غزة – «القدس العربي»: لم يكن الجرح في قدمه مجرد أثر شظية عابرة، بل صار حكاية يومية من الألم والانتظار. محمود أبو خليل، شاب في الثلاثينيات من عمره من مدينة غزة، يجلس على طرف سريره محاولًا لف قطعة قماش قديمة حول قدمه المصابة، بعد فشله مجددًا في العثور على شاش وقطن طبي لتغيير الضماد.
يقول بصوت متعب خلال حديثه لـ«القدس العربي»: «لا أستطيع تغيير الضماد على الجرح. في كل مرة أذهب إلى مستشفى الشفاء يقولون لي: لا توجد ضمادات. حتى العيادات الخاصة لا توجد فيها ضمادات».
جرح مفتوح
لم يتوقف الأمر عند الضمادات، فالأدوية التي وُصفت له بعد الجراحة تحولت إلى عبء يومي ثقيل. يقول: «كُتب لي دواء لمدة ستة أسابيع، ثمنه 60 شيكلًا، لكنه لا يكفي سوى ثلاثة أيام. كل ثلاثة أيام يجب أن أشتريه من جديد، وإن وُجد، أشتريه بسعر باهظ جدًا لا أقدر عليه». ومع انقطاع الدواء وعدم انتظام تغيير الجرح، يتضاعف الألم، خاصة في ليالي الشتاء الباردة التي تجعل الجرح أكثر قسوة، حسب تعبيره.
خضع محمود لعمليتين جراحيتين في قدمه. وبعد ثلاثة أشهر من الجراحة الأولى، اكتشف الأطباء أن شرائح البلاتين التي زُرعت له كانت غير معقمة، ما استدعى إجراء عملية ثانية. يقول: «هذا هو الشهر الأول بعد الجراحة الثانية، ولا أجد دواء ولا شاشًا ولا قطنًا. أشعر أحيانًا أن الجرح لن يلتئم أبدًا»، وهو ينظر إلى قدمه بعينين يملؤهما القلق.
حلمه الوحيد الآن هو الإجلاء الطبي. يقول: «أتمنى الخروج للعلاج في الخارج. على الأقل هناك سأجد دواء يخفف ألمي وضمادات للتغيير المستمر». حلم يتقاطع مع واقع أكثر قسوة، بعدما أكدت «منظمة الصحة العالمية» أن أكثر من ألف مريض في قطاع غزة توفوا وهم بانتظار الإجلاء الطبي منذ يوليو/تموز 2024، في ظل تباطؤ شديد في عمليات نقل المرضى إلى خارج القطاع.
مديرة المختبرات الطبية في وزارة الصحة لـ«القدس العربي»: نقص حاد وكبير في معظم الفحوصات الأساسية، وهذا يهدد حياة المرضى
ناقوس الخطر
أمام هذا المشهد الإنساني القاتم، دقّت «وزارة الصحة» في غزة ناقوس الخطر خلال مؤتمر صحفي عُقد أمس الأحد أمام مستشفى الشفاء في مدينة غزة. صور المؤتمر لم تكن في حاجة إلى كثير من الشرح: سيارات إسعاف متهالكة، ولافتات تحذيرية، وأطباء يقفون في العراء ليعلنوا أن المنظومة الصحية تقف على حافة الانهيار الكامل، إن لم تكن قد انهارت بالفعل.
جاء المؤتمر في ظل استمرار الحرب والحصار الإسرائيلي المشدد منذ أكثر من عامين، وبعد الإعلان عن هدنة «كاذبة» في 10 أكتوبر الماضي. هذا الواقع أدى إلى استنزاف غير مسبوق لقدرة المستشفيات والمراكز الصحية على تقديم الخدمات الأساسية. ولم يعد الحديث عن نقص عابر، بل عن فراغ شبه كامل في مخازن الدواء والمستهلكات الطبية والمواد المخبرية.
وأكدت «وزارة الصحة» أن ما يجري اليوم هو أخطر مرحلة تمر بها المنظومة الصحية في تاريخ القطاع، إذ لم يعد التراجع مقتصرًا على أصناف محددة، بل طال غالبية قائمة الأدوية الأساسية، والمستهلكات الطبية، وحتى المواد اللازمة لإجراء أبسط الفحوص المنقذة للحياة.
وبدا المؤتمر كصرخة استغاثة أخيرة تحاول من خلالها الوزارة تحميل المجتمع الدولي مسؤوليته الأخلاقية والإنسانية، في ظل صمت طويل وتراجع حاد في وتيرة إدخال الإمدادات الطبية إلى القطاع.
مخزون صفري
وحسب بيان وزارة الصحة الذي أُعلن خلال المؤتمر، بلغ العجز في قائمة الأدوية الأساسية 52%، فيما وصلت نسبة العجز في قائمة المستهلكات الطبية إلى 71%، وسُجل عجز خطير في مواد الفحص المخبري الأساسية بنسبة 73%، إلى جانب عجز بلغ 59% في مستهلكات الفحص المخبري. وهي نسب تعكس وصول المنظومة الصحية إلى مستويات غير مسبوقة من الاستنزاف، بعد أكثر من عامين من الحرب والحصار المطبق.
وتتركز أخطر نواقص الأدوية في الأصناف المنقذة للحياة، وفي مقدمتها «المحاليل الوريدية، وأدوية التخدير، والمضادات الحيوية الوريدية، والمسكنات»، وهي أدوية لا غنى عنها في أقسام الطوارئ والعمليات والعناية المركزة. ومع غياب هذه الأصناف، لم يعد العجز رقمًا مجردًا، بل تحول إلى حرمان فعلي لآلاف المرضى من حقهم في العلاج.
وفي هذا السياق، أوضحت الوزارة أن نسبة العجز في خدمات الطوارئ والعمليات والعناية المركزة بلغت 38%، ما أدى إلى حرمان أكثر من 200 ألف مريض من تلقي خدمات الطوارئ، وأكثر من 10 آلاف مريض من العمليات الجراحية، إضافة إلى حرمان أكثر من 700 مريض من خدمات العناية المركزة، في وقت تتزايد فيه أعداد الإصابات والحالات الحرجة يوميًا.
أما خدمات علاج الأورام، فقد تجاوز العجز فيها 70%، وهو ما يهدد بحرمان أكثر من ألف مريض من تلقي العلاج اللازم، وسط تأكيدات بوفاة عدد من المرضى نتيجة عدم استكمال بروتوكولاتهم العلاجية. وفي الرعاية الصحية الأولية، بلغ العجز أكثر من 62%، ما أدى إلى حرمان ما يزيد على 288 ألف مريض من تلقي هذه الخدمة الأساسية.
وسجلت خدمات الأم والطفل عجزًا بنسبة 49%، مهددة بحرمان 11,580 أمًا وطفلًا من الرعاية الطبية، فيما توقفت أكثر من 99% من عمليات جراحة العظام التخصصية، في مؤشر على شلل شبه كامل لهذا التخصص الحيوي. كما بلغ العجز في خدمات الصحة النفسية 20%، ما قد يؤدي إلى حرمان أكثر من 14 ألف مريض من تلقي الدعم والعلاج النفسي، في ظل آثار نفسية متفاقمة للحرب.
ولم تتوقف التداعيات عند هذا الحد، إذ أعلنت وزارة الصحة عن توقف كامل لخدمات القسطرة القلبية وجراحة القلب المفتوح، فيما باتت العمليات التخصصية لمرضى العيون مهددة بالتوقف، بعد أن تجاوز العجز في الأدوية والمستهلكات الطبية اللازمة لها 91%.
وفي جانب لا يقل خطورة، حذرت الوزارة من تهديد مباشر لخدمات المختبرات الطبية، إذ إن نقص المواد المخبرية الأساسية قد يؤدي إلى توقف تقديم الخدمة لأكثر من 50 ألف مريض يحتاجون شهريًا إلى نحو 200 ألف فحص كيميائي، وأكثر من 100 ألف فحص صورة دم كاملة «سي.بي.سي»، إضافة إلى أكثر من 7 آلاف مزرعة بكتيرية، ونحو 10 آلاف فحص لازم لنقل الدم شهريًا. كما توقفت بشكل كامل مواد الفحص الشامل للمواليد، ومواد تشخيص الأمراض المعدية، والفحوصات المناعية، ما ينذر بتداعيات صحية خطيرة على المدى القريب والبعيد.
