جرت العادة لدى بعض المجتمعات أنه إذا تقاعد أحد المسؤولين أو انتقل إلى ميدان آخر، أُقيمَ له حفل توديع وإشادة من طرف إدارته وزملائه. أما في حالة شخص مثل «أفيخاي أدرعي»، المتحدث باسم جيش الاحتلال، فيصلح أن يُجابَه بالمثل المغربي: «الما والشطابة حتى لقاع البحر!»
وهو لا يحتاج إلى أن نشرح له هذا الكلام، لكونه ـ كما يدّعي ـ يتقن اللهجات العربية. وتيسيرًا للفهم بالنسبة لمن لا يعرف اللهجة المغربية، نشير إلى أن المقصود بذلك المثل: «خُذ الماء والمكنسة واذهب حتى إلى قاع البحر»، بمعنى: ارحلْ بعيدًا ولا تعدْ، كنايةً عن الشخص غير المرغوب فيه.
تلك حالة «أدرعي» الذي اختصّ بالترويج لسردية المحتل الغاشم، وتوجيه كلامه إلى الجمهور العربي، سواء عبر القنوات التلفزيونية أو عبر منصات التواصل الاجتماعي، ناشرًا أكاذيبه ومغالطاته التي أثبتت زيفها مصادر إعلامية غربية قبل العربية.
وبعدما أُعلِن عن تقاعده وانتهاء مهمته الضحلة كـ»بوق» لجيش الاحتلال، أصبحت تروج أحاديث وتكهنات حول مَن يخلفه لمواصلة الأراجيف نفسها. والواقع أن «أدرعي» لا يحتاج لمن يأتي مكانه، فالأرجح أنه اقتدى بقصّة «السامريّ»، صاحب العِجل الذهبي المذكور في القرآن الكريم، و»صنع» أتباعًا له في بعض الدول العربية، لا سيما تلك التي تطبّع أنظمتها مع «إسرائيل»، وبذلك صار أولئك الأتباع يحاولون «تجميل» وجه العدو ذي السجل الأسود الأكثر بشاعة في التاريخ الحديث.
ولكن، هل تراهم يفلحون في مسعاهم الخبيث؟!
خبز من ورق!
رغم أن برنامج المسابقات الكوميدية في التلفزيون المغربي دخل موسمه العاشر، ورغم التغيير الذي حصل في لجنة التحكيم وكذا في التنشيط التلفزيوني، فالظاهر أن هذا البرنامج غدا مفتقدًا للتشويق والجاذبية. ومن ثم، نرى أن الحل السحري يكمن في الاستعانة بـ»نجوم» من نوع خاص، نجوم يُظهِرون «فروسيتهم» الغريبة في البرلمان والفضاءات العامة، حتّى صارت مشاهدهم من أكثر المشاهد تداولاً على منصات التواصل الاجتماعي. يتعلق الأمر بنواب برلمانيين يدلون بتصريحات ومداخلات، تصلح فعلاً للبرامج الكوميدية، أكثر مما تنفع للسياسة وقضايا الوطن والمواطنين. ونكاد نجزم بالقول إنه لو استعان التلفزيون بهؤلاء النواب لتفوّق في إبعاد الملل والرتابة عن نفوس المشاهدين، ولاستطاعَ انتزاع البسمات من وجوههم.
أحدهم ردّد تحت قبّة البرلمان أن شركات للدقيق تقوم بطحن الورق، ما فُهم منه أن المغاربة يأكلون خبزًا أصله ورق وليس عجينًا من قمح. وحين قامت القيامة على النائب البرلماني المنتمي إلى الأغلبية الحكومية، من كل حدب وصوب، ولا سيما من طرف فدرالية المطاحن، حاول تدارك تصريحاته بالقول إنّ كلامه كان مجازيًا وليس حقيقيًا، وإن المقصود بطحن الأوراق تزوير الفواتير والتلاعب فيها من أجل الحصول على الدعم العمومي. و»جا يكحلها عماها»، كما يقول المثل، لقد اتّهم الرجل شركات إنتاج الدقيق بالغش والتزوير في الفواتير؛ ما جعل النيابة العامة تأمر بفتح تحقيق في هذه التصريحات. ولا يعلم أحد ماذا سيكون مصير هذا التحقيق، إذ يخشى المتابعون أن يطويه النسيان مع مرور الأيام، على غرار تحقيقات سابقة أُعلِنَ عن الشروع فيها، دون أن يطّلع الرأي العام على نتائجها أبدًا.
بيد أن «رفاق» النائب البرلماني لم يريدوا أن يتركوه وحيدًا أعزلَ في معركة خاسرة منذ البداية، حيث أخذتهم الحمية، حمية الجاهلية، ورددوا شعار «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا»، مع أن الحديث النبوي الشريف فسّر الجملة بأن معنى انصره ظالمًا، أي امنعه من الظلم. وبالتالي، أصدر حزبه بيانًا تضامنيًا يدعو فيه إلى استبعاد أي انتقاد أو مُساءلة للنائب المومأ إليه، لكونه يتمتع بـ «الحصانة البرلمانية»، معتبرًا أن تصريحاته المثيرة تندرج ضمن حرية الرأي والتعبير المكفولة دستوريا.
وما كادت هذه الصفحة تُطوَى وتخفّ حدّتها التي تحوّلت إلى «فضيحة» سياسية، أمام الأحداث المتعاقبة سريعًا في المغرب، حتى غيّر النائب البرلماني الوجهة من العاصمة الرباط، إلى مدينة أيت أورير (نواحي مراكش) التي يرأس مجلسها البلدي. فحاول الثأر لنفسه من نشطاء حقوقيين، إذ استغلّ انعقاد ندوة فكرية حول محاربة الفساد، فاقتحم مجال النقاش، وأخذ يوجّه عبارات التحقير لمُنظّمي اللقاء، مُستعينًا بـ»زبانيته» الذين تحوّلوا إلى «شبّيحة» بلغة الشاميين أو «بلطجية» كما يسمّيهم المصريون (والحال أن أصل هذه الكلمة يعود إلى الأتراك). وكادت الأمور تنقلب إلى ما لا تحمد عقباه، لولا أن النشطاء الحقوقيين انسحبوا من الندوة التي نسفها «الرئيس»/ البرلماني وصحبه، مقدّمًا نموذجًا رديئًا على سلوك طائفة من السياسيين المغاربة الذين يَحنّون إلى زمن تكميم الأفواه ومصادرة الحق في النقد والاختلاف!
دبلوماسية «البيصارة»!
نموذجٌ ثانٍ للنواب البرلمانيين أصحاب التصريحات المثيرة والبعيدة عن تطور السياق السياسي في المغرب، حيث يتأكد فعلاً أن البلاد تسير بسرعتين، إحداها تجسّد نضجًا سياسيًا وعمقًا في التفكير والتحليل وإبراز المواقف. والثانية، سرعة بطيئة جدًا، تعكسها «الأمّية السياسية» المتفشّية بين طائفة من النواب في المجالس المنتخبة، على الصعيد المحلي أو الوطني.
أحدهم، ينتمي هو الآخر إلى الأغلبية البرلمانية، وتحديدًا إلى حزب رئيس الحكومة. وَفّر للمغاربة مادة للسخرية تُروَى في المجالس، وتُتداول عبر منصات التواصل الاجتماعي. هذا الرجل، أعجوبة زمانه، الذي يُذكّر بـ»خرافة» المعروف في التاريخ العربي، نائب برلماني وفي الوقت نفسه رئيس المجلس البلدي لمدينة القصر الكبير، شمال غرب البلاد. فاجأ الجميع خلال جلسة برلمانية بحكاية قال فيها، إن سفير الباراغواي جاء إلى بيته، وتغذّى عنده، حيث تناول وجبة «البيصارة» (وهو حساء يُحضَّر من الفول المجفف أو البازلاء المجففة)، وحين خرج السفير أمام دار الثقافة صار يردد تلقائيًا: الصحراء مغربية! وأقسم البرلماني المغربي بالله على ذلك، مؤكدًا أن حوالي ثلاثين سفيرا وقنصلا زاروه في بيته. ولم يكمل الجملة، رغم أنه أقسم من جديد. و»الفاهم يفهم» كما يقال، بمعنى أن جميعهم أكلوا «البيصارة» في بيت النائب البرلماني، فاعترفوا مباشرة بمغربية الصحراء من فرط تأثير الوجبة السحرية! وهكذا اهتدى الناس إلى الوصفة العجيبة التي تُغْنِي عن الأسفار والتنقلات بين دول العالم وفي أروقة المنظمات الدولية. كما تُغْني عن أي دورات تدريبية حول الدبلوماسية وطرق التفاوض السياسي. واستخلصوا أيضًا أن ما أنجزه النائب البرلماني ـ حسب ادّعائه ـ عن طريق «البيصارة»، في لمح البصر، يفوق بسنوات ضوئية الجهود المُضنية التي قام بها وزير الخارجية المغربية ناصر بوريطة وكذا الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة عمر هلال! والحقيقة عكس ذلك تمامًا. فدبلوماسية «البيصارة» نكتة سمجة، لن يستسيغها سفير الباراغواي الذي تحدث عنه النائب البرلماني، ولا غيره من السفراء الذين زعم أنه التقاهم وأقنعهم بشرعية انتماء الصحراء إلى المغرب. والحال أن هذا عمل ضخم يتجاوز النائب شخصيًا، ويتجاوز محدودية إدراكه، لأنه موكول إلى مؤسسات السيادة في البلاد.
كاتب من المغرب