حقيقة الغرب 

حجم الخط
5

الغرب يحاول النظر إلى الآخر بمنظاره الخاص، الذي يرى به نفسه، ولأنه صانع الإرهاب، أسقط هذا الوصف على العالم الإسلامي، جاعلا منه رأس الإرهاب في العالم؛ ولأنه مجرم ينتج الموت والخراب والدمار، أينما حل أو وصل، وصف المسلمين به؛ ولأنه سيئ، فهو يسعى إلى تعميم مساوئه لتنطبق على الآخرين. ومن ثم، فإن الغرب، وفقاً لهذه الرؤية، هو المرآة التي بها يرى الآخر.
وبما أن الغرب هو مقياس كل شيء، فإن حكمه على الآخر هو الحكم الصحيح، حتى لو عارضه العقل السليم، ولم يتقبله المنطق الصحيح، وكذبه الواقع، لأن الحقائق في عالمنا المعاصر يصنعها القوي، ويتلاعب بها كيفما شاء، ويريد، وعلى الضعيف أن يساير السياق الذي صنعه الأقوياء. لقد قدم الغرب نفسه للعالم في البداية بأنه ناقل للحضارة، وفي المرحلة التي تلت ذلك بأنه ناقل للحرية والديمقراطية، واليوم يقدم نفسه بوصفه محارباً للإرهاب.
في بدايات تاريخه، لما ضاقت بالغربي جغرافيته المحدودة، انتقل إلى جغرافية الآخر البعيدة والواسعة، غازياً ومستكشفاً، واضعاً السيطرة عليه، ونهب ثرواته وخيراته، كهدف أساسي، مبرراً ذلك بكونه هو المتفوق الوحيد، وتحت شعار «عبء الرجل الأبيض»، صاغ خططه المبنية على فكره العنصري، الأنا الغربية، مقابل الآخر؛ ومن خلال الثنائيات المؤسسة لسردياته، المتحضر والهمجي، القوي والضعيف، والمتمدن والبربري، جعل من المتحضر والقوي والمتمدن، أوصافاً تليق به، أما الآخر، بالنسبة له، فهو الهمجي والضعيف والبربري، ولأن هذا الأخير هكذا، فإن العبء الملقى على الرجل الأبيض، مهمة نبيلة، تقتضي منه أن ينشر الحضارة والتمدن في بقية العالم.

الغرب يحاول النظر إلى الآخر بمنظاره الخاص، الذي يرى به نفسه، ولأنه صانع الإرهاب، أسقط هذا الوصف على العالم الإسلامي، جاعلا منه رأس الإرهاب في العالم

