في عام 1975 نشر الكاتب الإنكليزي الأصل الأمريكي الجنسية «جيمس كلافيل» James Clavell روايته «شوجون» Shogun، انبهر العالم بوجود عالم غريب ذي تقاليد عجيبة غير مألوفة لدى الشرق أو الغرب؛ حيث إن أسرار كل هذا العالم لم تكن لتتاح إلَّا للنخبة من الدَّارسين أو هؤلاء الذين تسنى لهم السَّفر لعالم من الأساطير التي لم يكن تم روايتها بعد.
ولهذا السبب، تحوَّلت رواية «شوجون» إلى مسلسل تلفزيوني بتصور سينمائي عام 1980، وتوالت بعدها الأعمال التي قد تحمل نفس العنوان أو الملامح من أحداثه، وآخرها مسلسل «شوجون» عام 2024. لقد فتحت رواية «شوجون» بوابات الرَّغبة لمعرفة المزيد عن الثَّقافة اليابانية التي لم يكن يعرف عنها تقريبًا في ذاك الوقت إلَّا أنها حضارة بعيدة منغلقة تقع أقصى الشرق، واشتركت في الحرب العالمية الثَّانية وحاربت فيها بضراوة وشدَّة لا مثيل لهما، لدرجة أنه سيق عن الجنود العديد من الروايات التي تُجسِّد الإقدام المغلَّف بالقوَّة والجلد والتفاني في خدمة البلاد.
وخير الحكايات عن ذلك هو أن الجنود في إحدى المعارك التي تتطلَّب الانتقال بالقطار لمعقل العدو- هو أنه عندما نفد وقود القطار الذي كان يعمل حينئذٍ بالفحم، قام الجنود بكل رضا وأريحية بإلقاء أنفسهم في الآتون حتى يصيروا وقودًا للقطار؛ فالتضحية بالذَّات من أجل الوطن عقيدة هذا الشعب، الذي سرعان ما قام من كبوته وأصبح دولة أعجوبية بعد أن دمِّرت تمامًا بإلقاء قنبلتين ذريتين عليها. لكنها لملمت أشلاءها، ومن خلالها صارت دولة شديدة التطوُّر لدرجة لا تقوى أي دولة غربية أن تماريها، لكنها في الوقت نفسه شديدة الخصوصية وذات عادات إيجابية صارمة تتطلَّع إليها أي دولة في العالم.
ومن ضمن أساطير الشجاعة التي لا نظير لها هي شخصية «السَّاموراي» التي تتراءى للجميع كشخصية أسطورية استطاعت أن تتجسَّد على أرض الواقع وتصبح لحمًا ودمًا، فصارت كمرشد لكل من ضلّ الطريق ورمزًا للقوَّة الشريفة التي لا يمكن قهرها؛ لأنها تتمتَّع بجانب القوَّة البدنية والقدرة على تنفيذ استراتيجيات قتالية لا مثيل لها، بجانب فلسفي قد يفوق رواقية «ماركوس أوريليوس»Markus Aurelius في الفلسفة والحكمة، إلى جانب تسلُّحها بالعلم العميق والرَّغبة في نهل المزيد من العلوم. ويذكر التَّاريخ أن السَّاموراي كانوا يمتلكون مكتبات قيِّمة وكبيرة، لدرجة أن أحدهم امتلك في مكتبته ما يزيد على العشرين ألف كتاب. وعلى هذا، عندما تفككت طبقة الساموراي، رحب الغرب باستضافة أبنائهم وأحفادهم في الجامعات من خلال منح دراسية، ومن الطريف أن العديد من أحفادهم قد صاروا من أباطرة الصناعة في اليابان الذين صنعوا منها معقلًا للتكنولوجيا.
ولكل هذه الأسباب مجتمعة، غدا السَّاموراي طبقة من النبلاء التي تحظى باحترام واسع من كل الطوائف. ومن أعظم مظاهر التبجيل والاحترام أنه عندما كان يتحدَّث السَّاموراي يصمت الجميع؛ لأنه لن يتفوَّه إلَّا بالحكمة. وأيضًا، عندما كان يمر السَّاموراي أمام الجموع، حتى ولو كان على صهوة حصانه، كانوا يهبطون من عرباتهم وصهوات جيادهم، وينحني كل من يقف على ظهر الأرض، ولا يقيم ظهره إلَّا بعد أن يمرّ السَّاموراي.
ولو أدهشك هذا الحديث عن السَّاموراي، تصاب بدهشة أكبر عندما تعلم المزيد عن نشأة تلك الطبقة وتعلم أنها تولَّدت من رحم أوَّل نظام خصخصة في العالم.
