تعتبر حروب إسرائيل في قطاع غزة، واحدة من أكثر النزاعات إثارة للجدل في العالم اليوم، حول قضية عادلة بالنسبة للشعب الفلسطيني (الطرف الأول)، ومفتعلة بالنسبة لكيان وهمي هجين (الطرف الثاني)، لا قضية له، بإيعاز ومباركة من طرف الغرب الاستعماري، بِنيَّة مبطّنة تهدف إلى التحكم في منطقة الشرق الأوسط برمته، أو بالأحرى، في ثرواته الضخمة، تحت حماية ورعاية كبيرهم الذي ألهمهم السحر، الولايات المتحدة الأمريكية.
والحق أن سردية هذا الصراع، على امتداد سنوات طويلة، أنتج مقاومة قوية وشعبا يؤمن بقضيته حتى الموت، ليحكي قضيته بتماهٍ كبير مع الجناح العسكري لحماس، قلبا وقالبا، لأن النظرية السردية، كما ورد عند جيرار جينيت، تقول إن السرد هو الفعل المنتج للحكي. ومعلوم أن، الصراع في هذا الإقليم، يتميز بتاريخ معقد من النزاعات والتوترات، بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وتحديداً حركة حماس، التي تسيطر على قطاع غزة. وفي هذا الإطار، لا بأس من التذكير بأهم محطات هذا الصراع/ السردية، حتى نفهم ما يقع الآن، من تصعيد إجرامي /إرهابي، في حق الفلسطينيين العزل، من شيوخ وأطفال ونساء، بل حتى الأخضر واليابس، لم ينج من هذا الجنون، الذي أصاب الصهاينة المرتزقة، لا لشيء سوى لأن أهل الحق طالبوا بحقهم، وذكرونا كعرب والعالم، بأن هناك، أرضا مسلوبة ينبغي أن تعود لأصحابها.
من حسنات الحرب الأخيرة، أن التفاوض الممكن لاحقا، سيكون وفق شروط تجعل الفلسطينيين في موقع قوة، وشتان بين أن تفاوض وأنت مرفوع الرأس، وأن تفاوض مكبل اليدين
في عام 2008-2009، شنّ الاحتلال الصهيوني عملية عسكرية وحشية، سماها (عملية الرصاص المصبوب)على المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة، أمام أعين الأصدقاء والأعداء، وبدعم من الإمبريالية الجديدة، وبتحريض منها. بدأت هذه الحرب في ديسمبر/كانون الأول 2008 واستمرت حتى يناير/كانون الثاني 2009. في حين اختارت المقاومة الفلسطينية أن تسميها «معركة الفرقان»، حيث انتهت بهدنة، دامت ستة أشهر، تم التوصل إليها بين حركة المقاومة الإسلامية «حماس» وإسرائيل، برعاية مصرية في يونيو/حزيران 2008. للأسف هذه الحرب العسكرية، خلفت، بسبب القصف الإسرائيلي، أضراراً كبيرة، وعدداً كبيراً من الضحايا المدنيين، في صفوف أهل الحق، من أطفال وشيوخ ونساء فلسطينيين (حوالي 1500شهيد، ودمار هائل في البنية التحتية لغزة). بعدها بسنوات، تحديدا في عام 2012، يعيد العدو الصهيوني الكرة، بتسمية عسكرية أكثر إبداعا ووحشية هذه المرة (عملية عامود السحاب)، حيث اندلعت هذه الحرب في نوفمبر/تشرين الثاني 2012 واستمرت ثمانية أيام، شن خلالها جيش العدو الصهيوني، على قطاع غزة، عدوانا همجيا. وكانت الحرب قد بدأت بسبب قتل أحمد الجعبري رئيس الجناح العسكري لحماس في غزة، نتيجة غارة جوية إسرائيلية، والواقع أن هذا العدوان، شهد تصاعداً كبيرا في العنف المتصاعد من طرف مرتزقة الصهاينة. ولأن المحتل لا يتوانى في الاستفزازات المستمرة، ناقضا كل الاتفاقيات المبرمة، جاءت أحداث عام 2014 (عملية الحافة الواقعة)، ودامت لمدة خمسين يوما، حيث استمرت التوترات والاشتباكات والعدوان الإسرائيلي على غزة دون هوادة، من خلال إطلاق الصواريخ على قطاع غزة بطريقة جنونية، مخلفة دمارا هائلا، وعددا كبيرا من الضحايا الفلسطينيين، والعالم يتفرج على فداحة ما يقع، وبدعم من واشنطن دائما.
