“عيد عمال” حزين في غزة.. “القدس العربي” تروي قصص البطالة والفقر والعوز

أشرف الهور
حجم الخط
1

غزة –”القدس العربي”:

في ساحة مدرسة تحولت إلى “مركز إيواء”، وسط قطاع غزة، أسند عمر أبو عليان ظهره على حائط أحد الفصول، وبجواره عدد من رفقاء النزوح، يتبادل معهم أطراف الحديث، عما آلت إليه أوضاعهم المعيشية، ليس بسبب النزوح الطويل فقط، بل بسبب سوء الوضع الاقتصادي، بعدما أوقفتهم الحرب قسرا عن العمل.

ويقول هذا الرجل الأربعيني لـ”القدس العربي”، وسابقا كان يعمل في حقل البناء، إنه فقد عمله في اليوم الأول للحرب، وأن لا أحد عاد للعمل في هذا الحقل، ويضيف “الآن كل ما في غزة تدمير (يتحدث عن الغارات الإسرائيلية ونسف المباني)، ما لنا شغل بالمرة”.

وكغيره من أقرانه اشتكى هذا العامل من سوء الوضع الاقتصادي، وتحدث باستفاضة كيف أثر على أسرته المكونة من ثمانية أفراد، حيث لم يعد بإمكانه توفير أبسط مقومات الحياة لأفراد الأسرة وبينهم أطفال، ويؤكد أنهم يعتمدون منذ بداية الحرب اعتمادا كليا على المساعدات التي تقدم لها في “مراكز الإيواء” من أكل أو أي أشياء أخرى.

ويرى هذا الرجل أن “يوم العمال” يمر كغيره من باقي أيام السنة على سكان غزة، حيث تستمر الحرب والغارات والدمار، ويستمر توقفه والآخرون من أقرانه عن العمل.

وقال إنه عجز سابقا عن توفير ملابس لأفراد أسرته،كما عجز في كثير من المرات عن توفير الطعام ومستلزمات ضرورية أخرى للأسرة، و أكد أن الوضع الحالي يعد الأسوأ بسبب طول الحصار، وأضاف “من فترة طويلة ما استلمنا ولا مساعدة”.

وفي المكان قاطعه أحد رفاق النزوح بالقول إنه لم يعمل سوى أيام قليلة منذ بدء الحرب، مقابل أجر مادي زهيد، أحدها لدى مؤسسة محلية كانت تقيم معسكر من الخيام لنازحي الحرب، وفي أحد المرات عمل لصالح بائع خضار، وقال وقتها حصلت على أجر قليل وبعض الخضروات عدت بها للأسرة. وقد اشتكى  كغيرة بحرقة من سوء الوضع الاقتصادي الحالي، الذي خلفته الحرب، وتحدث هذا الرجل ويدعى أحمد عن عمله السابق في أحد مصانع المنطقة الصناعية شرق مدينة غزة، والتي عملت إسرائيل على تدميرها بالكامل مع بداية الحرب.

وتعمدت إسرائيل تدمير غالبية المصانع والورش في غزة، خلال الغارات الجوية التوغلات البرية أثناء الحرب المستمرة منذ 18 شهرا، كما أدى الحصار الذي تفرضه على القطاع، ومنع دخول المواد الخام، إلى توقف باقي المصانع والورش عن العمل.

ووفق الإحصائيات الرسمية، فإن الحرب أدت إلى إحداث دمار وجزئي في أكثر من 88% من مناطق قطاع غزة، فيما بلغت قيمة الخسائر الأولية أكثر من 42 مليار دولار.

ويؤكد أخر تقرير نشره الجهاز المركزي للإحصاء، ارتفاع معدلات البطالة بشكل كبير، لتصل إلى حوالي 68% في غزة، وأن فئة الشباب كانت أكثر النسب المتضررة، حيث بات حوالي ثلاثة أرباع الشباب بنسبة 74%، خارج التعليم والتدريب وسوق العمل.

وخلال التجول في شوارع غزة، يمكن أن يلاحظ بشكل جلي هذه النسب الكبيرة، بمشاهدة العمال الذين كانوا ينشغلون في أوقات الصباح في أعمالهم، وهم إما يجلسون أمام منازلهم ومناطق نزوحهم، أو يجوبون الأسواق الشعبية، بحثا عن عمل لو بسيط، لتوفير قوت يوم عوائلهم.

الغبار يعتلي الماكينات

وليس بعيدا عن تلك المنطقة التي قابلت فيها “القدس العربي” نازحين من العمال، كان يجلس أمام منزله جمعة صالح، وهو أحد أرباب العمل، حيث كان يدير مصنعا لخياطة الملابس، يعمل فيه أكثر من 20 عاملا.

“القدس العربي” التي تجولت برفقته في هذا المصنع الذي يقع أسفل منزله متعدد الطبقات، لاحظت أن طبقة من الغبار اعتلت تلك الماكينات، التي حاول حمايتها كما يقول في بداية الأمر بتغطيتها حرصا على ضمان بقائها صالحة للعمل، ويضيف “الأمر طول كثير، وما عاد في بال للاهتمام، الشبابيك تكسرت بسبب القصف والغارات القريبة، والكهرباء ما أجت (لم تصل) منذ بداية الحرب، وما في شغل”.

وكان هذا المصنع مختص في حياكة الملابس الرجالية، ويقوم أحد التجار بتوزيعها على أسواق ومحال متعددة في قطاع غزة، وبالكاد يعتاش هذا الرجل حاليا باعتماده على المساعدات الخارجية، وعلى مساعدة من أحد أولاده  الموظفين.

ويقول إنه في هذا الوقت كان لا يسمع إلا صوت الماكينات وأصوات الحرفيين المهرة فترة العمل، إنه لم يعتد منذ بداية التحاقه بسوق العمل قبل 35 عاما، أن استمر كل الوقت الطويل بلا عمل. وتحدث وهو  يحمل بين يديه أحد أحفاده عن صعوبة الأوضاع المعيشية الحالية، التي تعيشها أسرته. وأكد أن أولاده، الذين كانوا يعملون برفقته في المصنع مع أبناء عمومتهم، لم يعد يملكون المال اللازم لشراء حليب أطفالهم الرضع.

وتُظهر التقارير الإحصائية أن العشرات من العمال الفلسطينيين سقطوا ضحايا القصف الإسرائيلي، بينما يعاني آخرون من إصابات بالغة تمنعهم من العودة للعمل.

وقد سجل سقوط عدد كبير من العمال، خلال تواجدهم في أماكن العمل أثناء الحرب، فمنهم من قضى في أرضه الزراعية، وآخرين وهم يجمعون الحطب لبيعه، ومنهم من قضى وهو داخل منشآت صناعية اعتمدت على العمل اليدوي بدل الكهربائي فترة الحرب، واختلطت دماء هؤلاء وآخرهم صبيحة الأول من مايو خلال فلاحة أرضهم الزراعية غرب مدينة رفح.

ويشير مركز الميزان لحقوق الإنسان، إلى أن إسرائيل دمرت ما يزيد عن 90% من المساحات المخصصة للزراعة داخل قطاع غزة، ونسبة 100% من مقومات الإنتاج الحيواني، مما يجعل من الصعب العودة دوران عجلتها مرة أخرى، وفقدان عشرات الآلاف من العمال لمصدر رزقهم.

وأشار إلى أزمة أخرى أثرت على الوضع الاقتصادي في غزة، وهي استهداف القطاع المصرفي وحظر دخول النقد، الذي تسبب بأزمة غير مسبوقة في السيولة النقدية، طالت بتأثيراتها الكارثية جميع مناحي الحياة في ظل تهشيم البنية التحتية للاقتصاد، ما أحدث شللاً في الدورة الاقتصادية ألقى بتداعيات كارثية على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لسكان قطاع غزة.

وبهذه المناسبة، طالب مركز الميزان المجتمع الدولي، بوقف “جريمة الإبادة الجماعية”، وضمان غوث المدنيين الفلسطينيين.

ظروف مأساوية

ويقول المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إنه في الوقت الذي يحتفل فيه العالم باليوم العالمي للعمال، “يمر قطاع غزة بظروف مأساوية نتيجة للحصار الإسرائيلي المستمر، وما خلفته العدوانات العسكرية المتعاقبة من آثار مدمرة على كافة قطاعات الحياة”.

وأكد أن العمال يعيشون أوضاعاً صعبة للغاية بسبب الحرب والحصار، وما تبعه من تدمير للبنية التحتية والمرافق الحيوية، وقال إن هذه الظروف أدت إلى ارتفاع معدلات البطالة بين فئة العمال بشكل غير مسبوق، وأوضح أنه مع تدمير المنشآت الصناعية، والمصانع، ومرافق الخدمات العامة من قبل الاحتلال خلال الحروب، بات العمال الفلسطينيون في القطاع في حالة من العجز التام عن تأمين مصدر دخل ثابت، ويشير إلى أنه منذ بداية العدوان، كانت فئة العمال من أول المتضررين، حيث استهدفت إسرائيل بشكل مباشر المئات من المنشآت الحيوية والمصانع، مما أدى إلى فقدان الآلاف من العمال لوظائفهم، فيما أدى تدمير البنية التحتية على سوق العمل، وجعل من المستحيل على العمال أداء مهامهم في بيئة عمل آمنة.

وشدد على وجوب تدخل المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية، لوقف الجرائم التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي، وطالب بحلول عاجلة تشمل إعادة إنشاء مشاريع تنموية تهدف إلى توفير فرص العمل، وتحفيز الاقتصاد المحلي، وتوفير الدعم الإنساني لتخفيف معاناة العمال وأسرهم.

أما الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، فأشارت في بيان أصدرته إلى يوم العمال يأتي هذا العام يأتي في ظل عدوان غير مسبوق منذ 7 أكتوبر 2023، ودعت لتشكيل لجان طوارئ عمالية في كل من غزة والضفة، لمساندة العمال المتضررين من العدوان المستمر، وإطلاق صندوق دعم وطني وعربي ودولي لتقديم العون للعاملين في مختلف القطاعات التي دمرها الاحتلال.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول فصل الخطاب:

    نتمناه آخر عيد للفلسطنيين تحت الاحتلال الصهيوني الأمريكي البريطاني الألماني الغربي اللعين بحق دماء الفلسطنينيين التي تسقي تراب فلسطين منذ 1948 ✌️🇵🇸😎☝️🐒🚀🔥🌪️

اشترك في قائمتنا البريدية