في رواية «عين الهراتي» للكاتب العراقي خضيّر فليّح الزيدي هناك اشتغال على طبقات سابقة كاشفة عن التواصل الحضاري بين الشعوب والأعراق والأجناس، ودور دول الشرق القديم وحضارتها في اكتشاف القارات الأخرى في الزمن الموغل في القدم. تشتغل الرواية على مساحات الاتصال الحضاري القديم، ومقارنة الماضي بالحاضر الاستعماري القائم على الحرب والصراع، فالماضي يتيح الوحدة في إطار التعدد، والحاضر يتجلى في صراع عرقي دميم انطلاقا من مبدأ القوة. وفي ظل الاختلافات بين قدرة السومريين القدماء على التعايش الحضاري والاكتشاف يظهر الوجود الحالي لدول المشرق التي لا تهتم بتاريخها أو تدوينها اليومي، بسبب الخوف من السلطة، فكل كتابة مهما كان هدفها يمكن تأويلها بسهولة على أنها كتابة ضد السلطة.
وتتوزّع الرواية في ظل ذلك إلى توجهين، الأول منهما يرتبط بمعاينة طبقات التواصل الحضاري من خلال استعادة حادثة مشهورة في التاريخ المعاصر عرفت باسم (سفينة دجلة القصبية)، وهي سفينة قام ببنائها عند شجرة آدم بمدينة البصرة وتحديدا في القرنة عالم الحضارة والأعراق تور هيرالد النرويجي، مصطحبا معه عددا من العلماء من جنسيات مختلفة، منهم الدكتور عبدالغني العراقي المترجم في بداية السبعينيات من القرن الماضي، مستندا إلى فرضية علمية ترى أن السومريين اكتشفوا المكسيك بسفنهم القصبية، وكأنه يعيد حالة الاتصال الحضاري في لحظة صراع آنية. في مقابل هذا التوجّه هناك توجه آخر، يهتم بسرد الواقع وإشكالياته تنحو الرواية فيه باتجاه تصوير السلطة ونظرتها إلى الفرد أو الشعب.
يعاني أصحاب الاتجاه الأخير ثقل الواقع وجهامته وغرور السلطة وتأويلاتها، فهم لا يهتمون بالاتصال الحضاري أو القطيعة، وإنما يهتمون بذوبان الفرد وتلاشي قيمته في ظل سلطة قامعة. تتحوّل الرواية إلى رواية عن هؤلاء المظلومين في أقبية ومحاجر السجون العراقية قبل الغزو الأمريكي الاستعماري للعراق. فقد أبصر بعضهم النظام الذي أوغل في ظلمهم وتجبّر، لكنهم – ربما للآثار السلبية التي لحقت ببعض من نجا منهم – لا يصدقون هذا السقوط، فطوق المشنقة يخايلهم أينما ساروا أو تحركوا، وأصبحت كلمات مثل (الفجر والغد والمنصة) كلمات مربكة لأنها تذكرهم بإعدامهم المؤجّل. فقد فقدوا الإحساس الطبيعي بالأشياء، وأصابهم خوف من التواصل الحر مع البشر والمؤسسات الحكومية.
تنفتح الرواية – فوق كل ماسبق – على التشويق والبحث المضني عن الغرض من صناعة السفينة الخاصة بتور هيرالد، وتوزّع تأويل الهدف بين استعادة الاتصال الحضاري أو التعايش بين شعوب العالم القديم، وتأويل السلطة وكتبة التقارير الانتهازية عن انتماء هيرالد إلى الطائفة المرمونية اليهودية. ولكن حرق السفينة قرب سواحل إريتريا يقف حجر عثرة في قبول هذا التأويل المتهافت والمتطرّف.
تكشف قراءة العمل والوقوف أمام بنياته عن أن هناك هدفا يلوح خلف النص، يتمثل في الفارق الحضاري بين الرغبة الكبرى في التعايش والاتصال بالآخر في زمن السومريين، والزمن الاستعماري الآني القائم على الصراع. فالسفينة- بالرغم من التأويلات العديدة المتهافتة حولها وحول هدف صاحبها- تأتي وكأنها وسيلة احتجاج ضد كل الأطر الاستعمارية التي أخذت شكلها الصريح والقبيح بعد غزو العراق وسقوطها عام 2003.
الرواية صرخة ضد قبح وبؤس العالم، ضد الحرب والصراع والنزاع، فمركب دجلة القصبية – من خلال ضمّها لأجناس عديدة – رمز لإمكانية التعايش والتعاون المشترك. فالصراع في العالم الشبيه بصراع الديوك البائس- عين الهراتي- لن يفضي إلا إلى كوارث وزوال للجنس البشري، وتشير الرواية إلى حضارة الرافدين والحضارة الفرعونية التي بنيت على التعاون الحضاري في لحظات زمنية سابقة بعيدا عن الصراع والاستعمار الآني.
فاعلية الخطاب وغياب الشخصيات
تتمحوّر الرواية حول طالب دكتوراه في التاريخ والحضارة، موضوعه يتعلق بمركب دجلة القصبية ودورها في الاتصال الحضاري، وفي وصوله إلى إتمام بحثه أمامه ركام هائل من الخطابات المتنوّعة، وعليه أن يخلص من كل هذه الوثائق بوجهة نظر علمية. توجهنا الرواية نحو قيمة الخطاب في التعامل مع الحدث الماضي أو الآني، فبطل الرواية الدكتور عبد الغني حاضر بخطابه من خلال دفتره الذي دوّنه، وحاضر فيما يرويه ظلّه الملازم له والمتحدث عنه سمير القاص، لإصابته بمتلازمة أينشتاين أو تعرضه لجلطة بالمخ أفقدته النطق، فتأويل صمته يختلف في بداية الرواية عن نهايتها.
وفي ظل هذا التعدد الخطابي للسرد بين البطل في اللحظة الآنية طالب الدكتوراه، واتصاله بالوثائق القديمة أو شهود العيان الذين مات معظمهم، لا يسلم السرد قياده لطريقة واحدة، ليس بسبب تعدد الرواة، ولكن بسبب تعدد الخطابات. فهناك خطاب الراوي/ طالب الدكتوراه، ويعدّ خطابه الخطاب المهيمن في الظاهر النصي في سعيه للوصول إلى مادته العلمية لأطروحته، وذلك للبحث عن قيمة السفينة الحضارية، ودورها في إعادة القيمة للبلدان والحضارات القديمة، وللبحث أيضا في دوافع وجودها وأسباب حرقها.
وأمام هذا الخطاب السابق هناك خطاب آخر يواجه القارئ بالرغم من وجود صاحبه على قيد الحياة دكتور عبدالغني، وكأن في ذلك إشارة إلى كونه وجودا كالعدم بفعل قهر السلطة وغياب صوته. وهذا الخطاب الذي يعيّن له النص حارسا سمير القاص خطاب مهم، لأن صاحبه كان جزءا من موضوع السفينة، ولأنه – لمعرفته باللغة النرويجية – مترجم صاحبها وبانيها، وكان حاضرا في بداية السبعينيات. وحارس هذا الخطاب يصرّ على الوعي بسيرة صاحب الخطاب ووضعه الإنساني المقهور بفعل السلطة، قبل الكشف عن جزئيات الخطاب، لكي يكمل طالب الدكتوراه رسالته، بعد الكشف عن ما لديه من أسرار.
إن تغييب الصوت في النص، واختيار بديل يقوم مقامه، لا يخلو من هدف يرتبط بأثر تغوّل السلطة، ونهجها الجمعي العام، فيعرض النص من خلال ذلك الإشكاليات الوجودية الخاصة بالأفراد الثلاثة الذين حوّلتهم السلطة إلى هياكل تنتظر حكم الإعدام في محجر صحراوي غير محدد الملامح، فهم – على حدّ تعبير النص السردي – مشاريع محوّ بانتظار الأجل… يتقاسمون العيش مع العناكب. فإذا كانت النغمة في التوجّه الأساسي للنص تتمثل في العناية بالاتصال الحضاري قديما وحديثا مع اختلاف السياقات، فإن هذه النغمة لا تحرّك ساكنا داخل البديل السردي الذي يكشف عنه من خلال وثائقه بشكل تدريجي، لأنه مهتم بنسق الظلم أو طبيعة نظرة السلطة إلى الشعب في إطار النظام الذي تهاوى.
وهناك خطابات أخرى لا تقل أهمية عن الخطاب المتدرّج بحضور وفاعلية البديل السردي، يتمثل في المصادر القديمة والدوريات، وهو خطاب مؤسس في بعث الأصوات الغائبة لحظة بناء السفينة في بداية السبعينيات من القرن الماضي، حتى بعد أن غيّبها الموت. مثل عدد مجلة «آفاق عربية» الذي حصل عليه الباحث بعد معاناة، ومنها – أي هذه الأصوات – صوت تور هيرالد العالم النرويجي الذي قام ببناء مركب دجلة القصبية، فما يقدّمه عدد المجلة أشبه بسيرة ذاتية يقدمها بصوته دون تأويلات، وفيها يتشكّل الهدف المشدود إلى تخصصه في علم الأعراق، وتاريخ الحضارات وعلم الإنسان.
ومن الخطابات الوثائقية الأخرى، الخطابات التي أمده بها الشاهر الكتبي العاشق للكتب والثقافة، منها التحقيق الصحافي، ومنها حوارات هيرالد السابقة على بنائه السفينة، ومنها عدد مجلة «العربي»، بالإضافة إلى الصورة التي التقطها مصوّر السفينة، ونشرتها مجلة نرويجية، ويقدم الشاهر الكتبي قراءة بصرية كاشفة عن التلاحم الإنساني في الليلة التي بدأت فيها السفينة رحلتها متغلبة على الشخصيات المناوئة مثل عدنان الفيّال وعواد الحساد، وأم أحمد الساحرة، وفي وجود وجه غالية الفتاة العراقية التي ارتبطت بعلاقة حب مع تور هيرالد.
الشخصية الوحيدة التي لم تتسلم منصة السرد في الخطاب المحكي في دفتر الدكتور عبدالغني، هي شخصية الماركسي سرحان مجيد، فقد جاء خطاب الدكتور محيطا بإشكاليات سرحان الحياتية، وهلاوسه ومرضه بداء السكري، وأحلامه المخيفة، حتى وفاته، مشيرا إلى أحلامه بالوطن السعيد وأحلامه مع أفراده من الفقراء والكادحين. يأتي فعل الحرق- السفينة وغالية بما لها من دلالة متوثبة تتجاوز الدلالة المادية، بالرغم من اختلاف وجهة النظر حولهما- بوصفه رسالة احتجاج ضد قبح العالم، وقبح من يديرون دفّته بمنطق القوة والصراع بعيدا عن التعايش والتعاون الحضاري.
السلطة وتأويلاتها
إن قراءة النص الروائي تكشف عن أن منطلقا مهما من منطلقاتها يرتبط بالسلطة والشعب، وطبيعة العلاقة بينهما، وقيمة النص في كونه لا يقارب هذا المنطلق بشكل مباشر، لكنه يقاربه بتوجيهنا نحو تلمّس الأثر السلبي الخاص بهذه العلاقة على الأفراد العاديين. وتلمّس الأثر يتجلّى في الإغواء بالسرد والإصرار عليه، من خلال الدفع بالقوّة إلى الإنصات إلى حكايات المحبوسين في السجون والمحاجر، والوعي بمرارة انتظارهم تنفيذ حكم الإعدام مع كل فجر.
تهتم الرواية بالشأن العراقي، ومن ثم تلفتنا دائما إلى هذا السياق الخاص، من خلال عدّة توجهات مثل الإشارة إلى الأماكن مثل بغداد والبصرة والقرنة، وشجرة آدم بقداستها وأساطيرها ورمزيتها عن الصمود والاستمرار والبقاء، والكرخ والرصافة أو الإشارة إلى اسم له دلالات مناوئة في الذهن للحظة الآنية بهزيمتها مثل فندق «اليرموك السعيد»، وكأن في ذكرها إعادة لوجود سامق ولتاريخ ممتد عبر التاريخ، أو من خلال الأطعمة التي يحفل بها النص الروائي، وهي وثيقة الصلة بالمكان، خاصة حين تتحدث عن علاقة غالية الفتاة الريفية البسيطة بتور هيرالد، مثل (خبز اللحم)، و(التمر البرحي)، و(الخرّيط).
وتأسيس السياق العراقي في النص الروائي يوجّه القارئ نحو طبيعة العلاقة بين السلطة والشعب، فالسلطة في النص الروائي التي لم نشعر سوى بأثرها الكاشف عن طبيعتها، تتحوّل من أداة حماية إلى أداة تنكيل، فالنقيب مرّي المنوط به تنفيذ حكم الإعدام في اثني عشر سجينا، لا يعنيه- لحظة اشتداد القصف الأمريكي للعراق وسقوط بغداد- سوى الكيفية التي ترضى عنها السلطة في تنفيذه للحكم، ثم يعود مسرعا إلى ممارسة حياته الطبيعية، والشعب في ظلّ هذا التصور يطلّ بوصفه شيئا لا قيمة له..
أما الشخصيات الثلاث التي تقيم في محجر واحد، وهي عبدالغني والحاج عبد وسرحان الماركسي، فلكل واحدة منها تأويل سلطوي متهافت أوقعها في سياق الإدانة والحكم بالإعدام، وكلها تأويلات تكشف عن الكوميديا السوداء التي تؤسس العلاقة الملتبسة بين السلطة بكل أشكالها والشعب بأفراده العاديين. تأويل السلطة أقرب إلى الفهم المتربّص. فذنب الحاج عبد يتمثل في الإمساك به وهو يحمل رسالة، يمكن تأويلها تأويلا مفرطا، فالرسالة تشير إلى توزيع حبوب العدس على من يستحقها. وقد قبض عليه بسبب رمزية حبوب العدس بالنسبة للسلطة، فهي رمز للمنشورات السرية.
ويمضي النمط ذاته مع الدكتور عبدالغني، حيث يُعثر معه على رسالة من زوجة هيرالد تخبره بوفاته، فيحكم عليه بالتخابر مع جهات أجنبية. أما سرحان الماركسي فتهمته رسالة وصلته من صديقه الماركسي الهارب يحثّه على الهرب، وفي أثناء هروبه أخبر عنه الدليل، وأفسد خطة هروبه. مع هذه التأويلات المتهافتة في تعامل السلطة مع كلّ شخصية من الشخصيات الثلاث، بالإضافة إلى ثبات الأداة وهي الرسالة، ينفتح النص الروائي على الإغلاق والتقوقع الذاتي، ويجعل السفينة بوصفها وسيلة اتصال حضاري وتعايش سلمي متجذّرة داخل بنيته، وتغدو الوسيلة أو الرمز الذي تنبني عليه رؤية الآخر ورؤية الذات بوصفهما المنطلقين الأساسيين لبناء أية حضارة باختلاف اللحظات الزمنية قديما وحديثا وآنيا.
الرواية تحمل إدانة لكل سلطة وطبيعة علاقتها القامعة بشعبها أولا، قبل أن تسيّج إدانة للدول الاستعمارية بوجهها القبيح، ولا تفصل بينهما في بنيتها الروائية، أو من حيث الأثر السلبي في انفصام الدول عن تاريخها الحضاري الضارب في القدم. فالتلاشي أو التداعي الذي يحدث لبعض البلدان في العصر الحديث نتيجة سياسات خاطئة قامعة لأفراد شعبها أولا، ونتيجة للانطلاق من فكرة الصراع العبثي الذي فائدة تجنى من خلاله، سوى أنه يسرع بجلب الخراب إلى هذه البلدان التي تحتاج إلى زمن طويل لإعادة تأسيس الاتصال بهويتها وتاريخها القديم.
خضيّر فليّح الزيدي: «عين الهراتي»
صفصافة للنشر والتوزيع، القاهرة 2026
193 صفحة.