لو أجرينا استبيانا عن عدد الحكام الذين حكموا الدول وقادوا الشعوب عبر التاريخ ماضيا وحاضرا، فسنجد جلّهم من الرجال، بينما تتوزع استثناءات قليلة هنا وهناك عن نماذج من القيادات النسوية. لقد اعتدنا أن يكون القائد رجلا، سواء كان رئيسا للبلاد، أو رئيسا للوزارة، أو رئيسا لسفارة، أو حتى رئيس عائلة. وشاهدنا عبر الأعوام كيف كانت قيادة الرجال للدول والوزارات والسفارات. العالم حولنا مليء بالنكبات، ونكاد لا نطالع نشرة الأخبار أو نشاهد خبرا مفرحا. قنوات التلفزيون ومنصات التواصل لا تنقل لنا إلا الكوارث والدمار والصراعات والحروب والمجاعات، والقائد في معظم هذه الأماكن لا يكون إلا رجلا.
ولكن ماذا سيحصل إن قرر العالم يوما أن يستبدل كل هؤلاء القادة الرجال بنساء قائدات. أكاد أجزم بأن العالم برمته سيشهد تغيرات عميقة وسيصبح ملونا بألوان الفرح والنور إذا حكمته المرأة. ويمكن للرجل أن يتولى شؤونا أخرى غير ممارسة السلطة وتولي الحكم وقيادة الدول، بل حتى في خلق الأجنة فإن الانثى هي الأصل وقد يستمر الجنين كأنثى، أو قد ينقلب ليصبح ذكرا فيما بعد. فالجنين الأنثى أقوى من الجنين الذكر، فمعظم الأجنة التي تموت هي أجنة لذكور. فقد خلق الله سبحانه الأنثى لتكون أقوى من الذكر، لا من حيث الجسد، ولكن من حيث التكوين النفسي، والقدرة على تجرع الألم، وامتصاص الأزمات، والصبر على الأذى، ومعالجة المعضلات، وإدارة الصراعات.
وبالتأكيد فإن الكثيرين سيستهجنون هذه الفكرة، وسيسخرون منها، وربما يرتعبون منها، خصوصا أولئك الذين ينظرون للمرأة على أنها مخلوق أدنى شأنا من الرجل، وأنها بحاجة دائما لوصاية الرجل ومظلته ودعمه ومساعدته. ولكن هؤلاء لا يدركون أن المرأة خلقت قائدة بالفطرة، فهي مصنع الرجال والنساء، وهي المسؤولة عن إنشاء أهم مؤسسة في المجتمع وهي العائلة. فهي المسؤولة عن الأنجاب والتربية وإدارة جميع شؤون المنزل الداخلية والخارجية والاقتصادية. هكذا كانت الدنيا، وما زالت مع وجود بعض التعديلات في أماكن معينة من العالم أصبح فيها الرجل مشاركا بمسؤولية إدارة المنزل، أو انشغلت المرأة عن هذه المسؤولية وأصبحت هذه المسؤولية تلقى على عاتق الدولة ومؤسسات المجتمع، التي باتت تساعد المرأة في رعايتها لأسرتها وإدارة منزلها. فالمرأة القادرة على إنجاب الطفل ورعايته ليتحول من برعم غض ضعيف إلى شجرة قوية سامقة صلبة وممتدة الجذور في الأرض، والقادرة على تحويل هذا الكائن الصغير الهش إلى فرد قوي وقادر على أن يشق طريق الحياة بمفرده، دون مساعدة منها، قادرة بالتأكيد على القيادة في حقول أخرى ومنها حقل الحكم وقيادة الدول ومؤسساتها. والمرأة القادرة على إدارة اقتصاد المنزل قادرة على إدارة اقتصاد الدول على أحسن ما يكون. والمرأة القادرة على حفظ النظام في العائلة، ومنع الصراعات، وفض النزاعات، ومفاوضة الجميع من أجل إحلال السلام داخل العائلة الواحدة، وبينها وبين عوائل أخرى، هي بالتأكيد قادرة على أن تكون وزيرة للداخلية أو وزيرة للخارجية.