على هذا الأساس، انطلق في تحقيق حلمه (السيطرة)، وفي إشباع شرهه، متخذاً من حب الاستطلاع والاستكشاف للعالم الجديد ذريعة لذلك. وصل إلى هذا العالم، وعرف أجناساً جديدة ذات أعراق متنوعة وألواناً مختلفة، ووجد أشياء ثمينة فتحت شهيته أكثر في التملك، أراضي بكرا وثروات غير مستغلة، غير أنه، لسوء حظه، لا يستطيع السيطرة عليها إلا بعد أن يتخلص من ملاكها الأصليين، سواء بقتلهم أو بنقلهم إلى مناطق أخرى، واستعمل كل الوسائل، سواء منها المشروعة أو غير المشروعة لإنجاح مشروعه في السيطرة، لم يكتف بنقل السكان الأصليين، كالسود في افريقيا، بطرق غير إنسانية، إلى أوروبا وأمريكا، مستغلا إياهم في أعمال السخرة فحسب، وإنما عمل على إبادتهم، كما فعل بالهنود الحمر في أمريكا، وقام بنهب ثروات الشعوب وخيراتها في كل المناطق التي سيطر عليها، وما كان له أن يصنع تلك الطفرة الصناعية في أوروبا، لولا مستعمراته التي استغلها استغلالا كبيراً. كانت فاتورة الاستعمار الغربي لبقية العالم عالية جداً، فمن الناحية الإنسانية، قام باستئصال الشعوب وإنهاء وجودها، ومن الناحية المادية عمل على نهب ثرواتهم وخيراتهم، حيث «سُرقت أطنان من الذهب والفضة من أمريكا اللاتينية، وملايين الهكتارات من الغابات تم الاعتداء عليها من جانب الولايات المتحدة، وسلب القطن، وتم نهبه من الهند ومصر بواسطة انكلترا لمصلحة مصانع النسيج في مانشستر». واستناداً إلى هذا الوضع المأساوي، يطرح المفكر روجيه غارودي العديد من الأسئلة مفادها: «كيف لكل من فرنسا وانكلترا وإسبانيا أن تقوم بإصلاح العار الاستعماري الذي سببته في المستعمرات السابقة، خاصة أنه أصبح في وضع ميؤوسٍ منه، بعد أن أصبحت افريقيا على سبيل المثال، قارة غارقة في الصراعات والنزاعات الدموية؟ ومتى سيوضع حد للمبادلات التجارية غير المتكافئة التي تؤدي إلى ظهور حالات الابتزاز المالي والإكراه في تبادل المواد الخام والأولية بين القارات الثلاث، وتحديداً بواسطة حفنة النهابين والسلابين في الغرب، المتوطنين في شبه الجزيرة الأوروبية وأمريكا الشمالية؟ متى ستدفع قيمة براءات الاختراع لمسحوق البارود والبوصلة والورق.. وغير ذلك كثير، ما سمح ووفر الظروف لـ (نهضة أوروبا)».
الغرب في هذه المرحلة اتخذ من تحضير الشعوب الأخرى وتمدينها، ذريعة لتبرير استعماره للأوطان، واستغلاله لخيرات الشعوب، ونهبها، وكان من نتيجة ذلك النهضة، التي عاشتها أوروبا في القرن الثامن عشر، وكان من مظاهر هذه المرحلة تطور أوروبا ورفاهية شعوبها، مقابل، فقر وتخلف في بقية العالم.
بعد نهاية الحرب الباردة وانتصار النموذج الغربي المتمحور حول القوة الأمريكية، احتفل الغرب بوصول التاريخ إلى نهايته، وولادة الإنسان الأخير من رحمه، شعر الغرب، ممثلا بالولايات المتحدة الأمريكية بنشوة انتصارٍ لا مثيل لها، فأراد فرض رؤيته على كل العالم، مبرراً ذلك بعبء الرسالة الملقاة عليه، وشعوره بالمسؤولية تجاه المقهورين، الفارضة عليه واجب إدخالهم إلى التاريخ، حيث الحرية والديمقراطية والعيش السعيد. كتب فرانسيس فوكوياما معالم هذا العالم في مقالة سنة 1989، ثم طورها بعد ذلك على شكل كتاب بعنوان «نهاية التاريخ والإنسان الأخير»، إذ رأى أن انتصار النموذج الأمريكي يضع البشرية أمام خيار واحد، وهو القبول بالانضمام إلى اليوتوبيا الأمريكية، أي الغربية، بسرعة، ومن يقاوم أو يتحدى، فلأمريكا وسائلها الخاصة لتحقيق ذلك، فانطلقت جيوش الغرب، وعلى رأسها الأمريكي بالطبع، غازية، للتبشير بالحرية والديمقراطية والتخلص من الديكتاتورية، وكانت البداية من العراق.
تدخلت الجيوش الغربية في العراق عام 1991، بحجة تحرير الكويت من الغزو العراقي، وإسقاط نظام صدام حسين الوحشي، وإنقاذ الشعب العراقي من ديكتاتورية البعث، فحررت الكويت، ولم يسقط نظام صدام، ولم يتحرر الشعب العراقي، وكانت النتيجة، في الأخير، تدمير البلد، وإقامة حصار خانق على شعبه استمر لعدة سنوات. وككل حروب الغرب، كانت فاتورة هذه الحرب باهظة جداً، حيث ارتكب الغرب أبشع جريمة في حق الانسانية، من خلال آلة تدميره المتطورة، ومن خلال إقامة حصار خانق، فخسر العراق وحدته وأمنه وجيشه، وصار بلداً متخلفاً في مختلف النواحي والأصعدة، بعدما كان سائراً في طريق النمو والرقي. في هذه المرحلة، تحمل الغرب عبء نشر الحرية والديمقراطية في البلدان التي تعيش القمع والديكتاتورية، ولكنه، في واقع الأمر، أراد إحكام السيطرة والهيمنة على المنطقة العربية بناء على هذه الاستراتيجية.
بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، التي استهدفت برجي القوة والمال في الولايات المتحدة الامريكية، واتهم بها تنظيم «القاعدة» وزعيمها أسامة بن لادن، كانت هذه الهجمات بمثابة العودة إلى التاريخ، الذي زعم فوكوياما نهايته، مؤذنةً بذلك عودة العالم إلى أجواء الصراع، الذي بشر به صموئيل هنتنغتون بعد نهاية الحرب الباردة مباشرة، معلناً أن الصراع، وإن انتهي أيديولوجياً، سينشب مجدداً بسب الاختلاف الحضاري والثقافي، ورشح في هذا الصدام، الإسلام المنافس القوي للغرب، بالنظر إلى اختلاف القيم بينهما. بناء على هذا، قاد الغرب تحالفاً عالمياً للحرب على الإرهاب (الإسلامي)، ممثلا في أسامة بن لادن وتنظيمه، الذي اتخذ من أفغانستان مقراً له، غزا الغرب، في البداية، أفغانستان من أجل ملاحقة زعيم «القاعدة»، وتمت الإطاحة، في الوقت نفسه، بنظام حركة طالبان. بعدها مباشرة، وبالضبط في مارس 2003، أعلنت أمريكا وحلفاؤها الحرب على العراق، بحجة امتلاكه للسلاح النووي، وصلة نظامه بتنظيم «القاعدة»، وإنقاذ الشعب العراقي من الديكتاتور صدام حسين، سقطت بغداد في أبريل 2003، ومن ثم، انهار النظام، واحتل العراق، ليدخل بعدها في حالة من الفوضى واللااستقرار، ما زال إلى حدّ الآن لم يشف من جروحهما بعد.
لم تكن الحرب على العراق، للأسباب السابقة، بل كانت مجرد مبررات واهية من أجل إخفاء الهدف الحقيقي، ذلك أن «لأمريكا هدفاً واحداً هو أن تصبح القوة الوحيدة في العالم، والسلاح الأساسي هو سلاح القيم». ولن تنجح استراتيجيتها في السيطرة إلا بتشويه الإسلام، باعتباره القوة الأولى القادرة على كبح جماح أمريكا، وإفشال مشروعها. ولهذا قامت بإشاعة الفوضى المدمرة في المنطقة كلها انطلاقاً من العراق، فأدى ذلك إلى تكاثر الجماعات والتنظيمات الإرهابية بصورة مرعبة، وصار لكل جهة تنظيمها الخاص بها، فبعدما ظهر في أفغانستان التنظيم العالمي لـ»القاعدة»، انبثقت عنه العديد من التنظيمات، منها تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب، وتنظيم الدولة الإسلامية في بلاد الشام.
كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول ربيع:

