ثلاثة هم الذين قدموا إلى مقاطعة «مايوت» الفرنسية، بعد أن ضربها إعصار «شيدو» وخلّف خسائر جسيمة. ثلاثة مسؤولين سياسيين فرنسيين قدموا بأهداف مختلفة، يمكننا أن نسند إليها ثلاث مراحل، مرحلة زيارة رئيس الجمهورية «السيادية»، مرحلة زيارة رئيس الوزراء «التقنية»، وأخيرا، مرحلة زيارة مارين لوبين، وهي مسؤولة سياسية أعطاها أحد عشر مليون ناخب زخما أحدث تحولا غير مسبوق داخل الحياة السياسية الفرنسية.
لكن، هل الأمر متوقف على الواقع الفرنسي وحسب؟ لا.. إذا نظرنا إلى واقع انتخاب دونالد ترامب للمرة الثانية، في لحظة سياسية غير مسبوقة، لا تكرس فقط واقعا أيضا غير محسوب له، لكن (لا) أيضا إذا ما نظرنا إلى رياح التوجهات السيادية ـ القومية، التي تهب على قارة أمريكا الشمالية وعلى القارة العجوز بشكل عام. هنا يكون الأمر لافتا، لأننا بتنا نلحظ أن أزمة القومية لم تعد ناشئة من مجرد توغل جاذبية الأفكار المتطرفة الآخذة في طرح نفسها كبديل سياسي، لكنها أصبحت أيضا تفضح تقاعس الفكر التقدمي – بعبارة أخرى اليساري – عن مقاربة قضيتي الفقر، من جهة، والطبقات المتوسطة من جهة أخرى.
أزمة القومية لم تعد ناشئة من مجرد توغل جاذبية الأفكار المتطرفة الآخذة في طرح نفسها كبديل سياسي، لكنها أصبحت أيضا تفضح تقاعس الفكر التقدمي عن مقاربة قضيتي الفقر والطبقات المتوسطة
صفارات الإنذار تم إطلاقها منذ سنوات، لكن تغييب طبقتين اجتماعيتين أساسيتين من المنظومة الإصلاحية، فتح الباب أمام ضرب من «وقوع الفعل على الفاعل» أمكن لنا نقله بسهولة من حقل مصطلحات اللغويين إلى الواقع السياسي.. من هنا، لم يعد بالإمكان استعراض مظاهر التعجب من تمكن التطرف من «ملء الفراغ» الذي تركته التشكيلات السياسية التقليدية. في رأيي، ليس مسعى قياديين، مثل ماكرون أو بايرو، ولا مساعي منظري التوجهات السياسية في ألمانيا منذ زمان، لبلورة تحالفات «وسطية»، هو الذي سرّع بالفشل الذريع الذي منيت به هذه القيادات، بل الأمر كامن في رفض العقيدة السياسية التقليدية إصلاح هياكلها. ليس مقبولا مثلا ألا يكون اليسار قد شرع في إدخال منظومة إصلاحية كاملة على هياكله، وبـ»منظومة كاملة»، نعني مقاربة دقيقة وصريحة للمواضيع محل إزعاج، مثل الهجرة والأمن والحدود. كما نلاحظ، الشق الاجتماعي والشق الاقتصادي في تلازم عضوي. وحده هذا التلازم يمكن له أن يشكل سياسة. لكن بقدرها ستتعطل المنظومة الاقتراحية، التي يمكن أن تقوم على ضمان أجور مقبولة، تذيب الفوارق الجوهرية الظالمة بين الطبقات، كما يمكن أن تقوم على أساس تشجيع التنمية المشتركة بين الدول، بقدر ما أنها لن تعالج إشكالية الساعة بنهج جديد يلقى استجابة بعقلانيته ومنطقيته. بلا تدارك سريع للموقف ستتخبط السياسة في المطب نفسه، الذي بدأ كثيرون يصفونه أكثر فأكثر بالمكب.
أصل المشكلة أن مفاهيم مثل القومية والسيادة ذابت في قالب الجاذبية الشعبوية. كلنا يتذكر كلام جان ماري لوبان الذي وافته المنية، وأنا بصدد كتابة هذه السطور: «أنا يساري اجتماعيا، يميني اقتصاديا وفرنسي قوميا». غير أن مهنيي السياسية فشلوا في إبراز نمط عمل يطال الانشغالات الأساسية للمواطنين: الشغل، الضريبة، الأمن. من هنا بتنا نشهد صراعا تنافسيا بين كينونة الهوية وكينونة التعايش، المؤسسة للنظام الجمهوري، لكن الهوية تتطور، إنها نمط وممارسة قبل أن تكون كينونة. وما يخشى عليه في ديمقراطياتنا الأوروبية أكثر من أي وقت مضى هو غلبة تأويل جامد ومحرف للهوية على حساب تعريف لها متحول بناء، حينها، يصبح الانكماش سيد الموقف، ليس لمجرد عجز التنافسية الاقتصادية عن التجذر في الانفتاح على العالم، وبالتالي تواصل إضعاف معدلات النمو في البلدان الأوروبية، بما لم يسبق له مثيل، لكن أيضا بنخر التماسك الاجتماعي الذي من دونه تفنى الأمم.
الأمم.. كلمة أيضا يطالها التحريف عن معناها الأصلي حين تتوسل بها التشكيلات الحزبية المتطرفة، وهي تقصد الخلط بين «الأمة» و»الجنسية» بحجة «تماسك الأمة». لكن الجنسية انتماء وليست جوهرا جامدا. وهذا ما تنساه هذه التشكيلات، أو بالأحرى تتناساه. من هنا، تؤسس هذه الجماعات السياسية توجهاتها على مغالطة فكرية تأسيسية، قائمة على الترويج بأن الأمة إقصاء لا تعايش. وهنا يتربص بنا خطر ثلاثي الأبعاد: سياسي، لأن أصل السياسية قيادة الشعوب إلى الحقيقة، اقتصادي لأن أصل الاقتصاد قيادة الشعوب إلى الرخاء، واجتماعي، لأن أصل المجتمع نشر السلم بين الشعوب .
باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي
بسم الله الرحمن الرحيم
أدعو الباحث الأكاديمي والإعلامي الفرنسي الأستاذ بيير لوي ريمون إلى طرح “فكرة تحديث العلمانية الفرنسية” في مقالة قادمة حيث أن التعريف القديم القائم لم يعد ملائما للجمهورية التي تحتضن جمهورا غفيرا من المسلمين: من المسلمين المواطنين الفرنسيين بالتجنس ومن المعتنقين الفرنسيين الأصليين ومن المقيمين المسلمين وكذلك جزيرة مايوت المسلمة. لقد تقادم تعريف العلمانية الفرنسي الحالي وأصبح الفرنسي المسلم بحاجة إلى تعريف جديد يحمي رموزه الدينية الشريفة. العداء الحاد الذي تكنه فرنسا للإسلام لم يعد له أي مبرر فلسنا في ساحة المعركة وكل المسلمين في فرنسا يرفعون الراية البيضاء للعيش في سلام في فرنسا فلماذا هذا التناقض الفرنسي المتشدد مع المسلمين!.
“أصل المشكلة أن مفاهيم مثل القومية والسيادة ذابت في قالب الجاذبية الشعبوية. كلنا يتذكر كلام جان ماري لوبان الذي وافته المنية، وأنا بصدد كتابة هذه السطور: «أنا يساري اجتماعيا، يميني اقتصاديا وفرنسي قوميا». غير أن مهنيي السياسية فشلوا في إبراز نمط عمل يطال الانشغالات الأساسية للمواطنين: الشغل، الضريبة، الأمن.” خطاب أقصى اليمين ليس جديدا، وقد سبق له أن وصل للحكم. وهو يسهر على طمأنة أصحاب رؤوس الأموال، حتى عندما يدعي الاشتراكية (مثل النازيين وموسيليني)، وفي المقابل يهستر مسائل الهوية بتعيين كبش فداء للرعاع (وهو الأجنبي دينا أو لغة أو قومية أو لونا)، والغريب أن هذا الأجنبي مصدر الخطر قد يكون غير موجود في البلد (ما يسمى في بلدان أوروبا الشرقية باللاسامية بدون يهود، أو الاسلاموفوبيا بدون مسلمين). يمكن تفسير صعود اقصى اليمين بما يدعى بانعدام الأمن الثقافي، وسببه المسلمون في فرنسا. المفارقة أن كثير من البلدان تشعر بدورها بانعدام الأمن بسبب انتشار الفرنكفونية التي تمنح لفرنسا اشعاعا عالميا. ما رأي العنصريين الفرنسيين لو قامت البلدان الفرنكوفونية الافريقية باستبدال الفرنسية بالانجليزية أو بلغاتها القومية؟ وكما يقول الثل المغاربي: اللي يحسب وحده إيشطلو.