وبالطبع فإن فكرة أن العالم سيصبح أفضل إن حكمته المرأة حكما كاملا، ليست بلا أساس، وإنما تقوم على أسس علمية. فقد أثبتت الدراسات العلمية أن المرأة تتميز عن الرجل في امتلاكها للقدرة على رؤية الأمور من زوايا متنوعة، وليس من زاوية واحدة. كما أنها تمتلك مهارات في التواصل الشمولي الفعال والتعاون مع الآخرين، إضافة لامتلاكها ذكاء عاطفيا عاليا وقدرة على التعاطف. وقد أظهرت الدراسات التي شملت قيادات نسائية أن المرأة تمتلك قابلية على خلق البيئات التعاونية وتعزيزها، وأنها تضع رفاهية الفرد والمجتمع في أولوية الأهداف. كذلك هي تتميز عن الرجل بامتلاكها للمرونة وللقدرة على التكيف والالتزام الكبير بالقيم الأخلاقية. كما أن المناصب القيادية التي تولتها المرأة، حققت أداء ماليا أفضل وتعرضت لقضايا فساد أقل. كما تحرص المرأة عند توليها لمنصب قيادي على إرضاء العاملين معها من الموظفين والإداريين لأنها تؤمن بالنجاح الجماعي وببناء علاقات قوية في مكان العمل. وقد أثبت الكثير من التجارب، أن المرأة كقائدة أكثر كفاءة من الرجل خلال الأزمات والأوقات الصعبة، وأنها على عكس الرجل تفضل اللجوء للتفاهم والحوار والتعاون في حل المشاكل وفض النزاعات والصراعات. كما أنها تحاول دائما تغليب المبادئ الأخلاقية في الحكم، حتى في عالم لا تحكمه الأخلاق كالسياسة. فقد لا يذكر العديد من الناس كيف سحبت رئيسة الفلبين غلوريا ماكاباغال أرويو في يوليو/تموز من عام 2004 قواتها المسلحة من التحالف الذي قادته الولايات المتحدة لاحتلال العراق، من أجل إنقاذ رجل فلبيني واحد فقط، اختطفه متشددون مسلحون. فقد هددت هذه المجموعة المسلحة بقطع رأس أنجيلو ديلا كروز، الذي هو أب لثلاثة أولاد ويعمل سائق شاحنة في العراق، إذا لم تقم الفلبين بسحب قواتها من الإئتلاف الدولي. وقررت الرئيسة أرويو آنذاك الانسحاب المبكر لقوات حفظ السلام الفلبينية البالغ عددها 51 جنديا من العراق، رغم الانتقادات اللاذعة التي تعرضت لها. وقد بررت الرئيسة أرويو قرارها هذا بأنها حريصة على الحفاظ على حياة هذا العامل وعدم حرمان أولاده منه، لأن عائلته تعتمد عليه في إعالتها. كذلك فإن الرئيسة أرويو دافعت عن قرارها، بأنه جاء لحماية العمال الفلبينيين العاملين في الشرق الأوسط وضمان سلامتهم.
ولا ننسى في هذا السياق العديد من رئيسات الدول الأخريات والناشطات السياسيات اللواتي أثرن إعجاب العالم وانبهاره عندما عبرن عن مواقف سياسية جريئة وقوية، ومنهن فرانشيسكا ألبانيز المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة. فقد برزت ألبانيز في عام 2025 من خلال تقاريرها وتصريحاتها التي وصفت العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة على أنها إبادة جماعية. كما وصفت في تقاريرها الصادرة في يونيو/حزيران وسبتمبر/أيلول الاحتلال الإسرائيلي بأنه «مشروع إجرامي مشترك»، وأنه «آلة إبادة جماعية». لقد كتبت فرانشيسكا ألبانيز اسمها في التاريخ بحروف من نور عندما دعت إلى فرض عقوبات وحظر للأسلحة ومحاسبة قانونية للدول والشركات المتورطة في الأنشطة العسكرية والاقتصادية الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، وعندما حذرت من أن فشل المجتمع الدولي في اتخاذ هذه الإجراءات سيكون عارا يصم عصرنا بأكمله.
