و كان يحظى باحترام كبير لدى الدول العربية و الاوروبية، اللهم الهم ذويه الصبر و السلوان.
قَدْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَكُونَ لِقَاءُ *** مَا عِشْتَ، لَكِنْ لَا يُـرَدُّ قَضَاءُ
الْيُوسُفِيُّ إذَا ذَكَرْتَ خِصَـالَــهُ *** فَخَرَ الْكِرامُ وَأَرْجَفَ اللُّــؤَمـاءُ
الْأَلْمَعِيُّ اللَّوْذَعِيُّ الــــمُــــــــــــــــــتَّقِــي *** الْكَاظِمُ الغَيْظَ الأَدِيـبُ الْهَادِئُ
الْمُكْتَفِيُّ إِذَا الرِّفَاقُ تَـهَافَتُــوا *** بَحْثاً عَنِ الْجَاهِ أَوْ غَرَّتْهُمُ أضْوَاءُ
أَسَرَ القُلُوبَ بِصِدْقِهِ وَعَفَافِهِ *** فَفَـــــــــــــــــــــمُ الْمَـــغَارِبَـةِ الْــكِــرَامِ ثَـــنَــــاءُ
الشَّاهِدُونَ بِفَضْلِــهِ أَعْدَاؤُهُ *** وَالْـــــــــــــــــحَــقُّ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْأَعْـدَاءُ
وَالْعَارِفُونَ بِعَزْمِهِ وَنِـضَالِــــهِ *** قَــــبْـــلَ الرِّفَاقِ خُصُومُهُ الـغُرَمَاءُ
غَمَرَ النُّفُوسَ تَفَاؤُلاً وَتَطَلُّعاً *** لِـــــــــــــــغَـــــــــــــدٍ جَـمــِيــــلٍ كُــــلُّــــهُ سَـــــرَّاءُ
لَمَّا تَفَضَّلَ أَنْ يَكُونَ رَئِيساً *** لِــحُكُومَةٍ تَشْكِيلُـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــهَــا إرْضـــــاءُ
قَدْ كَانَ حُلْماً عَابِراً وجَمِيلاً *** فِي مَغْرِبٍ عَصَفَــتْ بِهِ الأَنْــوَاءُ
فَلْيَغْفِرِ اللَّهُ الرَّحِيمُ لِعَبْدِهِ *** الْيُوسُفِي مَا غَــــــــرَّدَتْ وَرْقَـــــــــاءُ
وَتَفَتَّحَتْ فِي كُلِّ رَوْضٍ زَهْرَةٌ *** وَتَفَتَّحَتْ فِي كُلِّ رَوْضٍ زَهْرَةٌ
وَتَفَتَّحَتْ فِي كُلِّ رَوْضٍ زَهْرَةٌ *** وَتَلَأْلَأَتْ بِالثَّاقِبَاتِ سَمَـــاءُ
انطفأت شمعة نور أضاءت ظلام بلدي …