امتحان من الله…

حجم الخط
11

عندما توفيت والدته كان عمره شهرين فقط، أما والده فقد تركه وهاجر إلى كندا، كان ما زال يحبو، فلا يذكره أبدا، احتضنته أسرة خاله، واعتبرته واحدا من أبنائها.
في التاسعة عشرة من عمره، انتبه إلى حمرة شديدة في إحدى عينيه، وصار يستيقظ من نومه وقد بلل ملابسه بشكل لا إرادي، أرسله طبيب العائلة إلى المستشفى، وبعد الفحوصات اللازمة أخبروه بمرضه.
كان على الأطباء أن يجدوا له نخاعا شوكيا ملائما لزراعته في جسده، اتصل والده البيولوجي من كندا وعرض استعداده للتبرع بنخاع شوكي، وذلك عندما علم من مكتب الشؤون الاجتماعية بمرض ابنه، إلا أن محمد رفض تبرّع والده الذي تركه رضيعا، ورفض حتى اللقاء به.
«لم أعرف أمّا سوى زوجة خالي، فهي الأم الحنون، وفي سنوات متأخرة فقط عرفت أنها ليست أمي البيولوجية، ربّتني مثل أولادها، لم أشعر بأي فرق، وقفَتْ إلى جانبي في كل مراحل حياتي وأقساها وفي مرحلة مرضي، سافرتْ معي أيّاما وأسابيع وأشهرا خلال مكوثي في المستشفى، ما أن أفتح عيني من النوم حتى أراها فوق رأسي.
بعد فحوصات كثيرة في المستشفى، جلست معي طبيبة وأخرى مختصة نفسية، أخبرتني الطبيبة بأن كريات الدم البيضاء في دمي أكثر بكثير من الكريات الحمراء، ثم قالت لي المختصة النفسية، أنت مريض بالسرطان، ولكن العلم تطور كثيرا، وكثيرون عاشوا وما زالوا يعيشون بيننا بعد المرض، وشفوا منه تماما، سوف تشفى وتعود أفضل مما عليه أنت الآن.

حتى الآن لم أعرفه، ولكنه من البلاد كما أخبروني، وأنا أحب أن أتعرف عليه، عادة يخبرون المريض بعد فترة معيّنة.

-كيف كان رد فعلك؟
-الصمت، لم أردّ بشيء، ظننت أنه انتقل إليّ بالوراثة من أمي لأنها ماتت بالسرطان، صرتُ أفكر بأن حياتي انتهت، سوف أموت، هذا هو حدّ عمري، ولكن فيما بعد أخبروني أنه ليس وراثيا.
-ماذا يعني لك الموت؟
-لا شيء، أموت وكفى، هذا هو حد عمري، هناك من يموت طفلا أو عجوزا أو شابا، الله أعلم، في النهاية الجميع يموتون.
-هل أنت مؤمن بالله؟
-نعم أنا مؤمن، الحمد لله.
-ألم تسأل نفسك لماذا أنا الذي مرضت، لماذا ينتهي عمري في التاسعة عشرة أو العشرين؟ لماذا كل هذه المعاناة؟
-أنا أؤمن بأن الله يمتحنني، هذه أمور لا يعلمها سوى رب العالمين.
أقسى ألم عندما كانوا يغرسون الحقنة في العمود الفقري لأخذ عيّنات من النخاع الشوكي، كنت تحت تأثير البنج، ولكن في إحدى المرات صحوت وصرخت من شدة الألم، كان الألم فظيعا.
قبل زرع النخاع الشوكي عالجوني بالكيماوي لقتل الخلايا المريضة، ثم زرعوه، وضعوني في غرفة معقّمة لمدة أربعين يوما، منعوا عنها الدخول إلا للأطباء، كانت والدتي تدخل مرتدية لباسا خاصّا معقّما، وممنوع أن آكل أي شيء.
-صف لي شعورك وأنت منعزل تماما عن العالم لمدة أربعين يوما.
-بعد زراعة النخاع شعرت أن جسمي يرتفع في الهواء كأنه ينتفش، كنت مرهقا تعبا، لا أريد سوى النوم،
كل صوت مزعج، وكل ضوء يضايق، لا أريد أن أسمع أو أن أرى أحدا، فكّرت بالموت، قلت لنفسي سأموت خلال العلاج، صرت مكتئبا وسوداويا.
مرّت أشهر حتى عدت لتناول الطعام بشكل عادي،
كان يجب غلي المياه قبل شربها، حتى المياه المعدنية، وممنوع تناول الألبان، ويجب تقشير الخضار والفواكه وحتى حبة البندورة، لأن مناعتي كانت ضعيفة جدا، أكثر شيء كنت أحبه هو الليمون والحمضيات.
ويضيف محمد ضاحكا «أكثر شيء كان يخطر في بالي هو رغيف الشاورما، ولكن ممنوع أن آكله، البندورة تضايقني حتى الآن، فيها مادة لا تلائم جسمي».

اليوم عندما أرى إنسانا مريضا أشعر معه، صرت أعرف ماذا يعني العلاج بالكيماوي، أعرف ما يعانيه المرضى، وأعرف أن الناس لاهون في حياتهم، ولا يعرفون نعمة الصحّة التي هم فيها، لا يوجد أهم من صحة الإنسان، أستغرب من الناس الذين يتذمرون كثيرا وهم أصحاء.
في المستشفى، عرفت أطباء وممرضات رحماء ولطيفين جدا، من عرب ومن يهود، عرفت مرضى بالسرطان، فوجئت بصورة أحدهم على «فيسبوك»، حزنت كثيرا، كتبوا أنه توفي، كان عمره أربعة عشر عاما، كان معي في القسم، كان الجميع يحبه.
-وكيف صرت ترى الحياة بعد هذه التجربة؟
-اختلف كل شيء، يجب على الإنسان أن يحافظ على صحته، كل لحظة أعيشها مهمة بالنسبة إلي، أستمتع بعملي في تشغيل الأسطوانات (DJ) في الأفراح، هذا كان حلمي منذ الطفولة، بعد شفائي تعلمت دورة في الإخراج الموسيقي وصرت أعمل في الأعراس، عرفت كم يحبني أهل قريتي، حتى من لم أظنهم كذلك، وقفوا بالمئات لتقديم وجبات الدم التي احتجتها، تبرّعوا بأكثر من ثلاثمئة وجبة من الدم، كذلك أجرى المئات منهم فحوصات بحثا عن نخاع شوكي ملائم لجسدي.
-في النهاية من الذي تبرع لك بالنخاع الشوكي؟
-حتى الآن لم أعرفه، ولكنه من البلاد كما أخبروني، وأنا أحب أن أتعرف عليه، عادة يخبرون المريض بعد فترة معيّنة.
-هل أخذوا منك سائلا منويا لحفظه، ربما احتجته لتنجب أطفالا؟
-نعم أخذوا، ولكن نوعيّتها الآن أفضل، وأريد أن أحفظ منها مرة أخرى.
أعيش الآن في شقة لي في القرية، اشتريتها من ميراث والدتي، سافرتُ إلى أمريكا والمكسيك وتركيا في رحلات ترفيهية وعلاجية، في إطـــار جمعيات تدعم مرضى السرطان، وإلى جانب العمل في الأفــــراح أعمــــل في مقصف مع صديــــق لي منذ أيــــام الطفولة، وقف معي وقفة رجل في مرضي، ساعدني بكل شيء.
الابتسامة لا تفـــــارق وجه محمد، الشاب الأسمر الممتلئ الجسم، وهو إلى جانب عمـــــله في الأفراح كمشغل أسطوانات وفي المطعم، يُدعى إلى المدارس ليحكي للطــــلاب عن تجربته المريرة مع المرض، ومع الحياة التي أحبها رغم كل ما فيها من آلام، وما زال يراها جميلة، وبإيمان قوي أنه في امتحان من الله، ولا بد أن ينجح فيه.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الكروي داود:

    ” إلا أن محمد رفض تبرّع والده الذي تركه رضيعا، ورفض حتى اللقاء به.” إهـ: أين بر الوالدين؟ أخطأت يا محمد شافاك الله, ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. يقول Samaher:

    مقالة جميلة جداً ..جميلة بحجم الألم الذي تحمله نفس محمد ..بحجم الحياة التي أحبها برغم معاناته بحجم انسياقه لقدره بهذه الطريق الفجة ..محمد معذور ما دامت الأبوة عطاء ومحبة لم يحظى بهما طبيعي جداً أن تكون ردة فعله الرفض ..كاتبنا الرائع تركت لي سؤال خلف مقالتك…(حتى الآن لم أعرفه، ولكنه من البلاد كما أخبروني، وأنا أحب أن أتعرف عليه، عادة يخبرون المريض بعد فترة معيّنة) اثرت فضولي لمعرفته وتركتي خلف متاهة الاسئله في حيرة الجواب ايكون والده ام لا يكون ..تمنيت معرفة هذا الشخص خلف هذا الغموض الذي تركته في فراغ مقالتك …
    لمحمد كل التوفيق في حياته والسلامة لكل نفس ذاقت بمعاناة هذا المرض ..
    بوركت كاتبنا لأنك اتخذت هذا الحييز الانساني وجعلته رسالة نابضة من على منبرك الذي يصبو اليه الجميع ..

  3. يقول ختام قيس:

    صباح يحمل حلما يحمل املا يحمل طموحا.تحيه عميقه لكل محمد فينا الذي ما زال قلبه ينبض حياه الذي ما زالت قدماه تخط الدرب وتنثر العبير ،ما زالت همته عاليه ما زال يغتنم من الحياه نعيمها،،اعتقد ان الموت لمن فقد الامل لمن استسلم لمرحله صعبه لمن رفض ان يحارب من اجل ما يحب،تعلمت منك يا محمد ان على الارض ما يستحق الحياه،انه ما زال الكثير من الضحكات التي تسكن في حناجرنا وانه ما زال الكثير من الحب لننعم به.
    صباحكم حياه
    تحياتي واحترامي للاستاذ سهيل.

  4. يقول رسيله:

    مقاله قصصيه حواريه واقعيه تقطيريه رائعه يسعى من خلالها كاتبنا للنفاذ إلى جوهر الموضوع المطروح مستخدما حركة الحوار في تحقيق فعل فني بنائي مميز مفسرا تصرفات البشر السلوكية وانفعالاتهم الوجدانية ، فمن خلال حوار الكاتب التفاعلي مع محمد تتجلى سمات البشر وطبائعهم وأفكارهم. فالمرض والصحة متضادان لكن كليهما يشكلان دافعا للإنجاز والعطاء والتعاطف والتراحم ولولا وجودهما لما كان لحياة البشر دلالة ومفهوم.مصطفى السباعي يقول: لولا الألم لكان المرض راحة تحبب الكسل ، ولولا المرض لافترست الصحة اجمل نوازع الرحمة في الانسان ، ولولا الصحه لما قام الانسان بواجب ولا بادر إلى مكرمة ، ولولا الواجبات والمكرمات لما كان لوجود الانسان في هذه الحياة معنى . وهذا يعني أن على الانسان ان ينظر الى نصف الكاس الملآن وان يكون دائما على امل بغد مشرق فالحياة تأخذ لتعطي واذا ما أغلق باب امل فسيفتح الله لك بابا اخر فتفائلوا .
    كاتبنا مقالتك ثرية جدا بالمعاني والعبر وقلمك يعكس شخصيتك الرحيمة المتعاطفة المعطاءة بورك بك وبعطاءك الدائم.

  5. يقول نبيل طنوس:

    قصة مثيرة جدا بمضمونها وبالأسئلة وبالسرد. الحمدلله على سلامة محمد والشكر للأستاذ سهيل كيوان على الجهد الذي قام به وعلى إتقان القصة.

