حبر إيراني على ورق عربي

حجم الخط
20

عملت إيران خلال سنوات طويلة على مخاطبة الجمهور العربي بلغته، ووظفت إمكانات هائلة لذلك الغرض، وقد حرص صانع السياسة الإعلامية في طهران على مخاطبة هذا الجمهور بالصوت والصورة والحرف. وقد نجحت هذه السياسة ـ نسبياً – في العديد من المحاور. ومن ذلك أن كتبة إيران المخلصين من العرب أو لنقل ‘عرب إيران’ في كل من بيروت وبغداد ودمشق وصنعاء وبعض العواصم الخليجية، هؤلاء نجحوا في تقديم إيران على أنها أولاً: النموذج الإسلامي الذي يحتذى، وثانياً أنها مركز جبهة المقاومة، وأن جيوشها هي الجيوش التي ستحرر القدس بعد أن وصلت إلى بغداد. بالطبع كان ذلك كله قبل أن تنهار أكذوبة المقاومين الجدد، الذين جعلوا المقاومة طائفية خاصة بهم، وجردوا الآخر من شرفها، ليتسنى لهم في ما بعد تخوينه وشيطنته، وجعله في صف إسرائيل تمهيداً لاغتياله مادياً، بعد أن تم اغتياله معنوياً وهذا هو البرنامج الذي يجري اليوم تنفيذه على أرض العراق وسوريا، وفي جبال اليمن الشمالية.
فحين تعلن إيران عن استعدادها لدعم حكومة نوري المالكي في حربه ضد محور المقاومة الحقيقي للوجود الأمريكي في غرب العراق، تحت مسمى محاربة ‘داعش’، التي شاركت المخابرات الإيرانية والسورية في صناعتها، فإن المقاومة التي تعنيها، ويروج لها كتبتها في الصحف العربية، لا تعني أكثر من ضرب مقاومي النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد انفضاح المقاومة الإيرانية في لبنان بعد أن ولت إسرائيل ظهرها ويممت شطر السوريين تعمل فيهم آلتها قتلاً وتشريداً. والغريب أن خبر استعداد إيران لدعم المالكي عسكرياً قبل يومين تزامن مع تصريحات وزير الخارجية الأمريكي جون كيري حول دعم أمريكا للمالكي في حربه على الإرهاب، وتسليم العراق صواريخ متطورة لهذا الغرض.
كتب أحد ‘عرب إيران’ ذات مرة إن العرب مخيرون بين جمال نجاد أو خنازير بوش، وأن رعي جمال نجاد أنبل للعرب من تتبع خنازير بوش في تكساس. لا يخفى بالطبع خطل هذا المنطق الذي ينصرف إلى تقرير أن العرب مجرد مجموعة من الرعاة، ليس لهم إلا أن يختاروا بين رعي ‘الجمل الإيراني أو الخنزير الأمريكي’، في حمأة الصراع بين ‘فارس والروم’.
نعم المشروع العربي غائب منذ فترة ليست بالوجيزة، وإخفاقات النظام الرسمي العربي، جمَّلت نظام الملالي في عيون بعض الذين لا يدركون حقيقة الأطماع الإيرانية في المنطقة، لكن العرب لا يمكنهم على أية حال أن يحصروا بين خيارين يخرجان من مرعى واحد، وإن ترآى لنا أنهما مرعيان.
ومن أهم المنافذ التي نفذت من خلالها إيران إلى قلب النسيج الاجتماعي والديني العربي، منفذ ‘القضية الفلسطينية’، التي ركبتها إيران مستفيدة من خبرات الأنظمة الرسمية العربية في تزويق الشعارات، ولبس الشال الفلسطيني الشهير، ومنذ أن ركب المعممون في إيران ‘حصان القدس’، استطاعوا دخول أسوار المدن العربية باسم فلسطين، في حين أن جندياً إيرانياً واحداً لم يقتل في سبيلها، وأن حروب إيران منذ أن دخلها الإسلام، وإلى اليوم، كانت كلها، وبلا استثناء ضد المسلمين، وهذه حقائق تاريخية على من يريد دحضها أن يغيب عقله ويستمع للجوقة الإعلامية الإيرانية المتمثلة في أكثر من ثلاثين محطة تلفزيون إيرانية المحتوى عربية اللسان، ناهيك عن عدد ضخم من كتبة إيران في صحافتنا العربية. لقد كسبت إيران من رفعها الشعار الكاذب عن تحرير فلسطين وموت أمريكا وإسرائيل أضعاف ما خسرته، وهي حقيقة لم تخسر شيئاً في سبيل فلسطين اللهم إلا المخصصات المالية التي تصرف بسخاء على عربها، وألسنتهم وأقلامهم في الإعلام العربي، وغيرهم من مليشياتها التي تدين لها بالولاء في لبنان والعراق واليمن وسوريا. لا