حاجة العالم لمرجعيات قيميّة أخلاقية إنسانية

من حق العالم أن يتساءل: هل أن منتدى دافوس العولمي، الذي ينعقد سنوياً في سويسرا ليناقش أوضاع العالم، على الأخص خلال السنة المنصرمة، التي سبقت انعقاده… هل أنه منصّة لخطابات وتصريحات وثرثرات كل من هبّ ودبّ؟ أم أنه بعد الاستماع للتحاليل والشكاوى والتمنيات، يجب أن يصدر بيان موضوعي متوازن عن حالة العالم، يشير إلى مشاكله، ويحاول أن ينتقد توجهاته الخاطئة ليخرج في النهاية بتشخيصات ومواقف المنتدى القيمية والأخلاقية بشأن ما نوقش؟
وهذا البيان ليس فقط من أجل تثقيف الرأي العام في العالم، وإنما أيضاً من أجل تعليم بعض الحضور، خصوصاً أننا جميعاً نعلم أن الكثيرين من هؤلاء الحاضرين يحتاجون إلى أن يتعلموا فكراً جديداً، وسلوكيات مطلوبة، ليعدلوا ويصححوا مسارات حملهم لمسؤوليات الحكم والنشاطات المدنية المجتمعية في بلدانهم، عندما يعودون إليها.
نقول ذلك ونحن ندرك أن المنتدى يدّعي بأنه منتدى للشؤون الاقتصادية في الدرجة الأولى، ولذلك لا يقحم مناقشاته في ساحات الشؤون الأخرى، لكن هل حقاً أن الاقتصاد ليس له تأثيراته العميقة على كل الشؤون الأخرى، مثل السياسية والأمنية والحقوقية والعلاقات العولمية والثقافية؟ هل إن المنتدى يخاف أن تكون له مواقف تقييمية أخلاقية وحقوقية، وأن المنتدى يهمه بالدرجة الأولى عدد الحضور وحضور هذه الشخصية أو تلك، وفي هذه الحالة هل يريد أن ينتهي إلى أن يكون تجمعاً لأناس يثرثرون كل عام، ويتبادلون العلاقات العامة في ما بينهم، ثم ينسون ما قيل؟

يريد الناس معرفة موقف منتدى دافوس تجاه استباحة فنزويلا اللا أخلاقي من قبل أمريكا، وتجاه المذابح التي ارتكبها عتاة مجرمي اليمين الصهيوني المتطرف، بحق أطفال ونساء وشيوخ فلسطين المحتلة

وفي الواقع فإن السؤال، بسبب كل تلك الموجبات، يجب أن لا يوجه إلى المسؤولين عن تنظيم المنتدى فقط، إنما أيضاً يجب أن يوجه إلى الحاضرين أيضاً، خصوصاً من المسؤولين الكبار في بلدانهم. هل هم يريدون مناقشات المنتدى، وسيلة لتحسين الحياة البشرية في العالم كله؟ أم يريدونه مكاناً يجتمعون فيه بأصدقائهم ويواجهون مخالفيهم، ثم يعودون، من دون التزام، ومن دون فائدة تعود لصالح مجتمعاتهم وصالح الآخرين؟
بالطبع فإن الناس سنوياً يريدون أن يعرفوا نتائج مناقشات المنتدى بشأن قضايا، مثل الاستعمال المجنون لرفع الرسوم على بضائع الاستيراد والتصدير، ومدى تأثير ذلك على الأخص على مستوى معيشة الفقراء في هذا العالم، وهم في هذا العام يريدون أن يعرفوا موقف المنتدى تجاه استباحة فنزويلا اللا أخلاقي من قبل أمريكا، وتجاه المذابح التي ارتكبها ويرتكبها عتاة مجرمي اليمين الصهيوني المتطرف، بحق أطفال ونساء وشيوخ فلسطين المحتلة، وعلى الأخص في غزة، وتجاه التعنّت الأمريكي تجاه إيران ولبنان والسودان، وغيرها من الدول، وإمكانية زج العالم في حرب عالمية ثالثة، وتجاه من يريدون أن يجعلوا أجزاء من أوطان الغير، بضائع للبيع والشراء، بل والاستيلاء بالقوة على أرض الغير، وإرجاع العالم إلى عصور الاستعمار الغابرة.
القائمة طويلة والقضايا معقدة، لكن الوقوف الأخلاقي والقيمي والحقوقي من قبل المنتدين والمنتدى يهم العالم أجمع. وإذا كان المنتدى لا يعتقد بقدرة المنتجين على القيام بذلك، فلماذا لا يؤسس المنتدى سنّة جديدة بدعوة نخب من المفكرين لحضور اجتماعات المنتدى السنوية، ليقوموا بمهمة القيام بذلك الواجب كتتمة للنقاشات العامة، وكجمع لنتائج مداولات المؤتمرات السنوية، بين الجوانب التقييمية الفكرية مع الجوانب التقييمية الواقعية، حتى يصبح منتدى دافوس ومناقشاته مرجعية تثقيفية توعوية عالمية سنوية، تفيد كل مؤسسات العالم الرسمية وغير الرسمية، وحتى يصبح أحد ضمائر هذا العالم، يبرر هذه الدعوة جزئياً ما سمعه العالم مؤخراً من تهجمات لاذعة من قبل بعض دول العالم الكبرى، لكل مؤسسات هيئة الأمم المتحدة واستهزاء بمسؤولياتها، بل محاولة قتل تلك المؤسسات. وإنها لكارثة أن يترك العالم بلا ضمائر ومرجعيات قيميّة أخلاقية إنسانية.

كاتب بحريني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الشريف الرضوي أبو تاج الحكمة الأول وارث الخاتم النبوي السماوي الابجدي المقدس:

    بسم الله الرحمن الرحيم
    نعم، هناك حاجة عالمية ماسّة إلى مرجعيات نزيهة، دينية أو حقوقية، لأن الواقع لم يعد يحتمل غياب القيم. على مستوى جامعة الدول العربية، والأزهر الشريف ودوائر الإفتاء في العالم الإسلامي، هذه المرجعيات موجودة شكليًا، لكنها غالبًا تتحرك لكي لا تتحرك أبدًا، وتتكلم لكي تحافظ على نصيبها من الصمت والراحة، فتتوافق مع الأقوى بدل أن تنحاز إلى الحق والعدل.
    كوني مسلمًا لا يعني أنني أؤمن بالخلافة الإسلامية كحل جاهز أو أوحد، بل أنا مع دولة الحق والعدل أينما كانت، سواء كانت مسلمة أو غير مسلمة. أثق بالمتدين الصادق ولو كان على غير ديني، ولا أثق بالمارق ولو كان ينتسب إلى ديني.
    وفي قلبي تحية ومحبة لكل من يرفع راية السلام والعدل، ويناصر المستضعفين، لأن العالم اليوم بحاجة إلى ضمير حي ومرجعيات شجاعة، لا إلى مؤسسات تبرر صمتها وتؤجل مسؤوليتها.

اشترك في قائمتنا البريدية