سردية الإرهاب الصهيوني، في حق الشعب الفلسطيني الأعزل، سردية مستفزة، متخصصة في صناعة الموت، ولا تريد لأي سلام أن يقوم في المنطقة، على الرغم من أنها تدعي في ظاهر خطاباتها ذلك. ونظرا للحصار الجزئي المفروض على غزة منذ عام 2005 كشكل من أشكال هذا الاستفزاز، استطاع مقاتلون من فصائل المقاومة الفلسطينية، في 7أكتوبر/تشرين الأول 2023، اجتياز حاجز إسرائيل-غزة، إلى منطقة غلاف غزة، في انتفاضة صارخة على همجية الكيان الصهيوني المستفزة، فكان أن أعلنت إسرائيل بعد ذلك الحرب على حماس، واستدعت 300 ألف جندي احتياطي، لتنفيذ العملية العسكرية الإسرائيلية بوحشية لم ينجح في الوصول إليها طغاة التاريخ البشري، على مر العصور. إن من حسنات سردية المقاومة/ الحرب الأخيرة، كونها أعادت القضية الفلسطينية إلى نقطة الصفر، ذلك أن التفاوض الممكن لاحقا، من المؤكد أنه سيكون وفق شروط أخرى، تجعل الفلسطينيين بشكل عام في موقع قوة، وشتان بين أن تفاوض وأنت مرفوع الرأس، وأن تفاوض مكبل اليدين. سردية المقاومة، هذه، أحرجت كذلك، كل من تخاذل، من العرب وكذا المؤسسات والأنظمة الغربية المتواطئة، التي تكيل بالمكيالين (الديمقراطية من جهة ودعم الهمجية الاستعمارية من جهة أخرى)، وفي المقابل جعلت الضمير الحي الإنساني يستيقظ من جديد، بعد أن عطلته الآلة الاستعمارية الجديدة، التي ما فتئت تحاربه بكل مظاهر التفاهة، إذ أصبحنا نلاحظ، يوما بعد يوم، تعاطفا كبيرا من طرف الشعوب مع الفلسطينيين المعزولين في خندق المواجهة لوحدهم. سردية المقاومة، فضحت أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر، إذ كيف لجيش منظم، يواجه فصيلا واحدا من المقاومة فقط، ولم يستطع اختراقه، لا جوا ولا أرضا، بل إنه لم يسترجع توازنه، لحدود الساعة، بعد أن ضُرب ضربة «معلم». لقد أظهرت كتائب عز الدين القسام، ذكاء وتنظيما وصمودا، لم يسبق له مثيل في تاريخ المقاومة، في مواجهة الاحتلال الصهيوني المدعوم من طرف الولايات المتحدة الأمريكية، وحلفائها الغربيين. شجاعة لا نظير لها، مقابل خوف كبير من قبل الجنود الصهاينة، فقط لأن لهؤلاء الفلسطينيين قضية عادلة، فيما لا قضية للعسكر الإسرائيلي. والواقع إنهم ليسوا جنودا، وإنما هم مجرد مرتزقة مأجورين، يدافعون عن كيان وهمي بالوكالة، والمقابل هي الأموال الطائلة، التي تنفق على هذا الجيش، الذي بدا أوهن من بيت العنكبوت لولا استنجاده بحلفائه.
سردية المقاومة، جعلت للموت، في فلسطين، معنىً وفلسفة، أشهى من حياة الذل والهوان. الموت الذي أصبح الأطفال يلعبون لعبته في كل أوقاتهم، فيما الشباب يتربصون به في الدروب والأزقة والحارات. والحق إننا في غزة، وفي غيرها من الأراضي الفلسطينية المحررة والمحتلة، أصبحنا أمام معادلة معكوسة حول معنى الموت.. معادلة الموت المشتهى، وبالتالي لم يعد الموت شيئا مخيفا، للكبار والصغار، ما دام الكل يؤمن بقضيته، ويسلم بقدره هذا، فقط لكونه ولد في هذه الأرض المقدسة، ولأنه فلسطيني.
كل هذه المآسي، التي تقع للشعب الفلسطيني، كل يوم، لم تكن لتقع، لولا أنه شعب فلسطيني.. فلسطيني حر، اختار المقاومة سبيلا إلى سردية الحياة الحقة، نكاية بالظلم والجنون والغباء، الذي أصاب زعماء الكيان الصهيوني، وغطرسة السردية الأمريكية، في شخص سياساتها الدولية الفاشلة، الراعية الأولى والأخيرة، لهذا الإرهاب البربري. فمعنى أن تكون فلسطينيا، يفرض عليك أن تسلم بقدرك كمواطن فلسطيني أولا، وأن تجعل من القضية الفلسطينية مسألة حياة أو موت، حتى إن كنت ما تزال صبيا في المهد. تجدر الإشارة إلى أن هذه الحرب، التي يشنها العدو الصهيوني على غزة الحرة، إلى الآن، خلفت ضحايا كثرا، من الأطفال والشيوخ والنساء خصوصا، مع معاناة كبيرة للسكان المدنيين، كما تسببت، في دمار كبير، حيث تأثرت البنيات التحتية، وقطاعات متعددة من الحياة، أمام صمت مطبق ممن يهمهم الأمر، ولو حتى بيان إدانة. لكن هيهات هيهات، فللمقاومة سرديات وسرديات تأبى أن تنتهي.
كاتب مغربي
مقالة على طريق القدس وفي جريدة القدس .. إنه لسان المغاربة ورسالتهم لأشقائهم في غزة الصمود.