يحدثني أحد عن القصة الممجوجة عن حزب الله الذي حارب إسرائيل، وانتصر عليها، لسبب بسيط وهو أنه لم ينتصر عليها، بل انتصر على لبنان، ثم إنه حين حارب إسرائيل وحين هادنها، فإنه إنما كان في كل مرة يخوض معارك طهران، لا معارك القدس، وعندما حولت طهران موجتها، توجهت جحافل ‘السيد المقاوم’ شمالاً باتجاه الثورة السورية التي ينظر معممو طهران إلى أن القتال فيها مقدم على القتال ضد إسرائيل، لأن ‘التكفيريين والإرهابيين’ أشد خطراً من ‘أمريكا وإسرائيل’ حسب تعبيرات بعض هؤلاء المتخمين طائفية سياسية في ثوب ديني.
الحقيقة أن طهران وجوقتها الإعلامية الناطقة والكاتبة بالعربية، قد أحست بتغير المزاج العربي العام تجاهها، بعد أن كشفت حقيقتها ثورة السوريين التي يحاولون اليوم إظهارها على أنها مجموعة من الأفعال الطائشة تقوم بها عناصر ‘تكفيرية وهابية’ تمثلهم ‘داعش’ التي يعرف القاصي والداني، أن قياداتها عاشت وتدربت في طهران، وعلى يد النظام السوري في سوريا ولبنان، وأنهم هم من يمول هذه المجموعة المريبة التي قدمت للنظام السوري طوق النجاة الذي كان يحلم به، بعد أن كانت جحافل الثوار تقترب من القصر الجمهوري في دمشق، إلى أن جاءت ‘داعش’ لتجعل الغرب وبعض العرب يحجمون عن دعم ثورة الشعب السوري بحجة وجود القاعدة في صف الثوار، قبل أن تنكشف ‘داعش’ بدورها بعد أن توقفت عن قتال النظام السوري وانسحبت من مناطق واسعة في الشمال، ليتمكن نظام الأسد من تسلمها، وتتفرغ هي لمحاربة الجيش السوري الحر.
واليوم يقوم عرب إيران بإيعاز منها بمحاولة شيطنة محور المقاومة الحقيقي وتخويف العالم منه، في كل من العراق وسوريا، وذلك باستهداف المناطق التي كانت حاضنة للمقاومة العراقية التي أجبرت أمريكا على الرحيل من العراق، وكذا باستهداف المحاضن الشعبية للثورة السورية الكبرى في سوريا، واستهداف القبائل اليمنية في شمال البلاد عن طريق المخلب الإيراني في اليمن في ثوبه الحوثي. ومن طرائف الأمر أن الحوثيين الذين ألحقوا أنفسهم مؤخراً بمحور الممانعة، والذين يهتفون كل يوم بالشعار الإيراني ‘الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل’ يشبهون كذلك مراجعهم في طهران، في أنهم لم يستهدفوا الوجود الأمريكي في البلاد برصاصة واحدة، وحين تحلق ‘الدرون’ الأمريكية، فإنها تمر على مناطقهم بسلام، قبل أن تمطر صواريخها على قيادات القاعدة، التي تعرف امريكا أنهم الأعداء الحقيقيون، حتى وهم لا يهتفون ‘الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل’.
لا أحد ينفي بالطبع- وجود القاعدة في سوريا والعراق واليمن، لكن الشيء الذي يجهد ‘عرب إيران’ نفوسهم في سبيل طمسه تتمثل في أن القاعدة ـ المعاصرة على الأقل – منتج سوري إيراني، لأن النظامين في دمشق وطهران هما المستفيدان من أفعال القاعدة في العراق وسوريا وغيرهما من البلدان العربية التي تضع إيران، أو تحاول أن تضع يدها عليها.
إيران تسكب المزيد من حبرها على الورق العربي، لكي تغطي على المزيد من الدم العربي الذي تسفكه كل يوم في البلاد العربية التي ابتليت بمليشياتها، موظفة جهازاً إعلامياً ضخماً لهذا الغرض، وقد كذب هذا الجهاز كثيراً غير مدرك أن أحداً ‘لا يستطيع خداع كل الناس كل الوقت’.
أذكر أنني كنت مرة ضيفاً على إحدى الفضائيات، في برنامج عن التدخل الإيراني في اليمن، وكان معي من الجهة الأخرى أحد ‘عرب إيران’ في بيروت، وأذكر أنه استشاط غضباً، وراح يكيل التهم والسب للعرب بشكل عنصري مقيت، (مع افتراض كونه عربياً)، وذلك لأنني قلت تعليقاً على سيل من الأكاذيب الإيرانية التي روج لها إن ‘الإيرانيين يكذبون كما يتنفسون’، وإنهم ‘يكذبون بلسان عربي مبين’.

