صورة المجتمع المصري في أدب الستينيات والسبعينيات.. موهومون ومقهورون

القاهرة ـ «القدس العربي»: لم يزل انقلاب يوليو/تموز 1952 وتوابعه الممتدة حتى اللحظة الحاضرة ـ رغم التغيرات والتحولات الحادة ـ هو الحدث الأهم في حياة المصريين، الذي أعاد صياغتها وفق هوى أحراره الضباط وتوابعهم. ويأتي الأدب ليكشف عن نتائج أكثر عمقاً ووعياً لعلاقة السلطة السياسية برعاياها. تحاول الباحثة والأكاديمية الإسبانية لوث غارثيا كستانيون، تنظير العلاقة بين الحاكم والمحكوم في مصر، من خلال كتابها الصادرة ترجمته مؤخراً عن المركز القومي للترجمة، القاهرة 2025. والمعنون بـ»صورة المجتمع المصري في أعمال صنع الله إبراهيم، جمال الغيطاني، ويوسف القعيد». ترجمة وتقديم علي عبد الرؤوف البمبي، وتحرير: محمود حنفي أبو قورة.

العفو والسماح

بداية لافتة من تقديم المحرر وكلمة لاحقة للمترجم، وكأن المترجم لم يكتف بشهادة تبرئه من ذنبه الذي لا يُغتفر ـ حسب اعتقاده ـ فاستعان بشاهد عدل آخر تفادياً لهجوم خصوم وهميين، أو تأنيب ضمير لا يمكن تجاوزه. فيُشير كل منهما في تأكيد إلى التهمة الجاهزة الأولى والأساسية، بأن المؤلفة بما أنها تنتمي للغرب فهي تنتهج الرؤية الاستشراقية. والأهم أنها تطلق على ثورة يوليو لفظة (انقلاب)، إلا أنها لفظة لا تستقيم، لذا اعتمدت الترجمة لفظة (الثورة) ـ ربما لو في زمن آخر لمجّد كل منهما وعي المؤلفة وقدراتها البحثية ـ فالمؤلفة (الاستشراقية) لا ترى في عبد الناصر سوى مُخادع، عرف كيف يؤثر على الجماهير وجعلها تهتف باسمه، فتقول، «فُرضت اشتراكية ناصر بموجب مرسوم رئاسي، وهدفها حرمان الشعب من ممارسة النشاط السياسي». ويختتم المترجم مقدمته بأن هذه الترجمة تقدم الرؤية الغيريّة، ولنرى الشرق بعيون الغرب، ونلمس كيف يرانا الآخر من خلال أعمالنا الإبداعية، وهل هذه الصورة حقيقية أم متخيلة؟ وتأتي كلمة المترجم لتضيف بأن الأعمال المختارة للمؤلفين ـ عينة البحث ـ «تعكس وجهة نظره الشخصية في الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لكنها تشترك جميعاً في رسم صورة قاتمة وكئيبة وخالية من الإيجابيات للمجتمع المصري.. صحيح أن المجتمع كان يعاني من الفقر والجهل والتخلف والاستبداد والفساد.. ولكن من الصحيح أيضاً أن هذه الأمراض والآفات الاجتماعية، لم تكن حكراً على العقدين الزمنيين موضوع الدراسة، بل تضرب بجذورها في أعماق التاريخ المصري، وأنها شهدت تراجعاً ملموساً بعد ثورة 23 يوليو». ويُرجع المترجم ما وصفه بـ(عدم توخي الموضوعية) إلى «الطبيعة الفنية للأعمال الأدبية، التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالخبرات الشخصية لمبدعيها، وتكوينهم الفكري والثقافي ومنظوراتهم الذاتية. ولكنها تفتقر بالتأكيد إلى المنهجية العلمية، ولذا نجد التفاوت في الرؤى حاضراً بينها أحياناً كثيرة عند تناولها لقضايا واحدة… ويحق لنا التساؤل عندئذ: هل يمكن الاعتماد على الأعمال الأدبية في رسم صورة حقيقية لمجتمع ما؟ وهل يمكن الاستغناء بها عن الدراسات الاجتماعية القائمة على آليات ووثائق ومناهج علمية؟»، مع العلم إن المترجم يشغل منصب أستاذ فقه اللغة الإسبانية وآدابها في كلية اللغات والترجمة في جامعة الأزهر! ولنترك الرجل مع الوثائق والمناهج، وننظر في كتاب المستشرقة «اللي ما تعرفش حاجة عن مصر»..

جيل طليعي

بعد مقدمة سياسية واجتماعية واقتصادية عن عصري عبد الناصر والسادات، ترى المؤلفة أن كلا من صنع الله والغيطاني والقعيد، «عاشوا تحت ظل يوليو، وفي كنف وعود عبد الناصر بالعدالة الاجتماعية والديمقراطية، لكنهم اكتشفوا قبل الهزيمة مباشرة أن تلك الوعود تحمل في طياتها الظلم والحرمان. وهذه نقطة الانطلاق لما يمكن تسميته بـ(أدب الطليعة) الحاضن للتمرد الأدبي، إنه تمرد على المسار المطروق الذي اختطه الأدب التراثي». فالبطل عند هؤلاء يعد مثالاً للبطل الضد أو اللابطل، فهو كائن هش يتنصل من مسؤولية أفعاله، عاجزاً مفزوعاً من المؤسسات والأجهزة القمعية، التي تبعده عن ممارسة حريته وحقوقه. «لقد تحوّل النقد الاجتماعي إلى إدانة اجتماعية مُقنّعة لتفادي يد الرقابة».
صنع الله والغيطاني والقعيد
ترى المؤلفة أن الغيطاني يقدم شخصيات كثيرة ومتنوعة، وكل شخصية تتابع تطورها وتحولاتها، بينما بطل صنع الله إبراهيم، يقدم شخصيات أخرى تكمله أو تتناقض معه ـ وهو الأغلب، لأن أعماله تقوم على المفارقة بأشكالها وتنوعاتها ـ وعلى هذا «فإن المعادل التصويري لكليهما يتمثل في شكل هرم ينطلق فيه صنع الله من رأس زاويته، والغيطاني من قاعدته، ليصلا في النهاية إلى نتيجة مفادها.. تغييب الفرد». أما القعيد فيتمثل المحور الرئيس لكتاباته في «ملابسات الحياة البائسة لقطاع الريف العريض، الذي يهيمن عليه الجهل والأميّة، ويستغله الإقطاع والسلطة البوليسية للحفاظ على تبعيته… مع تعويضه في المستقبل عن قمعه وحاضره البائس بالهناءة الأبدية في الحياة الأخرى».
نجمة أغسطس
ترى المؤلفة من خلال رواية «نجمة أغسطس» أن ظروف العمل المصاحبة لإنقاذ معابد أبو سمبل من الغرق، لم تكن أفضل حالاً من الظروف التي واكبت بناء الأهرامات، فعمال اليوم هم أحفاد عمال الأمس البعيد. الغابرون ضحوا بحياتهم من أجل مجد الفرعون، والمحدثون من أجل عبد الناصر، وكلاهما يمثل السلطة المطلقة. «كان العمال مستعدين ـ نتيجة للطاعة والانقياد ـ للتضحية بأرواحهم في سبيل الرئيس والدولة والأمة العربية. أسلموا حيواتهم، دون أن يتلقوا شيئاً في المقابل.. رجال تمت التضحية بهم في السد أو في حروب أخرى».. وتستشهد الكاتبة بمقطع من الرواية.. «لم تبد عليه الدهشة عندما سأله سعيد عن اسمه، وعن الدافع الذي جاء به للعمل في السد.. قال بصوت مَن يتحدث أمام ميكرفون الإذاعة ويعرف بالضبط المطلوب منه: جئت لأخدم بلدي. وابتسم».
لم تنس الكاتبة الإشارة إلى كتاب «إنسان السد العالي» ـ اشترك في كتابته صنع الله مع كمال القلش ورؤوف مسعد ـ في منتصف الستينيات، وبين «نجمة أغسطس» عام 1974، فالفارق شاسع بين الحلم/الوعود، وبين الحقيقة والواقع.
الزيني بركات
تعتبر رواية «الزيني بركات» 1974 من أهم أعمال جمال الغيطاني «لم يُعمر رجل مثله (الزيني) في وظيفته، مع أن الأوضاع هنا سريعة التقلب، وهناك مَن يتولى منصباً في المساء ليُخلع في الصباح».
«كانت مصر ابن إياس محكومة بأوليغاركية مملوكية، ومصر عبد الناصر كانت محكومة بأوليغاركية بيروقراطية، تحافظ على الخصومة بين الطبقات المتعددة، وأنصارها يشكلون إقطاعيات متشابكة تصل ملامسها إلى زعيم الأمة الذي لا يستطيع التخلي عنها، لأنها بمثابة الأساسات التي تعتمد عليها السلطة».. وتكتمل الحلقة من خلال (زكريا) رئيس البوليس السري/البوليس السياسي أو أمن الدولة. فهم القاعدة التي ترتكز عليها السلطة القمعية، التي يعتمد منهجها على الوشاية والتجسس والعقاب، فيتم القبض على الأفراد، دون حكم قضائي، ويودعون السجون إلى أن يتذكرهم الموت. «يا سعيد لماذا نخدع أرواحنا؟ لماذا نصدم رؤوسنا بالصخر! يا سعيد إنما نأتي شيئاً إمْرا. بعد خمس ثم خمس أخرى. الأصابع تنثني لا تلاحق ما يمضي. وسبع وعشرون سنة مضت. عطن الدنيا أبدي. عبث الجان بالخلق لا ينتهي. الظلم كنيران الحبوس لا ينطفئ». (الزيني بركات)

القعيد

«طاعة الحاكم من طاعة الله سبحانه وتعالى، والحاكم إن كان مسؤولاً فهو مسؤول، ولكن أمام الله وليس أمام البشر. والأفضل بالنسبة للفقراء أن لا يهتموا بهذه الأمور التي لا تخصهم». (المزاد). كتب يوسف القعيد عن ريف الشمال المصري، بعيداً عن عالم المدينة، عن حياة الفلاحين وصبرهم وتحايلهم لقِلة الحيلة. فهم محاطون بفقر وجهل ومرض، خدم الإقطاعيات والسلطة، التي لم تتغير مع تغير أي من أنظمة الحكم، اللهم إلا تغيّرا ظاهريا ليس أكثر. «هؤلاء الناس في انتظار معجزة ما، تهبط من السماء، أو تخرج من جوف الأرض، أو تأتي من البنادر البعيدة النائية. الناس تعيش، تمر بها الأيام والليالي والشهور والسنوات الطوال، في انتظار حدوث هذه المعجزة». (البيات الشتوي)
وتذكر المؤلفة.. «استيقظت الأمة المصرية من حلمها بالنصر على الهزيمة المُذِلة لحرب الأيام الستة. كان الشعب ـ الذي لم يفهم ما يحدث ـ في حاجة لشيء غير عادي يخفف عنه الضيق والإحباط. وحدثت المعجزة.. ظهرت العذراء في حي الزيتون». ربما انتقاد القعيد جاء أكثر حدة لعصر السادات، من خلال روايته «الحرب في بر مصر» و»يحدث في مصر الآن»، فالأولى بعد حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، والثانية بعد معاهدة كامب ديفيد 1978. لتتراوح السلطة في العملين بين (العمدة) الذي يريد أن يرسل أحد الفلاحين، بديلاً عن ابنه للتجنيد وقت الحرب، ويموت الفلاح هناك، حاملا اسماً غير اسمه، وليصبح العمدة أباً للشهيد. وكذلك (رئيس مجلس القرية) الذي يأمل أن يتوقف قطار نيكسون والسادات في القرية ولو للحظات، حتى ينال منصباً أعلى، وهو منصب المحافظ. ويأتي عصر الانفتاح الذي حوّل مصر ـ دون حول ولا قوة لأبنائها ـ من الاشتراكية الإسلامية إلى الرأسمالية الإسلامية، فلا رأي لهذا الشعب أو قرار، ليصبح كل شيء مباحا.. «منذ أيام استمعتُ وأنا أسير في الشارع لصوت الراديو يقول: دعوا الناس تكسب ما تشاء. دعوهم يكسبوا بلا حدود. انتهت دولة الحقد والكراهية ونحن الآن في دولة الحب. قلت لنفسي: إن الصوت الذي ينطق لا يتكلم بلغتنا نحن، إن الترجمة الحديثة لهذا الكلام تقول: دعونا نسرق بهدوء، ومَن يتكلم عما نسرقه سنعده من الحاقدين الموتورين، الذين ورثناهم عن دولة الحقد والكراهية. وهؤلاء ببساطة لا مكان لهم بيننا». (المزاد). وفي الأخير نود أن نشير إلى أن جمال الغيطاني (1945 ــ 2015) كان زبونا دائما في لقاءات مبارك مع المثقفين المصريين، فيقول.. «عندما رأيت الصور الخاصة باستئناف الرئيس لنشاطه، شرعت في تدوين هذه الشهادة التي تخص أبعاداً عامة وخاصة، تتصل بالرئيس وملامحه الإنسانية، وسعة صدره، وأيضاً ما أكنّه تجاهه من امتنان ومودة». (جريدة الأخبار في 28 أبريل/نيسان 2010).
وبعد ثورة يناير/كانون الثاني2011 يقول.. «نظام مبارك هو أسوأ نظام مرّ على مصر، حتى من الاحتلال الأجنبي، فالنظام السابق جرّف البلاد ونهبها بكل طاقته، حتى إن المساحات المخصصة لهموم المصريين في خطابات مبارك تقلصت، حتى اختفت تماماً وحل محلها سخرية واحتقار وتجاهل». (موقع اليوم السابع 8/4/2011). وتواصلت اللقاءات مع الرؤساء حتى رحيله. أما يوسف القعيد (1944) فهو الدائم المداوم على الحضور، من مبارك إلى مرسي إلى الآن، حتى تم تعينه عضواً في البرلمان. بينما صنع الله إبراهيم (1937 ــ 2025) فكما قال القعيد في روايته.. «لا مكان له بينهما».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية