النص الذي جفاه مرقده

رائعة علي الحصري القيرواني فيها أسرار كثار جعلت كبار الشعراء من أمثال شوقي والشابي والأخطل الصغير يعارضونها. ونحن نهتمّ في هذا المقال بما نسمّيه مَسَار النصّ ومَعْلَمَه وعناصر القوة التي تجعل من نص ما أرضية قول بالنسبة إلى غيره. ونحن نستعير مفهومي المسار والمعلم من اللسانيات العرفانية ونوظفهما التوظيف النقدي، الذي به نبيّن كيف يمكن لنصّ أن يكون موضوعَ معارضات يتبارى الشعراء الكبار في النسج على منواله والجري في نوله. يستعمل لانغاكار مفهومي مسار/ معلم Land Mark/ Trajectory في سياق الحديث عن أن بناء المعاني يكون بمراعاة العلاقة التي تربط بين مكوّنين لغويّين، يكون أحدهما بارزا، ويكون الثاني أرضيّة له، ونقطة مرجعية يتحدد بالنسبة إليها. ففي قولنا (يعبر القطار على الجسر)، فإنّ القطار هو المسار إذ هو الذي يشدّ بحركته النظر أكثر من الجسر، الذي يمثل مرجعا تقع عليه حركة القطار، وأرضية لمشهده وهو يتحرك. ولا يمكن أن أدرك القطار من غير أن أجعل الجسر إطارا لإدراكي له، ولكنّ المشهد عموما متألف منهما معا مع ترتيب إدراكي يجعل أحدهما البؤرة والثاني الخلفية.
إن استخدمنا الشعر في سياق إدراكنا للأقوال المطولة على أن بعضها بؤرة وبعضها مرجع له، وأرضيّة ينبغي أن نشدّد على أن الشعر مؤلّف من وحدات لغوية مركبة من أبيات، أو أسطر أو غيرها، ممّا يمكن أن يتجاوز الجملة فهو وحدة رمزية كبرى، تتألف من محمولات دلالية وأبنية صوتمية هي حواملها. وسواء توقفنا عند بيت واحد من الشعر (يا ليل الصبّ متى غده / أقيام الساعة موعده) أم تجاوزناه إلى المئة بيت التي تؤلف القصيدة، فإنّنا إزاء وحدات لغوية رمزية بقطع النظر عن طولها. وهذه الوحدات دائما ما تكون مؤلّفة من بنيتين مترابطتين: صوتمية ودلالية؛ وأنّ كلّ بنية منهما في ترابط تصوّري مع الأخرى فالأصوات تحيلك على الدلالة والدلالة تحيلك على الأصوات بطريقة مطردة ومنعكسة.

قراءة هذه الوحدات الرمزية، بما هي وحدات شعرية تكون دائما في أرضيّة، أو بناء على مرجع يتجاوز البنية اللغوية البسيطة المؤلفة من دالّ ومحمول دلالي تصويري يتجاوزه ليتأسّس على أبنية رمزية مجاوزة هي خاصّة بالشعر. ليس الدال فيها الأصوات فقط، بل هندسة البيت من صدر وعجز ففي كلّ بيت صدر وعجز وفي كل صدر محمول دلالي له حجمه وحدوده التي ينبغي أن لا يتجاوزها وإلاّ انخرم التوزيع العروضي إلى تفعيلات. في الدال العروضيّ ينبغي أن نجد مدلولا رمزيا مرتبطا به هو المحمول الدلالي بما هو قول قيل في وحدة هي البيت أو شطره. في وحدة الصدر العروضية في دالية الحصري مؤلفة كم بنية رباعية هي عدد تفعيلات الخبب توازيها في الدلالة بنية ثلاثية (النداء: يا ليل، والذات الكبرى (الصبّ) والسؤال: متى غده؟). في هذه المحمولات الدلالية الثلاثة عنصر وحيد يكون هو المركزي (المسار) وهو في الصدر (الصبّ)، بينما البقية هي معلم أو أرضية أو مرجع بالنسبة إليه. الصبّ ليس هو واسطة العقد في الصدر، بل هو مركز التبئير وبؤرة الإدراك. إنّه ماكث بصبابته بين أسلوبين نداء واستفهام أولهما معلم للثاني والثاني مسار ومركز: فما نودي الليل إلاّ لاستفساره عن مصير الصبّ الذي طال ليله، وما من مبشّر بالإصباح في غده. في العجز ثلاثة عناصر أيضا (أقيام الساعة موعده) يكون فيها المسار (موعده) لأنّ أصل التركيب: (هل موعده قيام الساعة؟). بانتقالنا من الصدر إلى العجز ننتقل من مسار هو الحيّ إلى مسار هو انتهاء الحياة وقيام الساعة. إنّها طريقة في التعبير عن الانتقال من الليل إلى علامات انطفاء نجومه وامحاء زمانه وزوال حياته. هذا الانقلاب في المسار كأنّه ضرب من الغيبة فيها حديث عمّن أسلم روحه للموت ويستعدّ للحساب. المسار يترسّخ أسلوبيا في الاستفهام الذي علت وتيرته من سؤال عن شيء منتظر إلى هروب من هول داهم هو قيام الساعة ومن استفسار إلى استنكار ومن انتظار إلى هول.

