المقهى الدمشقي، يلخص، بشكل خاص، تاريخ القمع المشؤوم، والاستبداد المعمم الذي كان سائداً من قبل، حيث يتجلى، الآن، التعالُم والادعاءات المبهمة والرُؤى اللاتاريخية والصِيَغ الفارغة. فيه، تصدمنا سهولة التكلم عن كل شيء تقريباً، عما نعرف، وعما لا نعرف، وانتشار البلاغة الجوفاء التي لا يمكن إخفاؤها. كل ذلك، كما أتصور، بسبب التقهقر الكاسح للمنطق، ومحدودية الإمكانيات المتاحة للإدراك، بعد أكثر من خمسين عاماً من الطغيان السياسي والمعرفي. المقهى الدمشقي، من هذه الزاوية، يبدو مثل مسرح اللامعقول حيث يسود، في فضائه، التعبير اللامشروط عن المآرب والمخاوف والهواجس المتراكمة منذ عقود. تلك التي تبدو وكأنها تظهر في غير أوانها مثل الحياة التي افتقدت معناها الحقيقي، فتحولت إلى معادلات فارغة. وأهم ما يلاحظ فيه هو أن المشاعر الصادقة، والمحاورات الواعية، والمواقف الواضحة، لم تعد سيدة الموقف بعد أن تراجعت أمام التثاقف والتحايل واللامبالاة. بالطبع، هنا، أيضاً، كما في أي وضع آخر، يوجد العديد من الاستثناءات. لكنها استثناءات ضئيلة التأثير، لا تشكل تياراً في الحياة اليومية، ولا تستطيع فرض نفسها في هذا الفضاء المتخم بالملابسات. ولَعلنا ندرك بسرعة أن فضاء المقهى الدمشقي، أي مقهى، يمثل، بشكل عام، فضاء الشام، الذي يمثل هو، نفسه، الفضاء العربي الواسع. وبكلمات أخرى، فإن مصير دمشق المؤلم الذي نراه، اليوم، ونحسه ثقيلاً مثل جبل من رصاص، يشكل صورة مكتملة، وشديدة التطابق، لمصير العالم العربي الفاجع.
تقيّحَ الجرح السوري طويلاً، وكان لا بد له من أن ينفجر. الصمت القديم، صمت الاستبداد المريع، يحوي كل شيء: ما يسر وما يزعج. وكلاهما سواء. ففي حالة التحرر من الطغيان، تتساوى الأشياء، في البدء، لكنها سرعان ما تفترق. ودمشق، الآن، لا تزال في لحظة هذا الخليط العجيب: خليط المشاعر والمواقف والكلمات الذي يعقب انهيار سدود الطغيان السياسية والاجتماعية. لا قيمة لأي شيء فيها، اليوم، لا للخطأ ولا للصواب. لأن ما تكدس في عقول البشر، وفي نفوسهم، من مقولات ومشاعر تحت ضغط القمع المزمن والمريع، تَحول بفعل الركود القسري إلى ما لا يمكن تعريفه، ولا التكهن به. والآن، بعد فترة الاحتباس الطويل، تلك، هاهو ذا، ذلك الخليط، ينبجس بقوة وبلا قيود، حتى لَتحس نفسك في دمشق تحت وطأة أصوات، وكلمات، وتعابير تتدفق كالسيل في براري الجزيرة بعد مطر عنيف. فمطر التحرر من الاستبداد السياسي والمعرفي الذي انفجر في سوريا بعد أكثر من خمسين عاماً من «الجفاف العقلي» بدأ، الآن٫ بالانهمار.
أول شيء يخطر لي، في هذه الملحمة التاريخية، هو أن أتساءل: «ماذا فعل الطغيان بالعالم»؟ أي بشر هم هؤلاء الصامتون الذين عندما يتكلمون لا يتهَدؤون، وإنما ينفجرون، مثل بركان خامد وصل انحباس طاقته الذروة. عيونهم ملأى بالرُؤى. رؤوسهم محشوة بالأفكار. أفواههم متخمة بالكلمات. وقد كانوا، قبل قليل، يعيشون كل شيء صمتاً. اليوم، لم يعد لَجْم اللسان ممكناً. والكلام فضاح. ولكن، ماذا نقول عندما نتكلم؟ وعما يمكن لنا أن نحكي؟ وهل يملك الكائن السوري، اليوم، دليلاً لكلماته، أو معياراً لأحكامه؟ ماذا يسمع هؤلاء المنهكون من القمع، عندما يصغون، سوى ضجيج أعماقهم المكبوت منذ عقود؟
شيء سديمي يخيفني. شيء لا أدركه هو الذي يعذبني في دمشق، الآن. لماذا عدت؟ أنا لم أعد أريد أن أكذب على نفسي. لم أعد أريد أن أمثل دوراً لا أتقنه. الحياة أهم من ذلك، وأكبر من كل الأفانين والفبركات. يكفي. دمشق، اليوم، هي علامة الاهتراء. اهتراء الكائن والمكان. لا جدوى من التظاهر بعدم الفهم والإدراك.. الحقيقة أهم من التاريخ. وطالما أننا لا نزال نتجاهلها فإننا لن نصل إلى
حيث نريد. أنظرْ! «أنظر الناس أين، وأنتَ أين؟ وأنظر أسفل العين»، وأرى مالا أراه: دمشق بعد خمسين عاماً من الغياب.
خمسون عاماً غياباً، وخمسون كيلاً من الأنانية والقهر والعنف والتوتر ينفجر في وجهك، الآن، في دمشق. تحمله إليك هواجس الناس، وكلماتهم التي بالكاد تدرك مغزاها. المكبوت هو الذي يتكلم. ويتكلم صمتاً أحياناً كثيرة. من النادر أن يعبر الكائن السوري، اليوم، عما يشعر به، فعلاً. إنه يراوغ، يتأنى، يتحاذر، وهو يلفظ كلماته التي تحسه سرعان ما يندم على أنه نطق بها، أخيراً. السري هو الذي يظهر، والمنسي هو الذي يعود، ولا شيء سوى الاستياء والانتظار. انتظار ما لم يعد لانتظاره أي معنى. لأن الحياة التي مرت لا يمكن استعادتها، ولا تعويضها. لا الصمت ينفع، ولا الكلام. صبرنا طويلاً على الطغيان، والآن، غدا كل شيء شبه مستحيل. لا يمكن مقاومة طغيان وَلّى. ولن يعود ما فقدناه. الخسارة أكبر مما تتوقع، ويتوقعون. انسداد كامل في النفوس بلا حدود. مَنْ لا يعرف وله رأي عن كل شيء، يتحاور مع مَنْ يعرف وليس له أي رأي. وأنت تسمع. هم ينظرون إليك بعيون فاحصة، وأنت تبحث في وجوههم عن ما ضيك اللعين. وأي شيء أتعس من هذا البحث اللامجدي؟
كاتب سوري
يا استاذ خليل سأقول لك سرا،. يوم ما سئل والدي صديقه الدكتور جابر عمر (وزير تعليم عراقي اسبق ومفكر عراقي/عربي ) : اي مدينة في العالم تتمنى ان تعيش حياتك، فكان الرد؛ دمشق!! دمشق بستان ، لوحة فنية تشم فيها رائحة التاريخ. المهم الطاغية الأسد؛ يعرف هذه التفاصيل، لذلك عمد الي تمزيق اللوحة بعدما علم ان بقاءه في سدة الحكم مستحيل ، مزق اللوحة لانه قرر ان يعاقب الجميع، السوريون والعرب على حد سواء.. لانه يعرف ان لاحد يستطيع إعادة رسم اللوحة من جديد.. لذلك قرر معاقبة الكل حتى يحين موعد الهروب الكبير… اعدم الكثير، وعذب الكثير، ولكن تمزيق اللوحة حكم فيه الاجيال بالإعدام ؛ فالعائد لن يجد شيء ، لا أثر للمدينة ولا أثر لأهلها حتى لو عاد الجميع. لا أحد سيجد المدينة (اللوحة) الاجيال السابقة التواقة لرؤية دمشق حرة خالية من الطغاة (مثل خليل النعيمي) والاجيال الاحقة التي تبحث عن المستقبل في عيون المدينة، الطاغية ترك بصمته خلفه على فتات لوحة ممزقة اسمها دمشق، لا بل كل سوريا اليوم هي مثل دمشق… لقد قلد الطاغية من سبقه من طغاة أمثال هولاكو… بل فاقهم… فهم محسوبين على الغزاة، وطاغية سوريا؛ كان محسوبا على “قادة الصمود والتصدي.. وتحرير الارض المحتلة).
دع التشاؤم جانبا فليس هذا أوانه، لتعود سوريا لا بد ان نتفائل، ان لم يكن من أجلنا فمن أجل الجيل القادم!
الأمر الحيوي الذي إن وجد يمكن أن يبعث على الإطمئنان هو وجود تيار سائد في المجتمع يؤمن بالديموقراطية والرأي الآخر والتعددية ضمن مشروع الدولة الحديثة، دولة مواطنة وعدالة ومساواة… رأس مال الديموقراطية ليس في صندوق الإنتخابات وإنما في فهم ووعي الناس… الإنتخابات بحد ذاتها مجرد عملية إجرائية لا تعكس وجود الديموقراطية، وإنما يجب أن يسبقها مباديء وقناعات تكون قد رسخت في ثقافة وسلوك المجتمع… الرهان على النوايا فقط يصبح شكل من أشكال السذاجة… الإنسان الحصيف يستطيع أن يميز الخطوات ومآلات المسارات…
تقاس قيمة الشعوب والمجتمعات بمقدار حركة الفكر فيها وبمدى إحساسها بالزمن… فرص بناء وإزدهار تيار سائد في المجتمع يؤمن بالديموقراطية والدولة الحديثة تعتمد على عوامل عدة ومن أهمها وجود نخب فكرية و إجتماعية تقود حراك فكري يلتفت إليه عامة الناس ويعطي معاني وقناعات ونتائج ملموسة… نخب تساهم في بناء الإنسان الحصيف وتحافظ على حيوية المجتمع…
من بقي بحاجة إلى العمل إلى العمال و بكافة الرتب الوطن هو الوحيد الذي يعطي ولا تشعر أنه أخذ خلونا نحس انو النا قيمة في هالدنيا
استاذنا الحر الكريم.. تفنى المدن جميعا ويفنى
كل من عليها، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام..
والان وهنا وفي هذه اللحظة كان كابوسا طويلا وانتهى ..على الاقل في هذه اللحظة.
ولعله لم ينته بعد باعتبار اثاره وركام خرابه
لكنك تملك ان تتنفس قليلا من هواء الحرية
مع الصمت الجميل قدر المستطاع وان
تسبح بحمد ربك من موقع المؤمن الشاهد
المحتسب ولله الامر من قبل ومن بعد..
تحيات طيبة وسلام