بن سلمان يرسم خريطة نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط

تدرس إسرائيل بعناية فائقة تداعيات «صفقة القرن»، التي حققها الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس الوزراء السعودي في واشنطن الشهر الماضي. الدراسات التي تجري الآن تعكس «حالة صدمة» سياسية تعيشها القيادة الإسرائيلية، التي فوجئت باستقبال بن سلمان في واشنطن بمراسم استقبال رؤساء الدول، والاتفاقيات التي تم التوصل لها من حيث إنها تمس مباشرة الدور الجوهري، الذي تلعبه حاليا على المستوى الإقليمي، بما في ذلك الدفاع والأمن والتفوق العسكري والتكنولوجي والشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. وتعكس دراسة قصيرة تم إعدادها بواسطة اثنين من أهم خبراء معهد جامعة تل أبيب لدراسات الأمن القومي INSS الأول هو العقيد احتياط إلداد شافيت مساعد رئيس قسم الأبحاث للتقييم، ورئيس قسم الأبحاث في مكتب رئيس الوزراء سابقا (2011- 2015). والثاني هو الدكتور يوئيل جوزانسكي رئيس برنامج الخليج في معهد دراسات الأمن القومي، ويعمل أيضا باحثا غير مقيم في معهد الشرق الأوسط بواشنطن العاصمة. تولى جوزانسكي تنسيق شؤون إيران والخليج في مجلس الأمن القومي التابع لمكتب رئيس الوزراء لفترة طويلة.
الدراسة المنشورة في 27 من الشهر الماضي تعرض المخاطر والفرص الناتجة عن صفقة القرن السعودية – الأمريكية على الصعيد الإقليمي، من وجهة النظر الإسرائيلية، وتخلص منها إلى توصيات سياسية تتقدم بها للحكومة من أجل تعظيم الفرص، وتقليل حدة المخاطر وإعادة رسم الدور الإسرائيلي الإقليمي في إطار ما أطلقت عليه دبلوماسية «الشراكة الاستباقية» مع كل من الولايات المتحدة والمملكة السعودية، وهي دبلوماسية تهدف لمساعدة إسرائيل على الاحتفاظ بزمام المبادرة، وعدم خسارة دورها في الشرق الأوسط، بل استخدام الفرص المتاحة، أو خلق فرص جديدة تشجع على تكثيف قدرة إسرائيل على لعب الدور الإقليمي الأساسي، ومنع إقامة نظام إقليمي جديد يتعارض مع مصالحها الأساسية في التفوق العسكري النوعي QME، ومنع إقامة دولة فلسطينية مكتملة الأركان سياسيا، مع العمل على المبادرة بتحويل القضية الفلسطينية إلى قضية إنسانية، وأن تظل الشريك الأول الموثوق به من جانب الولايات المتحدة. كما تتضمن التوصيات استخدام كل القنوات السياسية الرسمية، والقنوات غير الرسمية في جميع المجالات من أجل إقامة حوار مع المملكة السعودية على أرضية المصالح الإسرائيلية وليس ضدها.
وترى الدراسة أن ما يساعد على فعالية التوصيات المطروحة، هو أن الأمير محمد بن سلمان لم يحصل على اثنين من أهم المطالب التي حملها في حقيبته، خلال زيارته الأخيرة لواشنطن. المطلب الأول هو الحصول على اتفاقية دفاعية صريحة مع الولايات المتحدة، حتى إن كانت على نسق الصيغة التي تعهد بها الرئيس الأمريكي لقطر بعد العدوان الإيراني على الدوحة، التي صدرت في شكل قرار رئاسي. المطلب الثاني هو الحصول من الولايات المتحدة على استثناء من قانون التعاون النووي الأمريكي الذي يحظر استخدام تكنولوجيا تخصيب اليورانيوم محليا في الدول الأخرى، ويقصر المساعدات الأمريكية على مجالات التطبيقات المدنية فقط من دون تخصيب اليورانيوم محليا. وهناك اعتقاد لدى تل أبيب بأن عدم حصول بن سلمان على هذين المطلبين يمنحها فرصة عظيمة للتدخل من خلال دبلوماسية «الشراكة الاستباقية» لإفراغ الاتفاقيات الأخرى كافة، التي توصل إليها بن سلمان من مكوناتها التي تتعارض مع المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية، التي تتمثل أساسا في الاحتفاظ بالتفوق النوعي الاستراتيجي وعدم إقامة دولة فلسطينية، إضافة لتجنب الدخول في صدام مع السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. وكانت وجهة النظر الإسرائيلية في الأشهر الأخيرة تعتبر أن إسرائيل هي المفتاح الرئيسي للاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، وان سياستها الإقليمية تقدم للولايات المتحدة الحلول العملية للمشكلات التي تواجهها، وتقدم لها الفرص التي زادت من قدرتها على البقاء في الشرق الأوسط وعدم رحيلها عنه، حسب السياسة التي كان قد تبناها دونالد ترامب خلال فترة رئاسته الأولى.

أثبتت صفقة القرن السعودية ـ الأمريكية، أن الولايات المتحدة تستطيع بناء تحالفات في المنطقة من دون إسرائيل تساعدها على تحقيق أهدافها الاستراتيجية في الشرق الأوسط

الموقف الآن أصبح مختلفا، ويعتبر إريك ماندل رئيس تحرير تقرير جيروساليم الاستراتيجي، وأحد أهم مديري اللوبي الإسرائيلي في الكونغرس الأمريكي أن المحافظة على قوة إسرائيل وتفوقها الاستراتيجي في الشرق الأوسط، يصب في مصلحة الولايات المتحدة «لأن الدولة اليهودية هي الحليف الإقليمي الوحيد الموثوق به للولايات المتحدة، ما يُتيح فرصاً لتعزيز المصالح الأمريكية». لكن الطرف الآخر من المعادلة الذي تجاهله ماندل، هو أن حرب العامين التي استهدفت إسرائيل فيها إبادة غزة والقضية الفلسطينية أثبتت أنها هي نفسها لا تستطيع الدخول في حرب طويلة المدى من دون مساعدة الولايات المتحدة، ثم أثبتت صفقة القرن السعودية – الأمريكية، أن الولايات المتحدة تستطيع بناء تحالفات في المنطقة من دون إسرائيل تساعدها على تحقيق أهدافها الاستراتيجية في الشرق الأوسط. وعلى العكس من ذلك فإن اسرائيل تواجه عزلة إقليمية خانقة، كما أصبحت سياساتها عبئا على الولايات المتحدة. وتعترف دراسة مركز دراسات الأمن القومي، أن إسرائيل أصبحت تعتمد بشكل متزايد على المظلة الأمنية الأمريكية، ومن ثم فإنه يجب عليها تحديد الخطوط الحمر بوضوح، لتجنب الانجراف إلى وضع شبه محمية دون خيار، سوى الموافقة على القرارات المتخذة دونها. كما توصي أيضا بأن تحدد الثمن الذي يمكن أن تتحمله في السياق الفلسطيني، لتقليل الفجوة التي تفصلها عن الموقف السعودي. وتقول إنه من شبه المؤكد أن أي خطة تطبيع مقترحة بين إسرائيل والمملكة السعودية، ستتضمن بعض العناصر الفلسطينية. من حيث المبدأ، يمكن لإسرائيل اختيار المعارضة تلقائيا، مما سيُصوّرها على أنها اللاعب الذي يسعى إلى إفساد الصفقة، وهو ما يمكن أن يسبب أضرارا للعلاقات مع الولايات المتحدة، البديل لذلك كما يقول شافيت وجوزنسكي هو محاولة البدء في صياغة الشروط المحيطة بذلك، بحيث تكون أكثر منطقية من وجهة نظرها، لأن الخيار في حال العجز أو الفشل في تحديد الموقف من القضية الفلسطينية، كما تستنتج الدراسة قد يؤدي إلى «سعر يُملى من الخارج كشرط مسبق للتطبيع». كما جاء في الدراسة أنه من الضروري أن تنظر إسرائيل إلى التقارب الأمريكي – السعودي كجزء من صراع استراتيجي أوسع، يتعين إدارته بطريقة تتجاوز العلاقات الثنائية، إذ أن «زيارة ولي العهد إلى واشنطن ليست مجرد «حدث سعودي»؛ بل هي جزء من جهود إدارة ترامب الأوسع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، في وقت تنشغل فيه الولايات المتحدة أيضا بمجالات أخرى، مثل المنافسة مع الصين، والحرب بين روسيا وأوكرانيا، وتحديات الهجرة، والقضايا المرتبطة بالتقنيات المتقدمة.
التقييم النهائي لصفقة القرن السعودية الامريكية، من وجهة النظر الإسرائيلية، كما جاء في الدراسة «ينبغي أن لا يقتصرعلى نتائج الزيارة، بل على ما إذا كانت إسرائيل قادرة على التكيف مع النمط الجديد للسياسة الإقليمية الأمريكية، لاسيما في ضوء توقع واشنطن أن يتحمل حلفاؤها حصة أكبر من العبء الأمني، لذلك يجب على إسرائيل تبني دبلوماسية «الشراكة الاستباقية»، وهي نوع من الدبلوماسية التي تدرس التفاصيل بدقة، وتتعمد إفساد تلك المكونات التي تتعارض مع مصالحها الاستراتيجية، في بناء هيكل لنظام إقليمي يضمن الهيمنة، والعمل على إبطاء تنفيذ تلك المكونات، على الأقل من خلال الكونغرس وجماعات الضغط، والضغط من داخل الإدارة الأمريكية نفسها، على غرار ما فعلته في الصفقة التي كانت مقترحة لبيع طائرات إف – 35 لدولة الإمارات. إذا لم تلتزم إسرائيل بدبلوماسية «الشراكة الاستباقية»، وهي الدبلوماسية التي تضع إسرائيل في موقع صانع «جدول الأعمال» فإن الدراسة تقول، إنها تُخاطر بالوقوع في بيئة استراتيجية تشكلت من دون مشاركة منها. ومن ثم فإن النصيحة التي تقدمها لصناع القرار السياسي، تتمثل في العمل على تجنب مثل ذلك الوضع. هذه النصيحة تنطوي على تحذير غير مباشر من أن الوضع في الشرق الأوسط قد تغير بالفعل، وأن صفقة القرن السعودية – الأمريكية قد تتحول فعلا إلى طوفان سياسي يقتلع جذور إسرائيل من النظام الإقليمي الجديد في الشرق الأوسط، بعد أن أثبت طوفان الأقصى هشاشة قدرتها على الردع، وأصبحت دولة منبوذة في المنطقة والعالم.

كاتب مصري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول محمد رائد الدوحة:

    العرب يدفعون الجزية عبر الاستثمار في أمريكا ودفع الهدايا إلى رئيسها والتطبيع والتعاون العسكري والاقتصادي مع وكيلها الإسرائيلي مقابل قتل الشعوب العربية واستباحة أراضيهم من قبل الصهاينة هذا هو الشرق الأوسط الجديد الذي نراه حاليا

  2. يقول رضوان:

    ” وأن صفقة القرن السعودية – الأمريكية قد تتحول فعلا إلى طوفان سياسي يقتلع جذور إسرائيل من النظام الإقليمي الجديد في الشرق الأوسط”
    استنتاج لا يستند إلى اي شاهد عملي. هو يستند على افتراض ان أمريكا ترامب هي غير أمريكا من سبقوه الى البيت الأبيض مع انه جاء اليه هو ايضا على مركب صهيون و يراهن عليه لبقاءه فيه.
    اي شأن يعني اسرائيل قراره بالنهاية قرارها. اي ترويج لصفقة او معاهدة توحي بغير ذلك انما هو تلبيس لإستهلاك العامة في الداخل الامريكي الذي كشفت له غزة وجه و حفيقة مَن يتحكّم فيه و يسوسه كيفما شاء.
    لا شك ان منشأ القوة و وقودها مال!

  3. يقول ابو سلامه:

    … إسرائيل تدرس تداعيات «صفقة القرن»، التي حققها الأمير محمد بن سلمان في واشنطن الشهر الماضي. المطلوب أن نعرف ما هي صفقة القرن هذه التي نسمع بها اول مره .
    اِذا كان الأمير محمد بن سلمان لم يحصل على اثنين من المطالب التي حملها في زيارته , الأول الحصول على اتفاقية دفاعية مع الولايات المتحدة و الثاني الحصول على استثناء من قانون التعاون النووي تخصيب اليورانيوم
    ماذا بقي اذاً ليشكل صفقة قرن . ؟؟؟؟

  4. يقول رضا تونس:

    السعودية تدفع الثمن الذي يطالب بها الإمبريالي المتعجرف بكل وقاحة .صفقات الأسلحة و أموال البترول التي ضخت وستضخ تخدم لوبيات السلاح و سماسرة واد السليكون و لن تعود بأية فائدة على السعوديين حتى صفقة الف35 لا تخرج من هذا الإبتزاز فشفرة تشغيلها تبقى بيد الأمريكيين وهي طراز أقل تطورا من مثيلاتها التي سلمت للكيان الصهيوني و لا تمثل أي تهديد له
    لن يتمكن العرب من دخول عصر التصنيع والتطور إلا بقرار سيادي مستقبل أي بعد تحرير كل الأراضي العربية المحتلة و على رأسها فلسطين

اشترك في قائمتنا البريدية