الحديث عن المسار والمعلم يمكن أن يكون في مستوى نصّي خارجي بأن تكون القصيدة في ذاتها مسارا بالنسبة إلى معلم تتصل به. فقصيدة (يا ليل الصبّ) التي قالها الشاعر في مدح كبير مرسيّة وأديبها الأمير أبي عبد الرحمن بن أبي طاهر كانت نصا منخرطا في عمود شعري يكون فيها النص المسار والعمود معلما. المعلم والأرضية في النصّ المدحي تجعله منقسما إلى نسيب ومديح. فالقصيدة بما هي حركة قول شعري تسير في معلم أو في أرضية من القول الشعري عموما، فيه احتذاء وامتثال للعمود، فهي تسير بلا ثورة داخل الأنساق. لكنّ القصيدة وهي تتبع هذا المسار على الجسر المعلق كانت تغير أصواتها وتلوّن عرباتها بألوان ليست في القطارات الأخرى.
كان النسيب في القصيدة مخصوص الدالة، فيه يسكن الليل وما يسكن العاشق ويطلع النجم ويخبو نجمه مسار النسيب، يسير في ليل كلّ ما في الخارج يوحي بالبهر، إلاّ هو مساره الذي يتبع طريقا اختطف فيه لبّ العاشق الصبّ حتى صار موضوع قتل. وأنت تسير في النسيب تجدك في بؤرة إدراكية فيها تمثيلات متعددة عن أن الذات موضوع صيد وقنص تأتيه سهام عاشقه من كل ناحية لترديه قتيلا. وفي النسيب حديث عن المعصيات من خمر وسفك للدماء، فكأنك إزاء جاهلية جديدة ليس فيها ردّة إلاّ ارتداد القلب منكسرا وقد ظنّ نفسه فاتحا.
يبدو أن هذا المسار المخصوص الذي اتبعه النسيب قد جعل الشعراء يفتتنون به فاحتذوا قسم النسيب ونزعوا المقدمة عن جسم القصيد وعارضوها. لقد جعلوا من قسم النسيب في هذه القصيدة، المسار الذي تجاوز المعلم بما هو بنيتها الثنائية الجامعة، بين النسيب والمدح، وأعلي النسيب وجعل رأسا قائما بذاته، واستلّ جزؤه الأساسي لأنّه لا يعنيها.

البنية الثلاثية أو المثلثة نجدها ماثلة في رائعة أحمد شوقي، التي غناها ولحنها المطرب محمد عبد الوهاب (مضناك جفاه مرقده/ فبكاه ورحّم عوّده). البنية الصوتية المشغولة بالضمير، تتسع من بنية واحدة (غده) إلى اثنتين (جفاه مرقده/ بكاه.. عوّده) الترجيع الذي في صوت الهاء في الروي له ما يرفده في أوّل الكلام والغيبة في الضمير حديث عن غائب مستعاد هو الإنسان المستكنّ في كل الضمائر. أشياء كثيرة تجعل نصّ الحصري معلما بالنسبة إلى النصوص التي عارضته، لكنّ هناك أشياء ثلاثة تجد ضالتها في المعارضات هي أوّلا غنائية الغياب، التي يقودها الضمير والمدى المشبع من كل صوت وخبب هو إن شئت سير على مهل على أطراف القلب، أو على أنامل حرى أو في ذرات رمل يذروه طريق المسافر. وثانيا الفتنة اللغوية الكبرى التي يصنعها التثليث وفيه يكون عنصر واحد من العناصر الثلاثة، محورا والبقية هوامش. وثالثا رهبة الوقوع في دائرة الرمز فلا النصّ يربطك بك، ولا الرمز يعطيك حقّ تكسير الإيقونية التي يحاكي فيها النصّ المغنى مصدره الأوّل. حين تصبح القصيدة معارضة ويعارضها كبار الشعراء، تطلق فرادتها وتصبح نصّا يجفوه مرقده: فهو لا ينام حتّى يجد من يعترضه فيعارضه.

أستاذ اللسانيّات في الجامعة التونسية.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية