يمثل التطبيع الإماراتي – الإسرائيلي نموذجا يجسد رؤية صهيونية لما يسمى «السلام الاقتصادي» مع الدول المجاورة، يستهدف تجاوز القضية الفلسطينية، وترسيخ الهيمنة الإسرائيلية في المنطقة وتوسيع نطاق نفوذها العالمي. وكان الحلم الصهيوني دائما أكثر من مجرد إقامة دولة لليهود، فقد كانت الدعوة لإقامة دولة قومية لليهود وسيلة للعودة إلى التاريخ من النسيان، واختراق حركات التحرر الوطني القومي التي نشأت على أنقاض الإمبراطورية العثمانية في مرحلة تحللها. ومع العودة إلى تيار التاريخ من النسيان كان الحلم الصهيوني هو إعادة خلق أسطورة اليهودي المتفوق. ومع أن إعادة خلق الأسطورة كان يستهدف النفوذ والسيطرة، فإن الطريق إلى ذلك تمثل في خلق أسطورة «اليهودي الضحية» التي تطورت خلال مرحلة العلاقات المضطربة بين اليهود ومجتمعات روسيا وشرق أوروبا منذ ما قبل الحرب العالمية الأولى، حتى وصلت إلى ذروتها في الصدام الكبير في عهد النازية الهتلرية. ومع أن جذور أسطورة «اليهودي المضطهد» نشأت وتطورت في أوروبا شرقا وغربا فإن ثمن إغاثته بإقامة دولة قومية لليهود دفعه الشعب الفلسطيني، تحت ضغط بريطانيا العظمى، الدولة التي نصّبَت نفسها قوة انتداب على فلسطين، وعينت واحدا من الصهاينة المعروفين هو اللورد هربرت صامويل مندوبا ساميا على فلسطين في مهمة هدفها الأول وضع قواعد إقامة دولة صهيونية في فلسطين من خلال عزل الفلسطينيين وتهجيرهم وتحويلهم إلى قوة هامشية بمرور الوقت. ونشأت الدولة الصهيونية على اغتصاب ممتلكات الفلسطينيين، وسرقة موارد أرضهم، والتوسع المستمر من خلال حروب العصابات التي نرى الآن مثلها يحدث في الضفة الغربية وقطاع غزة بواسطة جماعات الاستيطان البربرية المتوحشة التي تلقى تأييدا كاملا من الدولة وحماية كاملة من جيش الاحتلال. ويعتبر مشروع إقامة الدولة جزءا من المشروع الصهيوني وليس نهايته أو غايته، فالغاية لا تزال بعيدة، تتمثل في مشروع إقامة إسرائيل الكبرى الذي تحدث عنه زعماء الحركة الصهيونية من تيودور هرتزل إلى ديفيد بن غوريون وغولدا مائير إلى مناحم بيغن إلى إسحق شامير ثم تلميذه المخلص بنيامين نتنياهو. وليس غريبا أن يرتبط المشروع الصهيوني بالحرب، فالحرب هي أداة التوسع في الداخل الفلسطيني، وتحقيق السيطرة ونشر النفوذ من دون استخدام القوة المسلحة في الدول والمناطق المجاورة، كما أنها في الوقت نفسه وسيلة خلق وتطوير الهوية للمستوطنين اليهود القادمين من الخارج. في هذا السياق نرى مشاريع التطبيع بين إسرائيل والدول العربية منذ أواخر سبعينات القرن الماضي حتى الآن بوصفها جزءا لا يتجزأ من تطور المشروع الصهيوني والانتقال من مرحلة إقامة الدولة إلى مرحلة نشر النفوذ وتحقيق الهيمنة وبناء مكانة للدولة على المستوى العالمي. ومن المدهش أن تأسيس النفوذ ونشره لا يتوقفان عند حدود الدول العربية المجاورة كما كان يرى بن غوريون وغولدا مائير، وإنما يمتد طموح التطبيع الآن إلى الدول الإسلامية من إندونيسيا وباكستان في آسيا إلى دولة البوسنة والهرسك في شرق أوروبا. ويمثل التطبيع في جوهره شكلا منظما من أشكال النفوذ الإسرائيلي الممتد في داخل الطرف الآخر بعد أن اقتربت إسرائيل من ابتلاع النسبة الأعظم من الأرض الفلسطينية بالاحتلال.
المرحلة الأولى من مراحل التطبيع سجلت ارتباطا مع الانسحاب من أرض محتلة وإنهاء الاحتلال كما حدث في أول معاهدة للسلام بين إسرائيل ودولة عربية هي مصر. وقد اعتبرت القيادة المصرية في ذلك الوقت أن خطورة استمرار الاحتلال الإسرائيلي لشبه جزيرة سيناء أكبر من خطورة إقامة علاقات مع إسرائيل. وكانت وجهة نظر الرئيس المصري الراحل أنور السادات أن استعادة الأرض المحتلة واجب قومي مهما كان المقابل، لأن العلاقات يمكن التحكم فيها على العكس من الاحتلال الذي ينفي وجود السيادة الوطنية تماما في المنطقة المحتلة. وخلال مفاوضات التطبيع وإعداد مذكرات التفاهم بين القاهرة وتل أبيب وضعت الأولى من الحواجز والقيود على التطبيع ما جعل الثانية تدرك أن أحلامها في إقامة وتوسيع العلاقات مع مصر كانت مجرد سراب. في هذا السياق وصف الإسرائيليون العلاقات مع مصر بـ «السلام البارد». واستغرقت المرحلة الأولى من التطبيع مع مصر والأردن أكثر من عقدين من الزمن، لم يتحقق فيها ما كانت تسعى إليه إسرائيل. واقتصرت العلاقات بين إسرائيل ومصر على تجارة محدودة قيمتها ملايين الدولارات حتى بدأ عصر صفقات الغاز المليارية، وكذلك الحال تقريبا مع الأردن. وقد رأت الولايات المتحدة من ناحيتها انها يجب ان تتدخل لإنقاذ للتطبيع بتقديم حوافز لزيادة التجارة بين إسرائيل وكل من مصر والأردن، فأنشأت ترتيبات المناطق الاقتصادية المؤهلة للحصول على إعفاءات جمركية في سوق للولايات المتحدة المعروفة اختصارا باسم «كويز» لتشجيع التجارة المتعددة الأطراف بين كل من مصر والأردن وإسرائيل والولايات المتحدة. وبفضل كويز زادت الصادرات المصرية إلى الولايات المتحدة التي تتضمن مكونات إسرائيلية بنسبة 10.5 في المئة، بينما يلزم للصادرات الأردنية نسبة 8.5 في المئة فقط. وتحاول مصر منذ سنوات تخفيض نسبة المكونات الإسرائيلية عن مستواها الحالي. ولا تقتصر ترتيبات الإعفاء من الجمارك على المناطق الصناعية فقط، لكنها يمكن أن تشمل قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة. وباستثناء التجارة والسياحة والغاز لم يحقق التطبيع لإسرائيل مزايا كبيرة مع كل من مصر والأردن. وهكذا ظلت ترتيبات التطبيع واجهة لما يسمى «السلام البارد» بين إسرائيل والدول العربية، وهي الترتيبات التي قامت على أساس مبدأ «الأرض مقابل السلام».
إسقاط استعادة الأرض
وإنهاء الاحتلال
قامت المرحلة الثانية من التطبيع على أساس مبدأ نتنياهو «السلام مقابل السلام» ما يعني أن إسرائيل تحصل بلا مقابل على نفوذ كبير في جميع نواحي الحياة مع دول عربية خليجية، منها حتى الآن دولة الإمارات العربية ودولة البحرين. وتحقق ذلك من خلال اتفاقيات أبراهام التي تم توقيعها في واشنطن تحت رعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عام 2020 وشارك في التوقيع عليها ممثلون عن حكومات الإمارات والبحرين والمغرب والسودان وإسرائيل والولايات المتحدة. ومع توقيع ما يسمى «الاتفاقيات الإبراهيمية» سقط مبدأ الربط بين التطبيع والانسحاب الإسرائيلي من الأرض الفلسطينية المحتلة، ما يساعد على تطوير علاقة إسرائيل بالدول العربية والإسلامية بوصفها دولة طبيعية تتمتع بحق السعي لإقامة علاقات متعددة الأطراف مع الدول العربية والإسلامية من دون مطالبتها بإنهاء احتلال الأرض الفلسطينية أو أراضي الدول المجاورة.
وتجسد العلاقات بين إسرائيل ودولة الإمارات نموذجا جديدا من نماذج تطبيع العلاقات مع الدول العربية والإسلامية، يُسقِط العلاقة بين التطبيع والانسحاب من الأرض الفلسطينية وغيرها من الأراضي العربية المحتلة، كما يقيم إطارا مؤسسيا للعلاقات المادية وغير المادية المتعددة الأطراف مع إسرائيل، ويؤكد تغلغل النفوذ الإسرائيلي إقليميا، كما يساعد على إقامة ترتيبات إقليمية جديدة تذوب فيها الهوية العربية والإسلامية في قلب المشروع الصهيوني من خلال برامج تعديل الأنظمة التعليمية وإعادة كتابة التاريخ، ويؤسس لإقامة قاعدة إقليمية للمصالح الاقتصادية المشتركة تحت النفوذ الإسرائيلي، وترويج المشروعات الإقليمية الإسرائيلية التي تربط دول المنطقة بالعالم من خلال إسرائيل لوجستيا وتكنولوجيا وثقافيا مثل مشروع الممر الاقتصادي بين الهند وأوروبا عن طريق البحر المتوسط. هذه الملامح تختلف إلى حد كبير عن التطبيع الذي أقامته مصر أو الأردن مع إسرائيل في المرحلة الأولى من التطبيع.
أقامت إسرائيل والإمارات العربية المتحدة علاقات دبلوماسية واقتصادية وأمنية في عام 2020 بموجب اتفاقيات أبراهام، وهي اتفاقية مدفوعة جزئياً بالخوف من إيران. ويمكن تقسيم تطور العلاقات الاقتصادية بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة إلى أربع مراحل حتى الآن. الأولى هي مرحلة التطبيع غير الرسمي، قبل عام 2020 وتميزت بوجود روابط هادئة وغير رسمية بين الطرفين رغم عدم وجود علاقات دبلوماسية بينهما. وشملت ترتيبات التطبيع في المرحلة غير الرسمية اتصالات اقتصادية غير رسمية محدودة على مدى سنوات عديدة. وشملت الملامح الرئيسية الأكثر أهمية لتلك المرحلة مجالات التعاون الأمني والاستخباراتي، وخاصة فيما يتعلق بإيران، والتكنولوجيا والأمن السيبراني، وتجارة الماس من خلال بيوت المجوهرات العالمية، حيث كانت تلك التجارة بوابة لفتح قنوات لتمكين النفوذ من خلال الشخصيات النسائية القائدة في الأسر المالكة خصوصا آل نهيان وآل مكتوم. كما شملت مجالات التعاون غير الرسمية التكنولوجيات الزراعية وإدارة المياه. وكانت الاتصالات التجارية تتم على الأرجح بشكل غير مباشر من خلال بلدان ثالثة لأن العلاقات الرسمية غير موجودة. ثم جاءت المرحلة الثانية بإعلان التطبيع رسميا في واشنطن في أيلول/سبتمبر عام 2020. وتضمنت تلك المرحلة إقامة علاقات دبلوماسية كاملة، وتعزيز قنوات التجارة المكشوفة بين الطرفين، وتسيير الرحلات الجوية بين مطارات الدولتين لتعزيز السياحة والتجارة والاستثمار والتمويل والطاقة الجديدة والتبادل العلمي والتكنولوجي والثقافي والرعاية الصحية. وبفضل الاتفاق تحول ما كان اتصالات غير رسمية إلى تعاون اقتصادي رسمي تدعمه الدولة. أما المرحلة الثالثة فإنها تجسد التتويج للنموذج الجديد من التطبيع العربي مع دولة الاحتلال، حيث تم توقيع عدد كبير من الاتفاقيات الفرعية للتعاون في المجالات المختلفة من أهمها اتفاق الشراكة الاقتصادية الشاملة، حتى أصبحت الإمارات أكبر شريك اقتصادي عربي لإسرائيل إذا استثنينا اتفاقيات الغاز بين إسرائيل وكل من مصر والأردن. وتجاوزت التجارة غير النفطية 2.5 مليار دولار أمريكي خلال الأشهر الثمانية عشر الأولى بعد التطبيع. وفي مجال التبادل السياحي فإن الرحلات الجوية المباشرة بين دبي وأبو ظبي وتل أبيب ساعدت على حدوث تدفقات سياحية كبيرة، حيث سافر مئات الآلاف من الزوار بين البلدين، في مجالات السياحة المختلفة بما في ذلك السياحة العلاجية. وتغطي الاستثمارات المشتركة بين الشركات من الجانبين مجالات بدأت بالشركات الإماراتية والإسرائيلية الكبرى التكنولوجيا المالية، والأمن السيبراني، والطاقة المتجددة، والخدمات اللوجستية، والتكنولوجيا الزراعية، وتكنولوجيا المياه، والرعاية الصحية. وأصبحت الإمارات بوابة للشركات الإسرائيلية التي تسعى للوصول إلى الأسواق الخليجية والآسيوية، في حين قدمت إسرائيل قدرات متقدمة في مجال التكنولوجيا والابتكار. وتعتبر اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة عام 2022 التي دخلت حيز التنفيذ في العام التالي أهم الملامح التنظيمية للعلاقات الاقتصادية بين البلدين منذ بداية التطبيع، حيث انها تغطي كل جوانب العلاقات التجارية تقريبا، وتتضمن إلغاء أو خفض التعريفات الجمركية على أكثر من 96 في المئة من بنود التعريفة الجمركية. وتنص الاتفاقية على فتح أسواق الخدمات في البلدين بما في ذلك قطاعات التمويل والتأمين والاقتصاد الرقمي والمكاتب السياحية وتيسير حركة التجارة والاستثمار والتعاون