تقف إسرائيل خلف رُفات آخر رهينة إسرائيلية في غزة، لم تستلمها بعد، من أجل كسب مزيدٍ من الوقت قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية من «الخطة الشاملة لإنهاء الصراع في غزة» التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 29 أيلول/سبتمبر 2025، رغم إدراكها أن تَسلُّمَها الرفات ليس سوى مسألة وقت تحتاجه عملية البحث، نظراً إلى الصعوبات في المنطقة المفترضة والتي تعرَّضت لعمليات جرف واسعة.
وتستثمر الدولة العبرية في الفترة الفاصلة عن دخول قرار مجلس الأمن 2803، الذي تبنّى خطة ترامب، حيّز التنفيذ، من أجل القضاء على ما أمكنها من البنى التحتية لـ«حماس»، ولا سيما الأنفاق، ومن تنفيذ عمليات استهداف للقيادات والكوادر من الفصائل الفاعلة في القطاع في محاولة استنساخ لـ«النموذج اللبناني» الذي اعتمدته حيال «حزب الله» منذ إعلان وقف الأعمال العدائية، والذي دخل في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 عامه الثاني. ففي بيان، قال الجيش الإسرائيلي إنه نفَّذ 1200 عملية داخل لبنان خلال سنة من بدء الاتفاق، فيما تُشير الأرقام الرسمية الآتية من القطاع إلى أن الجيش الإسرائيلي قام بـ500 خرق خلال أقل من شهرين، ذلك أن اتفاق وقف النار في غزة أُعْلن في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025.
القرار الأممي الذي أُقرّ في 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، يأذن بإنشاء «قوة دولية مؤقتة لتحقيق الاستقرار في غزة»، من دون أن يُشير إلى موعد نشرها. هناك تفويض عام بتشكيل القوة التي حَدَّد ولايتها حتى 31 كانون الأول/ديسمبر 2027 مع إمكان التمديد لها بالتنسيق مع مصر وإسرائيل والدول المُشاركة. ويخوِّل «مجلس السلام»، بصفته إدارة انتقالية، بتأسيس قوة الاستقرار في القطاع، تكون تحت قيادة موحّدة، وتعمل مع القاهرة وتل أبيب ومع قوة شرطة فلسطينية جديدة مُدرَّبة ومُدقَّق في أفرادها، على تأمين المناطق الحدودية، وحماية المدنيين، ودعم عمليات المساعدة الإنسانية، ونزع سلاح الجماعات غير الدولة داخل غزة، ومراقبة وقف النار. ويمنحها الحق بـ«استخدام جميع التدابير اللازمة» لتنفيذ مهمتها ضمن إطار يتماشى مع القانون الدولي والقانون الإنساني.
لكن التنفيذ على أرض الواقع يتطلب ترتيبات سياسية وعسكرية، وموافَقة من الدول المُقترحة للمشاركة سواء إقليمياً أو دولياً، ويحتاج نجاحه إلى قبول من أطراف النزاع، ومن الضامنين والداعمين. الولايات المتحدة ترغب بتشكيل القوة «بأسرع ما يمكن»، وبدء نشر أولى الوحدات مطلع شهر كانون الثاني/يناير 2026 أو خلاله، لكن مسار الأمور يحمل شكوكاً بإنجاز سريع لدقائق مهمة القوة وآليات عملها والضمانات الأمنية وقواعد الاشتباك وخريطة سيطرتها وانتشارها، وما إلى هناك من نقاط كفيلة بأن تُعقِّد المشهد وتؤخِّر موعد الانتشار، خصوصاً أن الشيطان يكمن في التفاصيل. وهكذا قد تكون النتيجة إطالة أمد انطلاقة المرحلة الثانية، ما يُعطي إسرائيل في «الوقت الضائع» فرصة إضافية لمواصلة تنفيذ ضرباتها ضمن الحدود التي يمكن لواشنطن أن تغضَّ الطرف عنها.
وتُشير معلومات مستقاة من أجواء حركة «حماس» في لبنان، أنَّ ما حُكي عن محادثات مباشرة مخطّط لها بين المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف ورئيس وفد «حماس» التفاوضي خليل الحيّة قد جرت بالفعل لمناقشة المرحلة التالية من خطة غزة، وهي شملت إعادة الإعمار، وانسحاب إسرائيلي، وترتيبات سياسية، ونزع سلاح الحركة. وهناك ارتياح لدور الإدارة الأمريكية الراهنة في معالجة الملف. والشعور السائد في أوساط فلسطينية، سواء أكانت تنتمي إلى السلطة في رام الله أم إلى «حماس»، أن فريق ترامب يُمارس ضغطاً كبيراً على إسرائيل في هذا الشأن، وأن واشنطن تقتنع، للمرة الأولى، بوجهة النظر العربية والإسلامية التي أظهرت تماسكاً قوياً لجهة قيام دولة فلسطينية، وإنْ كان القرار لم يَضْمنها بشكل فوري، ونصَّ على أنه بعد تنفيذ برنامج إصلاح السلطة الفلسطينية على نحوٍ أمين وتقدّم أعمال إعادة تطوير غزة، قد تتوافر الشروط أخيراً لبلورة مسار موثوق نحو تقرير المصير وقيام دولة فلسطينية، على أن تُنشئ الولايات المتحدة حواراً بين إسرائيل والفلسطينيين للاتفاق على أفق سياسي للتعايش السلمي والمزدهر.
وتقول تلك المعلومات، إن هناك اقتناعاً لدى «حماس» بضرورة بقاء غزة وإعادة إعمارها وتأمين إدارة لها. ومن هذا المنطلق، لا يرفضون تسليم السلاح كجزء من هذه العملية، بعد أن كان مشروع التهجير هو الهدف الإسرائيلي. كما أن الحركة مقتنعة بعدم وجود دور مباشر لها في إدارة غزة في «اليوم التالي»، وهي قابلة بوجود قوات دولية. فهذا موقفها في العمق، ويندرج إعلانها عن تحفظات ورفض لبعض بنود القرار الدولي المتبنّي لخطة ترامب، في إطار تحسين شروط التفاوض حول نزع سلاحها وإدارة غزة وإعادة الإعمار والضمانات. كانت الحركة وصفت القرار بأنه «يفرض آلية وصاية دولية على قطاع غزة». واعتبرت أن مهمة القوة الدولية المُقترحة تتضمن «نزع سلاح المقاومة» ما يُفقد تلك القوة حيادها ويُحوِّلها إلى طرف في الصراع لصالح الاحتلال، فضلاً عن أن نشرها يجب أن يكون عند الحدود فقط، لمراقبة وقف إطلاق النار وليس للتدخل في الشؤون الداخلية لقطاع غزة، لأن مثل هذا التدخل الداخلي يُعدّ تهديدًا للسيادة الفلسطينية.
تُدرك «حماس» أن عملية «طوفان الأقصى» أفضت، على المستوى التكتيكي، إلى خسائر بشرية ومادية فادحة ليس في مقدور غزة وأهلها تَحَمّلها، لكنها على المستوى الاستراتيجي، أعادت إحياء القضية الفلسطينية، وغيَّرت الرأي العام الدولي تجاه حل الدولتين، وزادت من الانخراط العربي الإيجابي في إيجاد الحلول. يقول متابعون على معرفة بدوائر «حماس» إن موازين القوى الإقليمية تغيّرت كثيراً في ظل التطوّر التكنولوجي الإسرائيلي والانخراط الأمريكي الواسع، ما يجعل الأساليب التقليدية للمقاومة غير قابلة للاستمرار. لهذا السبب، باتت الحركة منفتحة على مراجعة وسائل العمل وخيارات المواجهة، والبحث عن حلول واقعية ضمن السقوف الممكنة، بدلاً من الاستمرار في النهج العسكري ذاته، وهذا التفكير يُعدُّ خطوة إيجابية بحد ذاتها، ويدل على الاستعداد للبحث عن حلول صعبة ضمن الإمكانات المتاحة.
سمحت عملية «7 أكتوبر» لإسرائيل بإطلاق مسار جديد لإعادة صياغة استراتيجيتها في المنطقة. هذا ما أعلنه رئيس الوزراء الإسرائيلي حينها، وكرّره لاحقاً، بأنه يسعى لتكريس عقيدة مفادها أن «السلام يُفرَض ولا يُفاوَض عليه»، بما ينسجم مع الرؤية المشتركة الأمريكية-الإسرائيلية القائمة على معادلة «إسرائيل قوية ومحيطها ضعيف». صحيح أن تل أبيب تُسَجِّل قدراً أكبر من المكاسب كلما تأخرت المرحلة الثانية من الخطة، لكن حيِّز المناورة لديها سيكون ضيّقاً مع إصرار ترامب على إنجاح خطة غزة، في إطار مسار أوسع يرتبط بدفع «السلام الإبراهيمي» قدماً، وإلحاق مزيدٍ من الدول العربية والإسلامية به، وفي مقدمتها السعودية التي تربط التطبيع بحلّ النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي عبر مسار حل الدولتين، بما يفتح الباب واسعاً أمام دول أخرى للانضمام إلى مشروع «السلام الترامبي» في الشرق الأوسط.