  6. يقول S.S.Abdullah:

    تعليقا على ما ورد أعلاه، أقول الإنسان ما بين (امتحان من الله…وبين امتحان من نظرية المؤامرة)، هناك نوعين من الإعجاز، تعليقا على مقالة (السبق القرآني في علم القلب)، إعجاز المؤمن بالله (وهو الذي يستنبط من لغة الإسلام أحدث العلوم التي تخدم الإنسانية)، إعجاز المؤمن بلغة الحداثة (وهو الذي يربط بين ما يصل له الملحد والمشرك والكافر من علوم بلغة الإسلام)، أنا أفضل أن أكون من النوع الأول في مشروع صالح التايواني، نحن (أهل ما بين دجلة والنيل أي تشمل أهل تركيا وأثيوبيا) ليس لدينا مشكلة مع أي مؤمن، بغض النظر كان يهوديا أو مسيحيا أو مسلما بل وحتى هندوسي أو كونفوشيس، الإشكالية كل الإشكالية هي في المستهتر، الذي يرفض أن يؤمن ويثق بأي شيء، تماما مثل دلوعة أمه (دونالد ترامب) الذي ليضحك على كل المؤمنين الذين انتخبوه، كردة فعل على تحطيم (مفهوم الأسرة الأخلاقي) بقانون باراك أوباما عام 2015، عمل أول زيارة له خارج أمريكا عام 2017، لما يمثل الإسلام، والمسيحية، واليهودية. ولذلك يا حبيب الشعب السيد النائب، لنقيب نقابة المهندسين في العراق، حبيبنا أبا عبدالله (محمد فاضل السامرائي)، بدون تعريف أي مشكلة بشكل صحيح، لن يمكن إيجاد حل لأي مشكلة،

  7. يقول S.S.Abdullah:

    فما هي مشكلة النظام البيروقراطي لأداء أي وظيفة في الدولة؟ في البداية هل نحتاج إنسان أم آلة؟ لأداء الوظيفة، سيكون أكثر عائد اقتصادي للدولة بالنتيجة؟! هل الدولة تحتاج ضريبة ورسوم وجمارك، لتغطية احتياجاتها من الميزانية، لتقديم ما مطلوب منها من خدمات أم لا؟! ما هي الخدمات المطلوبة منها؟ وما هي أفضل طريقة لتقديم هذه الخدمات؟ هل بواسطة الإنسان أفضل؟ أم بواسطة الآلة أفضل؟ ما هي أولويات الدولة؟ هل هي المال أولا؟ أم الإنسان والأسرة والإقتصاد أولا؟ وهل الإنسان، في موضوع تأدية الوظيفة، آلة أم حيوان؟ أم يجب أن نتعامل معه كإنسان، من ضمن فريق، له دور في ثقافة النحن كأسرة إنسانية؟! هذه الأسئلة التي نحاول اجابتها في مشروع صالح التايواني، من خلال جهاز الماء، لتكوين عملة وهوية ورأسمال ليعمل على تدوير عجلة اقتصاد إليكتروني، لكي تكون الأولوية في الدولة، الإنسان والأسرة والشركة وبالتالي اقتصاد الدولة أولا. فهل تعيننا لتنفيذ ذلك، بالتعاقد مع شركة الهلال، لتكون هي الواجهة في تنفيذ مشروع صالح التايواني، لأتمتة كل وزارة ومحافظة في جمهورية العراق، من خلال نقابة المهندسين؟!

  8. يقول نبيل طنوس:

    قصة مثيرة جدا بمضمونها وبالأسئلة وبالسرد. الحمدلله على سلامة محمد والشكر للأستاذ سهيل كيوان على الجهد الذي قام به وعلى إتقان القصة.

  9. يقول سوري:

    الصحة تاج على رؤوس الاصحاء لا يراه سوى المرضى
    مقالة انسانية بامتياز
    شكرا استاذنا سهيل

  10. يقول عادل الصاري / ليبيا:

    حدثنا الشاعر بشار بن برد بعدما شُفي من مرض ألمَّ به فقال:
    إني وإن كان جمعُ المالِ يعجبني ….. فليس يعدل عندي صحةَ الجسدِ
    في المالِ زينٌ …وفي الأولاد مكرمةٌ ….. والسقمُ يُنسيك ذكرَ المالِ والولدِ

1 2

اشترك في قائمتنا البريدية