لقب «ساموراي» الأسطوري يعني «خادم» ويمكن أيضًا ترجمته إلى «خادم لسيده»، ولم يكن السَّاموراي في بداية وجودهم ينتمون من قريب أو بعيد إلى طبقة المحاربين، بل كانوا مجرَّد خدم. ولمعرفة كيف حدث هذا التطوُّر وكيف ارتقت من طبقة الخدم إلى طبقة النبلاء، يجب معرفة أن المحاربين في اليابان القديمة كان يتم تجنيدهم، وكان بالطبع أغلبهم من المزارعين غير المؤهلين للحرب والقتال. ولهذا السبب كانوا دومًا في طبقة المشاة، لكنهم كانوا يكرهون الحروب والتجنيد بوجه عام؛ لأن مزارعهم في وقت التجنيد يصيبها الخراب والدمار، ناهيك عن الضرائب الهائلة التي تثقل كاهلهم، وجعلت الكثير يلجأ إلى بيع أرضه ويصير تابعًا للإقطاعيين الكبار.
ومن ناحية أخرى، كان الإمبراطور يعتمد في حروبه ومعاركه على الفرسان والرماة القادمين من الطبقات الثرية التي استطاعت أن تعلِّم أولادها الفروسية والرماية والقتال على حسابها الخاص، وهذا من أجل الدفاع على أراضيهم حينما يغير عليها الغازون. وهؤلاء كانوا أيضًا من أتباع كبار الإقطاعيين.
وتكوين تلك الطبقة كان أيضًا أمرًا مثيرًا للاهتمام. ففي الماضي، كانت جميع الأراضي تابعة للإمبراطور فقط. لكن عندما أخذ عدد السكَّان يزداد، وجد الإمبراطور أن أفضل طريقة إلى توفير الطعام لكل أفراد الشعب هي فتح الباب إلى الملكيات الخاصة التي تولدت من إتاحة الفرصة لأي شخص أن يأخذ أي قطعة أرض تابعة للدولة ويستصلحها، فتصبح بذلك ملكًا له. لكن المقابل، كان فرض ضرائب باهظة على كل مالك أرض.
ولتوفير النفقات أيضًا في خزانه الدولة، وجد الإمبراطور أنه يحتفظ وينفق على أعداد هائلة من أتباع الإمبراطور الذين كانوا في الأساس من أفراد العائلة. ولهذا السبب، قام بإقصائهم من قصره، ومنحهم لقب طبقة النبلاء، وجعل منهم كبار السَّاسة. ولتوفير العيش الرغد لهم بعيدًا عن نفقات الدولة، تركهم يستصلحون الأراضي الزراعية ويتملكونها، ومنحهم ميزة أكبر، وهي إعفاؤهم من الضرائب. وكان الإعفاء من الضرائب أيضًا منوطًا للمعابد الدينية والأديرة والأضرحة وبعض من الطبقات الأرستقراطية. وللتهرِّب من تلك الضرائب الفادحة، كان أفراد الشعب يسجِّلون أراضيهم تحت اسم أي من الجهات المُعفاة من الضرائب السَّالفة الذكر، وكان هذا يتم اسميًا فقط، وتظل الأراضي تحت تصرف أصحابها بالكامل، وكذلك تتوارثها الأجيال، لكن في نظير دفع مبلغ كبير من المال للإقطاعي المُعْفى من الضرائب، وإن كان هذا المبلغ أقل بكثير من مقدار الضرائب التي يفرضها الإمبراطور. وجدير بالذكر أنه إذا تلاعب الإقطاعي، الذي امتلك اسميًا تلك الأراضي، بالمالك الأصلي وأنكر ملكيتها الأصلية، كان المالك يسترد حقه بالإبلاغ عن الجهة المتلاعبة، حتى ولو كانت معبدًا أو ديرًا، وحينها يسترد أرضه، وفي المقابل تخسر الجهة أو العائلة امتياز الإعفاء من الضرائب.
وفي ظل هذا النظام المتشابك، ظهرت طبقة الساموراي التي تنتمي للعائلات الثرية، لكنها في الوقت نفسه تخدم أراضي مالكها التابع لها. ومع اعتماد الساموراي طبقة من المحاربين النبلاء الذين يمتلكون الأراضي، أصبحوا تابعين إلى «شوجون» البلاد، الذي منصبه بمثابة رئيس الوزراء في العصر الحديث، مع ملاحظة أن الشوجون كان يعد الحاكم الفعلي للبلاد. من ثمَّ، أصبح لقب «ساموراي» يعني «تابعًا للشوجون». ويجب ملاحظة أنه في حالة اختلاف الساموراي مع سيده، كان الأمر يتم رفعه للشوجون نفسه، وليس للقضاء.