مختبرات معطلة
الدكتورة سحر غانم، مديرة دائرة المختبرات الطبية وبنوك الدم في وزارة الصحة، رسمت صورة أكثر قتامة لما يجري خلف أبواب المختبرات. تقول: «العدد الكبير من الإصابات والحاجة المتزايدة للفحوصات الأساسية المنقذة للحياة، مثل صورة الدم الكاملة والكيمياء والمايكروبيولوجي، يصطدم بنقص حاد في المواد والمستهلكات».
وأكدت غانم لـ»القدس العربي» أن هذا النقص يؤثر بشكل مباشر في التشخيص ومتابعة العلاج، ويهدد المرضى بحرمانهم من الخدمة الطبية اللائقة. وتقول: «هناك نقص حاد وكبير في معظم الفحوصات الأساسية، وهذا يعني تهديد حياة المرضى، خاصة في أقسام الطوارئ والعناية المركزة والأورام والكلى».
ولا يقف التحدي عند حدود المواد فقط، فاستمرار تشغيل الأجهزة مرتبط بتوفر السولار والتيار الكهربائي. وتقول غانم: «استمرار توريد الكهرباء ضروري للحفاظ على أرصدة بنوك الدم وتجهيز وحدات الدم ونقلها للمرضى»، مشيرة إلى أن أي انقطاع مفاجئ قد يؤدي إلى تلف وحدات الدم وخسارتها بالكامل.
وأوضحت أن عددًا كبيرًا من الأجهزة المخبرية دُمّر أو توقف عن العمل بسبب القصف، فيما تحتاج أجهزة أخرى إلى صيانة عاجلة لا تتوفر لها قطع غيار، ما يعيق تقديم خدمة الفحوصات المخبرية للمرضى والجرحى.
صيدليات خاوية
ووصف علاء حلس، مدير دائرة الصيدلة في وزارة الصحة، الواقع الدوائي بأنه «كارثي بكل المقاييس». وقال: «أكثر من 52% من قائمة الأدوية الأساسية صفر، وأكثر من 71% من المستهلكات الطبية صفر، وأكثر من 73% من مواد الفحص المخبرية صفر».
وأشار حلس، في تصريح لـ»القدس العربي»، إلى أن هذا النقص ينعكس على مختلف الخدمات الصحية، موضحًا أن «نسبة العجز في الطوارئ والعمليات والعناية المركزة تجاوزت 38%، وخدمات الكلى أكثر من 46%، والأورام أكثر من 70%، والرعاية الأولية أكثر من 72%». وأضاف أن جراحة العظام التخصصية وصلت نسبة العجز فيها إلى 99%.
وحذّر حلس من أن بعض الخدمات قد تتوقف كليًا، مثل القسطرة القلبية وجراحة القلب المفتوح، مشددًا على أن «من يدفع الثمن هو المريض. نحاول تقليل التأثير قدر الإمكان، لكن النقص الشديد يؤثر في جودة الخدمة، وفي بعض الأحيان يؤدي إلى فقدان حياة المرضى».
وختم بالقول: «المشكلة ليست في المباني. حتى لو كان المبنى قائمًا، فإنه من دون أدوية ومستهلكات لا يستطيع تقديم أي خدمة. نحن نتحدث عن ألف صنف من الدواء مفقود.. هذه هي المأساة الحقيقية».
نداء أخير
وأمام هذه المؤشرات، شددت وزارة الصحة على أن الأزمة تتفاقم مع استمرار تقليص إدخال الشاحنات الطبية إلى ما دون 30% من الاحتياج الشهري، إلى جانب عدم تلبية الأصناف التي يُسمح بإدخالها للاحتياج الفعلي من حيث النوع والكم. وهي معطيات تؤكد أن ما يجري ليس نقصًا عابرًا، بل انهيارًا تدريجيًا يهدد ما تبقى من قدرة المنظومة الصحية على الصمود.
لذلك وجهت وزارة الصحة نداءً عاجلًا إلى جميع الجهات المعنية للتدخل الفوري، وضمان إدخال قوائم الأدوية والمستهلكات الطبية والمواد المخبرية من دون قيود.
في غزة، لم يعد الجرح مجرد إصابة جسدية، بل صار مرآة لأزمة صحية خانقة. وبين مريض ينتظر ضمادة، وطبيب يبحث عن دواء، ومنظومة تترنح تحت الحصار، تتحول الصحة إلى ساحة أخرى من ساحات الحرب، حيث يُقتل الإنسان ببطء… بلا دواء.