التكنولوجي. وتتوقع الإمارات أن تتجاوز قيمة التجارة الثنائية 10 مليارات دولار في غضون خمس سنوات بموجب الاتفاقية. وتستند الشراكة الاقتصادية إلى مزيج من رأس المال الإماراتي والخدمات اللوجستية والوصول إلى الأسواق والتكنولوجيا والابتكار الإسرائيليين، مدعومين باتفاقية تجارة حرة شاملة وتدفقات استثمارية كبيرة. أما المرحلة الرابعة فإنها بدأت مبكرا بالاتفاقية الرباعية بين كل من الولايات المتحدة والهند وإسرائيل ودولة الإمارات التي تهدف إلى إقامة نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط يمثل جسرا للعلاقات الاقتصادية بين آسيا وأوروبا «u2i2»، هذا النظام الذي تساعد الولايات المتحدة أيضا على إقامته يجعل إسرائيل بمثابة المركز اللوجستي والمالي والتكنولوجي الذي تمر منه علاقات المنطقة بالعالم، ومنافسا لمبادرة «الطوق والطريق» الصينية التي تسعى لإحياء طريق الحرير التجاري القديم مع إضافة ممرات بحرية تشمل طريقا عبر البحر الأحمر إلى إيلات ومنها عبر طريق بالسكك الحديد إلى البحر المتوسط.
وتعتبر المبادلات التجارية، والاستثمارات المشتركة المتنوعة والتعاون التكنولوجي والسياحة هي الركائز الأربع الرئيسية لتطبيع العلاقات الاقتصادية بين الإمارات وإسرائيل. وتلعب التجارة دورا حيويا في فتح أسواق جديدة للسلع الإسرائيلية والمساعدة على ازدهار مراكز تجارة الترانزيت في الإمارات، والمساعدة على دمج سلاسل الإمدادات والشبكات اللوجستية، وتسهيل وصول المنتجين الإسرائيليين إلى أسواق العالم، والترويج للمنتجات الإسرائيلية في أسواق الدول العربية والإسلامية بواسطة التوكيلات والشركات الإماراتية. وتدل طبيعة الشراكة الاقتصادية الحالية بين الإمارات وإسرائيل على أن الإمارات تراهن على إسرائيل في إيجاد فرص أكبر لاستثمار أموال الصناديق السيادية في مجالات الذكاء الاصطناعي، وتكنولوجيا الطاقة الجديدة، وتطوير صناعات تكنولوجية متقدمة، بما في ذلك صناعات الأسلحة. وتشير تقارير أخيرة إلى أن الإمارات وإسرائيل اتفقتا على تأسيس صندوق مشترك للاستثمار في الصناعات العسكرية، بما في ذلك الاستحواذ على شركات إنتاج الأسلحة والذخائر، وتمويل أبحاث تكنولوجية لإنتاج أسلحة جديدة، وشراء براءات الاختراع الممكن استخدامها في تطوير وإنتاج أسلحة جديدة. ويمثل هذا الصندوق ذروة جديدة للتعاون العسكري الإسرائيلي – الإماراتي الذي تتشكل من خلاله معادلة جديدة للتفاعل بين الطموحات المالية الإماراتية والقدرات التكنولوجية الإسرائيلية. وتسهم صناديق الثروة السيادية بدور كبير في تنشيط وزيادة الاستثمارات المشتركة. على سبيل المثال أعلنت أبو ظبي عن صندوق استثمار عام بقيمة 10 مليارات دولار لقطاعات مثل الفضاء والطاقة. كما استثمر الصندوق السيادي «مبادلة» حوالي 100 مليون دولار في شركات الاستثمارات المالية الإسرائيلية. وفي مجال المشتريات الدفاعية، من المعتقد أن الإمارات العربية المتحدة كانت هي الدولة المشترية في صفقة بقيمة 2.3 مليار دولار مع شركة الدفاع الإسرائيلية العملاقة إلبيت سيستمز. وبذلك فإن ملامح نموذج التطبيع الاقتصادي الإسرائيلي مع الإمارات تتمثل في أنه يسقط الحق الفلسطيني في الدولة، ويتغاضى عن جرائم الإبادة الجماعية التي ترتكبها ضد الشعب الفلسطيني، وأنه ليس مجرد علاقة ثنائية وإنما يعبر عن علاقات شبكية متعددة الأطراف، وأنه يمثل انفتاحا لإسرائيل على البلدان العربية والإسلامية المحيطة بها والقريبة منها، وانه البوابة الجديدة لتسهيل إقامة نظام للهيمنة الإقليمية الإسرائيلية.