    قد يتساءل المرء، لماذا قد يتظاهر مئة ألف في شوارع بلد كبريطانيا ضد الهجرة ، مع انه يمكن النظر إلى الهجرة إلى بريطانيا مثلا على أنها فرصة استراتيجية متعددة الأبعاد اكثر من كونها تهديدا، حيث تتجاوز مجرد التعويض الديموغرافي أو دعم الاقتصاد المحلي. فالهجرة من المستعمرات البريطانية السابقة خصوصا في آسيا، هي استثمار في التاريخ الإمبراطوري وتذكير به، يعيد ربط بريطانيا بماضيها ويتيح استغلال العلاقات الثقافية والاقتصادية القديمة لبناء نفوذ حديث. أما المهاجرون الصينيون فيمثلون جسرًا اقتصاديًا وسياسيًا وثقافيا مع قوة صاعدة كالصين. بالنسبة للمهاجرين المغاربيين ، فيمكن القول انهم قد يمثلون صلة وصل لفهم التحولات في شمال أفريقيا، إذ ان هجرتهم تسمح بجس نبض هاته الشعوب ومراقبة استعدادها للانحياز بعيدًا عن النفوذ الفرنسي. واخيرا، لا يبدو ان هناك سببا للاعتراض على الهجرة من أوروبا الشرقية، خصوصًا و ان النساء هناك يتميزن بجمالهن اللافت و بملامحهن المميزة…

  2. يقول ربيع:

    …صحيح ان هذه الفرص التي تجلبها الهجرة يرافقها قلق مجتمعي واضح، خاصة مع إشارة بعض السياسيين إلى أن بريطانيا قد تتحول إلى “جزيرة غرباء” إذا لم تتحكم في تدفق المهاجرين، و هذا القلق ينبع جزئيًا من بروز العادات والتقاليد الجديدة للمهاجرين في الفضاء العام، مثل الملبس، الطعام، اللغة، وأسلوب الحياة، الذي يُرى أحيانًا على أنه تغيّر سريع في هوية المجتمع المحلي، إلا أن هذا ايضا يظهر قدرة البلد على احتضان التنوع الثقافي والاندماج الاجتماعي، ويعكس مجتمعًا مرنًا ومنفتحًا قادرًا على الاستفادة من المهارات والثقافات المختلفة، الشيء الذي ينعكس بالتالي ايجابا على صورة البلد…

  3. يقول ربيع:

    …أخيرا، البروز المكثف للمهاجرين في الفضاء العام ليس مشكلة في حد ذاته، إذا التزم الجميع بقواعد المواطنة والتحضر، على سبيل المثال لا الحصر، رمي الأزبال في أماكنها المخصصة (وهي متوفرة بكثرة في المدن البريطانية). او بعض المظاهر الأخرى التي تخص بعض شركات توصيل الطعام التي يجب عليها الاهتمام بمظهر عمالها (خصوصًا الحقيبة التي تحمل شعار الشركة، لأنها ليست مجرد أداة عملية بل واجهة بصرية للعلامة التجارية) فصحيح أن هؤلاء العمال غالبًا ما يكونون مكدّين تحت ضغوط وظروف صعبة، لكن من الضروري إدراك أن المظهر الحضاري للفضاء العام لا يقل أهمية عن الفعالية العملية (خصوصا وأن هذه الشركات تستفيد من ممرات الدراجات التي تخلق رؤية واضحة للعلامة التجارية، وتعزز التسويق المباشر بشكل يومي، بالإضافة إلى دورها الحاسم في معالجة تحديات “التوصيل في الميل الأخير”). كل هذه الخطوات ربما قد تساهم في الحد من استثارة حركات ذات مواقف متشددة ك “Pink Ladies” ( لا أدري إن كانت التسمية استلهاما رمزيا من فيلم Grease) التي تشكو الاغتراب والقلق الثقافي و فقدان السيطرة على الهوية الجماعية.

  4. يقول راجي:

    هناك امورا صحيحة فيما كتب واكن كيف نسمي الانسان الاسود في بلادنا العربية والاسلامية ومن يقتل الاخر ويكفره بالشيعي والسني والعلوي وغيرها هل هو الغرب, الوسخ مننا وفينا وكفانا رمي كل تأخرنا على الاخر,

  5. يقول سلام عادل _المانيا:

    الامر لا يتعلق بالغرب او الشرق فالمباديء والقيم والدين كانت ولا زالت وسيلة للسيطرة على الآخرين واحتلالهم ونهب ثرواتهم وهذا ما فعله الرومان والفرس والعرب والغرب والشرق

اشترك في قائمتنا البريدية