ولابد هنا أن نشير لسيدة أخرى هي ناتاشا بيرك موسار رئيسة دولة سلوفينيا وخطابها المؤثر والقوي في مجلس الأمن الذي رجت كلماته جدران مبنى الأمم المتحدة، وجعلت الجميع يصفق له تصفيقا حارا، عندما أعلنت أن مجلس الأمن فشل في تلبية توقعات العالم وتحقيق السلام، وأنه لا يضم إلا خمسة من الأعضاء الدائمين الذين لا يركّزون إلا على مصالحهم الخاصة، ما يجعل القانون الدولي يواجه خطر فقدان أهميته، لأن الدول القوية لا تُحاسب على الفظائع والانتهاكات التي ترتكبها. ومن أقوى الإشارات التي تضمنها الخطاب، والتي أثارت عاصفة من التصفيق وحظيت بتغطية إعلامية واسعة، هو قولها بأن المجتمع الدولي لم يفعل شيئا لإيقاف الهولوكوست، ولم يفعل شيئا ليوقف الإبادة الجماعية في رواندا، ولم يوقف الإبادة الجماعية في سربرينيتشا، ولكنه يجب أن يوقف الإبادة الجماعية في غزة اليوم، لأنه لم يعد لديه أي عذر على الإطلاق.
كما أننا لا يمكننا أن نغفل الموقف الإنساني الكبير، الذي قامت به رئيسة وزراء الدنمارك ميت فريدريكسن، عندما قدمت في 24 سبتمبر 2025 اعتذارا شخصيا، نيابة عن حكومة الدنمارك، أعربت فيه عن أسفها العميق لتعرض النساء من السكان الاصليين في غرينلاند للعقم والأزمات النفسية جراء إخضاعهن، دون علم مسبق، لبرنامج لمنع الحمل القسري استمر من أواخر ستينيات القرن العشرين وحتى عام 1992. فقد أقرت فريدريكسن بأن الحكومة الدنماركية، قامت بزرع لوالب لمنع الحمل في أرحام الآلاف من نساء السكان الأصليين، دون علمهن أو موافقتهن، مما أدى إلى شعور هؤلاء النسوة بالكثير من مشاعر الظلم والخيانة والألم بعد انكشاف الأمر في ما بعد. كما انشأت فريدريكسن صندوقا ماليا لتعويض ضحايا هذا البرنامج. هذا الاعتذار يمثل علامة فارقة لمعالجة المظلومية التاريخية التي تعرض لها شعب جزيرة غرينلاند، في ظل الحكم الدنماركي ورأب الصدع في العلاقة معه.
وقد يظن الكثير أن المرأة غير صالحة للحكم وقيادة الدول لأن العاطفة تتحكم بها، على عكس الرجل الذي يبقي عواطفه بعيدة عن عمله، مما جعل الحاكم يتحول إلى إنسان آلي مجرد من الإنسانية ومن العاطفة، لا تتحرك مشاعره أمام صور المجازر والإبادة الجماعية والحروب والمجاعات والتهجير القسري. وهكذا امتلأ العالم بالظلم، وشاع فيه القتل والفقر والجوع والطائفية والتمييز والتهجير والتطهير العرقي. وبالمقارنة فإن المرأة أكثر حكمة في إدارة المؤسسات وأكثر تأنيا في اتخاذ القرارات المصيرية، فقبل اصدار أي قرار مصيري، ستتذكر المرأة نفسها وستتذكر والدها ووالدتها وإخوانها وأخواتها، وستكون وجوه زوجها وأولادها وجيرانها ومدرستها وشارع بيتها وحارتها في خاطرها حاضرة ترشدها سبل الرحمة والعدل. كل هؤلاء سيقفون أمامها قبل أن تصدر حكما مصيريا مثل شن حرب، أو احتلال دولة أخرى، أو سجن مواطن، أو إعدامه. ستتذكر أن الشعب الذي تريد أن تخوض به ساحات المعارك العبثية الدامية، فيه نساء مثلها تماما سيصبحن بقرارها عوانس وأرامل ومكلومات ويتامى، عندما يفقدن من هو السند والذخر والمعيل والمحب، وأن خسارته لن تعوض أبدا، لأن كل شيء يمكن تعويضه إلا الإنسان فإنه لا يعوض أبدا.
كاتبة من العراق
المقياس الآخر..هو أن المرأة التي تحكم البيت
هل ذلك البيت كان ويكون الافضل.سؤال في
حياتنا اليومية قبل حكم دول العالم.