‘ كاتب يمني من أسرة ‘القدس العربي’

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول كريم الجزائر:

    تحليل لا علاقة له بالواقع. إذا لم تكن داعش والنصرة والتكفيريين شياطين فماذا يكونون؟؟؟ من يدافع عن أولئك الوحوش لا علاقة له بالاسلام ولا الوطنية ولا حقوق الانسان
    منذ 59 دقائق · أعجبني
    بهاء رائد كل ما وقع في العراق وسوريا واليمن كان بتواطؤ الدول الخليجية فهي التي دعمت بالمال والأساطيل الأمريكية والطائرات. وكانت إيران ساكتة سلبية رغم خلافاتها مع صدام لم تساعد في غزوه. العرب تآمروا على العراق وعلى سوريا وفشلوا في الاستفادة من مؤامرتهم وحتى فشلهم نسبوه لإيران.ه.
    بهاء رائد نعم التكفيرريون السلفيون الإرهابيون أخطر من أمريكا لأنني يمكنني أن أتحاور مع أمريكا على أساس العقل أما الآخرون فلا يعرفون إلا الذبح والقتل وقطع الرؤوس واحتكار الحق واستئصال كل من يخالفهم الرأي والمذهب والطائفة.
    أما الكذبة الكبرى التي تقول إن داعش كونتها إيران أو سوريا فلا تحتاج لرد
    هم يكذبون القرآن ولا يؤمنون إلا ببعضه فالقرآن يؤكد أن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود وهم يقولون لا الشيعة أشد خطورة؟؟؟ من ألغى عقله لن تستطيع التفاهم معه

  2. يقول علي الناصر:

    النظام الرمي العربي هو الذي مكن لإيران التغلغل داخل نسيج مجتمعاتنا العربية، وهو نظام في غاية السوء. لكن سوء هذا النظام لا يعني أن إيران هي البديل كما يحاول عرب إيران كما سماهم الكاتب الترويج له.

  3. يقول صلاح الدين:

    كم قتلت إيران من العراقيين والسوريين واليمنيين واللبنانيين بشكل مباشر أو عن طريق مليشياتها؟ الجواب الملايين.
    ما قتلته إيران من العرب قرابة مليون عراقي أيام حرب الخليج الأولى، ةمثلها على إيدي جماعات جيش المهدي وفرق الموت بعد اجتياح بغداد في 2003
    كفى ضحكاً على الدقون، إيران عدو في ثياب صديق وإسرائيل عدو في ثياب عدو وهذا هو الفرق.

  4. يقول مواطن عربي:

    الأخ الكاتب تحدث بصورة واقعية كبيرة عن الدور الايراني في المنطقة .
    نحن يجب أن لا نلوم ايران لانها دولة تطمح لان تكون القوة الإقليمية الاولى في المنطقة ، بل يجب أن نعترف ان غياب المشروع العربي الجامع في ظل وجود هذه الديكتاتوريات العربية وفي مقدمتهم أسرة آل سعود هو السبب الرئيس لما نعانيه .
    أما بالنسبة للأخ الذي قال انه إيراني وردا على سؤاله لماذا لا تتقوون ؟
    الفرقة والضعف الذي نحن فيه هو نتاج أعوام طويلة من الاستبداد والقمع ولان الداء في مجتمعاتنا العربية اولا وجد الربيع العربي .
    قد تحاول ايران والسعودية وإسرائيل وأمريكا وروسيا أن تئد هذا الطوفان وان تحرف مسار الثورات ولكني أؤكد لك ان القادم سيكون للشعب وان إرادة الشعوب العربية ستقهر كل مشاريع أعداء الأمة ولا ادل على ذلك من ثورة الشعب السوري وانتفاضة الشعب العراقي وصمود الشعب المصري وغيرهم من شعوبنا العظيمة .
    صمود الشعب في سوريا حطم محور ايران وانتفاضة شعب العراق زادته بله.
    وصمود شعب مصر ضد الانقلاب أربك الثورة المضادة بقيادة السعودية وقريبا بإذن الله ستنتصر إرادة الشعب المصري .
    لا تستعجل الأمور …. كلٌ مسيرٌ لما كُتب له .

  5. يقول سيف الدين:

    مقال رائع مع جزيل الشكر لكاتب المقال ..

    للاسف تقوم سياسة إيران على إستخدام الدين كوسيله للوصول وتحقيق اجندتها السياسيه ..

  6. يقول علي:

    اشكرك دكتور جميح انت اصبت كبد الحقيقة لان ايران واذنابها في المنطقة يقومون الان بدور قديم جديد هو الدور الذي يتضح من الاتي
    1- ايران هي التي ادخلت امريكا الى افغانستان باعتراف سياسيوها
    2- ايران هي التي ادخلت امريكا الى افغانستان باعتراف سياسيوها
    3- ايران هي التي تسعى الى ضرب العرب ونشر الانقسامات في العالم العربي من خلال تحريك قضايا انتهت من مئات السينين
    4- ايران تقول الموت لامريكا وتقتل السوريين واليمنيين و السعودييين
    5- ايران تنشر التشيع في المناطق السنية في اطارسعيها الدئوب لاضعاف السنة ونشر الانقسامات بينهم في اسيا وافريقيا والشواهد والامثلة كثيرة
    6- ايران لم تقتل امريكيا واحدا وانا لست مع قتل اي انسان مسالم غيرمعتدي
    7- ايران تلعب بالورقة الطائفية وهي تعرف انها ورقة خطيرة يمكن ان تقسم الامة الى اشظاء
    وللغبي المعلق رقم (1) اقول له الدول العربية وتركيا وماليزيا واندنوسيا جميعها تصنع الاسلحة بمختلف انواعها و هي قادرة على سحق ايران في دقائق ولكنها جميعها دول مسالمة و ليس لديها مشاريع توسعية

  7. يقول احسان:

    اَحسنتَ اُستاذ جميح … والله قلتَ الحقيقة….فالفرس يكرهوننا كرهاً ازلياً ابدياً…ولقد ركبوا حصان طراودة فلسطين للنفوذ في الوطن العربي ونجحوا وما ساعدهم في هذا اِلا اخوتنا الشيعة مع كل الاسف….ايران استغلت غلاة العربِ من الشيعة والسنة لضرب العرب وانتصرت الى الآن…وشكراً

  8. يقول محمد علي الايراني:

    الى الاخ العزيز الذي وصفني بالغبي ، شكرا على الوصف واتقبله منك بصدر رحب ، تقول ان دول عربية واسلامية كثيرة تصنع الاسلحة ولكنها دول مسالمة ولا تدخل الحروب لانها ليست دول توسعية ؟؟ طيب فهمني لو سمحت كيف تريد أن تتوسع الدول وهي لا تستطيع الدفاع عن نفسها ؟ اليس الواجب أن ندافع أولا عن أنفسنا ؟ ثم نتجه للتوسع ؟ انظر لخريطة الدول العربية ؟ انظر من في خاصرتها ؟ هل تشاهد فلسطين ؟ هل شاهدت خريطة فلسطين في دورة الألعاب العربية في الدوحة عاصمة قطر ؟ دول عربية لا تجرأ على رسم خريطة فلسطين ؟؟ وتنتقدون ايران ؟ حسنا اذا لا ترسموا خريطة فلسطين وانتقدوا ايران ، لا مشكلة حبيبي ، تحياتي لغبائي

  9. يقول أ.د. خالد فهمي - تورونتو - كندا:

    شكراً لكم على هذا المقال الرائع…الحمد لله أنا من الاكثرية العرب (من العراق) الذين يرون أيران دولة فارسية صفوية خمينية في أوج عظمتها لاسيما بعد ركوبها قاطرة النادي النووي الدولي…ولا حول ولا قوة ألا بالله العلي العظيم.

1 2

اشترك في قائمتنا البريدية