وإذا كان الساموراي في اليابان من طبقة التابعين المحاربين الذين يخدمون سيدهم الإقطاعي، يلاحظ في مصر والوطن العربي أنه تم اعتماد نظام شبيه، ألا وهو نظام المماليك، الذين كانوا طبقة محاربين يضحون بأنفسهم من أجل خدمة سيدهم الذي اشتراهم من أي بلد ما دام يتمتع بالقوة الجسدية. وكان السيِّد الذي يسجِّل ممالكيه باسمه يعمد إلى تهذيب محاربيه بالعلوم، وخاصة علوم الدين، كما كان شائعًا في ذاك العصر، أضف إلى غرس مبادئ الولاء وعدم التمرد على السيد.
ولقد حافظ المماليك على ذلك، وتفانوا في خدمة أسيادهم، وظلوا يعتزون بانتمائهم لأسيادهم وإلحاق أسمائهم بهم، حتى بعد أن اعتلوا عرش البلاد بعد الحقبة المملوكية. ولقد اعتمد الحكَّام منذ اللحظة الأولى، الذين لم يكونوا مصريين بالأساس، طبقة من النبلاء الذين تفوق منزلتهم مرتبة أفراد الشعب، لكنهم في الوقت نفسه تابعون وعبيد للدولة، مهما بلغوا من الثراء والمراتب الإدارية. ولهذا السبب، أفتى الشيخ الجليل «العز بن عبد السلام» السلطان «الصالح أيوب» عندما حاول المماليك التمرُّد وزادت ثرواتهم وسعوا إلى نهب البلاد، أنهم ليسوا إلَّا عبيدًا تحت إمرة السلطان، وله الحق في مصادرة كل أموالهم وبيعهم، بالرغم من أن هؤلاء المماليك يشغلون مناصب الولاية في الدولة ومن ثم لا يجوز لهم تولّي أمور الأحرار. وعلى إثر هذا، تم عزلهم جميعًا. ولتهدئة الأوضاع، اتفق السلطان مع الشيخ «العز بن عبد السلام» على بيع الأمراء المماليك في مزاد علني، ليتم عتقهم ويصادر بيت المال أموالهم.
لكن أكبر فارق بين ساموراي اليابان ومماليك بلاد الشرق، أن المماليك كانوا غالبًا أشباهًا للساموراي في عصور الاضمحلال. ويلاحظ أن أخلاقيات الساموراي الحميدة لا يزال الشعب الياباني يحرص عليها، في حين أن المصريين لا يحاولون محاكاة المماليك.
المقاربة بين الحالتين حقًا جديرة بالاهتمام والدراسة، لكن الأساس القائم في كلتا الحالتين هو الشجاعة ومجابهة الأخطار لتحقيق النصر مهما كانت الظروف.
كلمة تماريها لها غير معنى المبارة الصحيح هو تباريها من المبارة التي تعني الغلبة لطرف والخسارة لطرف آخر وليس تماريها التي تعني الجدال والخصام
ارجو مراجعة معاجم اللغة العربية لمراجعة المعاني، كل التحايا والتقدير
العزيزة نعيمة عبد الجواد: ما ارتكبته اليابان من جرائم امبراطورية ، في الصين خاصة، وبقية المستعمرات عامة في شرق آسيا، لمما يعف عنه اللسان. الزومبي نفسه لن يفعل ما فعلوه، هناك. حتى تقديسهم الوحشي والبدائي لامبراطورهم أولا، وبلادهم آخراً، فيه من السخف والوحشية ما فيه. هل تعلمين أن هتلر تعلم منهم؟ الحرب العالمية الثانية أشعلتها اليابان أولا في آسيا، قبل وقوعها في أوربا بعشرة أعوام. ولكن! نرجسية الغرب، ومركزيته، أعتبرتها حربا هامشية، مقارنة بحروب الغرب. يطول الكلام عزيزتنا… مع خالص الود
أنا لا انتقد دول أو سياسات، كل ما أبغيه هو إيضاح تفاصيل يكثر الاهتمام بها وبشكل مكثف وخاصة بين أجيال الشباب، ولصعوبة فهمها وتعقيدها، قمت بتبسيط الشرح قدر الإمكان. كل التحايا والتقدير