سكتم دهرا ونطقتم كفرا

حجم الخط
3

يبدو أن بعض الدول الخليجية بدأت بالفعل بتطبيق المبادرة السعودية/ العربية لعام 2002، من الياء إلى الألف، وفق رؤية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، التي تقول إن السلام يتحقق مع الفلسطينيين فقط بعد التطبيع مع الدول العربية والإسلامية، أي بتطبيق المبادرة بالمقلوب، وهي رؤية يجمع الفلسطينيون على رفضها جملة وتفصيلا، ويصرون على تطبيق هذه المبادرة من ألفها إلى يائها.
والذي يدفع إلى هذا الاستنتاج هو الزيارة التي قام بها نتنياهو ترافقه زوجته سارة وعدد من المسؤولين الكبار، من بينهم رئيس جهاز المخابرات الخارجية «الموساد» يوسي كوهين، ومستشار الأمن القومي مئير بن شابت، ومدير وزارة الخارجية، يوفال روتيم، وشخصيات رفيعة أخرى، إلى العاصمة العمانية مسقط.. وهي كما يبدو زيارة تطبيعية فوق العادة، حيث كان في استقبال الوفد، السلطان قابوس نفسه، وليست مجرد زيارة خاطفة لرئيس وزراء إسرائيلي لبحث أفكار متعلقة بتحريك عملية السلام مثلا.

زيارة نتنياهو لمسقط لم تكن الأولى لرئيس وزراء إسرائيلي، فقد سبقه إلى ذلك شيمعون بيريز عام 1996، ولكنها لم تكن بحميمية زيارة نتنياهو

وحسب بيان صدر عن مكتب نتنياهو، فإن اللقاء بين السلطان ونتنياهو جاء بعد اتصالات متواصلة بين البلدين، قام في نهايتها السلطان بإرسال دعوة رسمية لنتنياهو وعقيلته. ووصف ديوان نتنياهو الزيارة بأنها «خطوة مهمة وتأتي في إطار سياسة رئيس الحكومة، التي تقوم على توثيق العلاقات مع دول المنطقة، وتعد رافعة لمزايا إسرائيل في مجالات الأمن والتكنولوجيا والاقتصاد».
صحيح أن زيارة نتنياهو لمسقط لم تكن الأولى لرئيس وزراء إسرائيلي، فقد سبقه إلى ذلك شيمعون بيريز في عام 1996، ولكن زيارة بيريز لم تكن بحميمية زيارة نتنياهو التي وجهت الدعوة فيها إليه وعقيلته سارة.
وما يوصلنا إلى هذه الاستنتاجات أيضا، التصريحات التي صدرت مؤخرا عن مسؤولين خليجيين، في مقدمتهم وزير الخارجية العماني يوسف بن عبدالله بن علوي، في مؤتمر أمني عقد في العاصمة البحرينية المنامة «عاصمة التطبيع العربية» يوم السبت الماضي، إذ قال إن الوقت حان للاعتراف بوجود إسرائيل. وكأن بن علوي يعتقد أنه كشف سرا بقوله «سأقول هذا للمرة الأولى.. إن إسرائيل دولة في المنطقة، وجميعنا يعرف ذلك». وأضاف «نحن جميعا ندرك ذلك، العالم أيضا يدرك هذه الحقيقة، وربما حان الوقت لمعاملة إسرائيل بالمثل وأن تتحمل الالتزامات نفسها». وكان الوزير العماني صريحا كما سلطانه، بقوله بعد يوم من زيارة نتنياهو للسلطنة، إن بلاده تعتمد على الولايات المتحدة ومساعي رئيسها دونالد ترامب في العمل باتجاه «صفقة القرن»، لإحلال السلام في الشرق الأوسط. وينطبق على بن علوي مقولة «سكت دهرا ونطق كفرا» ولم يضيع وزير الخارجية البحريني خالد بن أحمد آل خليفة، هذه الفرصة فأعرب عن دعمه لدور سلطنة عمان، في محاولة إقرار السلام الفلسطيني الإسرائيلي. يذكر أن مليكه حمد بن عيسى آل خليفة سبق عمان، عندما هاجم من يعارض التطبيع ودعا مواطنيه إلى زيارة اسرائيل، وبعث بوفد إلى إسرائيل، في خضم هبة الأقصى في القدس المحتلة العام الماضي.
جاء الإعلان عن زيارة نتنياهو الرسمية لسلطنة عمان، التي بالتأكيد عزف فيها النشيد القومي الإسرائيلي «هتكفاه»، كما أقيم حفل موسيقى كلاسيكي في قصر البركة على شرف «الضيف الكبير والخاص»، بعد ساعة فقط من استقبال دولة الإمارات العربية، لميري ريغيف وزيرة الثقافة في حكومة الاحتلال، الموتورة دوما والمتطرفة في مواقفها السياسية والاستيطانية. وجاءت زيارة نتنياهو بعد أيام قليلة من زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الذي كان يرافقه فيها ليس وزير الخارجية رياض المالكي أو صائب عريقات أمين سر منظمة التحرير الفلسطينية، بل اللواء جبريل الرجوب رئيس اتحاد كرة القدم الفلسطينية، الذي يقال إنه كان وراء الترتيب لهذا اللقاء، لعلاقاته الطيبة والوطيدة مع مسقط، وحسين الشيخ وزير الشؤون المدنية ومدير المخابرات ماجد فرج. ولم تسمح قيادة السلطة لأي من المسؤولين أو وسائل إعلامها بالتعليق على زيارة نتنياهو التطبيعية للسلطنة، أو الربط بين زيارة الرئيس عباس وزيارة نتنياهو، ولكن يذكر في هذا السياق، أن وفدا عمانيا زار رام الله عقب زيارة نتنياهو وسلّم الرئيس عباس رسالة لم يعرف فحواها. كما زارها قبيل أيام وزير الخارحية بن علوي، ما يشير إلى تحركات أو وساطات تقوم بها مسقط، تمهيدا لإطلاق ما يسمى بصفقة القرن الأمريكية.
ومن سلطنة عمان إلى إمارة ابو ظبي، التي استقبلت، من دون حاجة أو ضرورة سوى دفع عجلة التطبيع، استقبالا رسميا وزيرة الثقافة والرياضة الاسرائيلية ميري ريغيف، وهي الوزيرة نفسها التي رفعت لهم قبل بضعة أشهر الأصبع الوسط، بعدما منعت ابو ظبي، ولا أجد سببا مقنعا لذلك مع حميمية العلاقات، رفع العلم الإسرائيلي وترديد نشيدها القومي، عند تسليم أحد أبطالها بالجودو الميدالية الذهبية. ويبدو أن ابو ظبي خافت، فقررت ليس القبول بعزف النشيد «هتكفاه» ورفع العلم فحسب، بل دعوة ريغيف مع وفد كبير إلى ابو ظبي يضم مدير عام وزارتها يوسي شرعابي ورئيس طاقم الموظفين غاي عنبر ومستشارتها الخاصة حين كيدم وعددا من الحراس، واستقبال هذه الوزيرة الحاقدة والعنصرية المتعجرفة استقبالا رسميا لا تحلم به في أي مكان آخر. وهذا يعكس عمق العلاقة بين ابو ظبي ودولة الاحتلال، خاصة وان ريغيف ليست الوزيرة الاسرائيلية الاولى التي تزور ابو ظبي، اذ سبقها إلى ذلك عدد من الوزراء منهم مئير شطريت، وعوز لانداو ويوفال شطاينتس. وقالت ريغيف إن الحديث عن «قرار تاريخي له دلالات بعيدة المدى، وفاتحة لما بعدها.
وما يثير الضحك الذي ربما يكون الهدف منه التخفيف من وقع زيارة ريغيف واستقبالها، ما كشفته صحيفة «معاريف» العبرية، مساء يوم الاثنين الماضي، عن اعتقال مراسل الشؤون الرياضية، في القناة الثانية العبرية، جلعاد شلومر، في أبو ظبي لمدة 13 ساعة في قبو مظلم وإخضاعه للتحقيق الأمني اعتقادا منهم بأنه جاسوس. وجرى التحقيق معه حول ماضيه وخدمته العسكرية في الجيش الإسرائيلي. وحسبما نقلته صحيفة «معاريف» عن شلومر قوله، إن المحققين الاماراتيين، لم يمارسوا العنف الجسدي ضده. وخشية من التعرض للأذى، قرر عدم التحدث عن خدمته في جيش الاحتلال كمقاتل في وحدة دوفدوفان، وهي لمن لا يعرفها وحدة خاصة تعرف بوحدة المستعربين، التي يتحدث اعضاؤها اللغة العربية بطلاقة وباللهجات المحلية ويخترقون التجمعات الفلسطينية للانقضاض على فرائسهم. وأخبر المحققين بأنه عمل طاهيا وسائقا في الجيش. وتقرر الإفراج عنه بعدما قرأ المحققون بعض الرسائل في هاتفه الخلوي!
واختتم بالتساءل، من يستطيع بعد الآن الوقوف في وجه نتنياهو، أو أن يكذبه عندما يقف متباهيا بعلاقاته الحميمة مع دول الخليج؟ فقد أسقطت هذه الدول برقع الحياء وبدأت العمل على المكشوف فما نحن فاعلون؟ هل أعددنا أنفسنا لمواجهة مثل هذه اللحظة؟ وهل فكرنا بالخطوة التالية؟ أم أننا سنكتفي بالتأكيد على رفض تطبيق المبادرة العربية بالمقلوب أي من الياء إلى الألف، والتشديد على تطبيقها من الألف إلى الياء؟ هذا لا يكفي ولا بد من استراتيجية جديدة لمواجهة هذه التحديات السابق منها والمقبل.

كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول هادي:

    بدون شك أنا ضد صفقة القرن لكن كلما أتذكر ما قاله بورقيبة في خطاب أريحا وكيف سخر منه العرب أن ذاك و كيف يندمونا اليوم على عدم أخذ رأيه بالجد أود أن لا يأت اليوم الذي قد نندم على عدم قبول هذه الصفقة
    اكتب هذه الكلمات و قلبي يدم على المسلمين و على ما صرن إليه.

  2. يقول عربي-فلسطيني:

    الخطوه التاليه؟
    .
    وضع كل مبادرات السلام و اتفاقيات الاستسلام، من الالف للياء او العكس، في سلة المهملات وحمل البندقيه تحت راية عربيه لانتزاع حقنا المغتصب.

  3. يقول علي حسين أبو طالب / السويد:

    ” سكتم دهرا ونطقتم كفرا ” .
    هذا هو عنوان المقال , و حبذا لو كان بصيغة أخرى تسهيلاً للقاريء ليعرف عن ماذا كان السكوت دهرا و لماذا كان نطقهم كفرا و ذلك قبل قراءة المقال , هذه هي الصيغة المعقولة :
    ” نتنياهو في عُمان
    سكتم دهرا ونطقتم كفرا ” .

اشترك في قائمتنا البريدية