فصول كارثة الديمقراطيين في غزة: إذعان كامل لنتنياهو ومكافأته بالأسلحة وتجاهل لأماني قواعدهم الانتخابية

حجم الخط
0

لندن – “القدس العربي”:

نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” مقالا لبن ردوس، المعلق والكاتب والمسؤول السابق في إدارة بارك أوباما، فصل فيه قصة الكارثة التي ارتكبها الحزب الديمقراطي بقيادة زعيمه السابق، الرئيس جو بايدن في غزة.

وقال فيه إن الرئيس بايدن وبعد أقل من أسبوعين من هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 سافر إلى إسرائيل حيث التقطت له صورة وهو يعانق رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، تعبيرا عن تضامن الولايات المتحدة مع إسرائيل، فيما صارت تعرف باستراتيجية “عناق الدب” والتي انتهجتها إدارة بايدن طوال الحرب، وهي فكرة قامت على تدليل نتنياهو ومنحه ما يريد من أجل منح الولايات المتحدة نفوذا على أفعاله.

ومن خلال هذا النهج وفرت إدارة بايدن وعلى مدى 15 شهرا فيضا من الأسلحة الأمريكية التي استخدمت لقتل الفلسطينيين، وحمت إسرائيل في مجلس الأمن الدولي، مستخدمة الفيتو أكثر من مرة ضد أي محاولة لوقف إطلاق النار في غزة وهاجمت المحكمة الجنائية الدولية لملاحقة نتنياهو، وتجاهلت الإدارة سياساتها الخاصة بشأن دعم الوحدات العسكرية المتهمة بشكل موثوق بارتكاب جرائم حرب، وإلقاء اللوم على حماس لعدم قبول شروط وقف إطلاق النار التي رفضتها الحكومة الإسرائيلية أيضا.

وفرت إدارة بايدن وعلى مدى 15 شهرا فيضا من الأسلحة الأمريكية التي استخدمت لقتل الفلسطينيين، وحمت إسرائيل في مجلس الأمن الدولي

وبدا الديمقراطيون من خلال هذا النهج كمنافقين عندما كانوا يدافعون عن النظام الدولي القائم على القواعد. وقد نفر هذا النهج القواعد الشابة في الحزب الديمقراطي.

وفي عصر المستبدين، ظهر الديمقراطيون بموقف الضعيف أمام رجل حاولوا الولاء له حتى النهاية، فيما دأب نتنياهو على إذلالهم وتلقاه دونالد ترامب بالأحضان.

ويقول ردوس إنه مع تحقيق وقف إطلاق نار هش في غزة وحصول الديمقراطيين على انتصارات مهمة ضد الجمهوريين، فهناك ما يغري لنسيان الحرب في غزة، مع أن هذا من شأنه أن يفاقم خطأ تجاهل أو تبرير واقع لا يطاق.

ففي غزة، يعيش الفلسطينيون وسط جبال من الأنقاض ولا تزال حماس متحصنة، ولا يزال الصحافيون الدوليون يمنعون بشكل روتيني من الدخول لتوثيق الدمار وصوت الكنيست الإسرائيلي (مرة أخرى) لصالح ضم الضفة الغربية، حيث تتصاعد الهجمات الوحشية التي يشنها المستوطنون الإسرائيليون.

لقد انحرفت السياسة الإسرائيلية بعيدا نحو اليمين لدرجة أن إقالة نتنياهو من لن تقود على الأرجح، إلى حكومة معتدلة.

ويعتقد ردوس أن هذا الوضع يمثل قصة شخصية ومؤلمة للعديد من السياسيين والناخبين المهتمين حقا بأمن إسرائيل وسلامة اليهود حول العالم. ومع ذلك، فقد حان الوقت للديمقراطيين للتوقف عن دعم هذه الحكومة الإسرائيلية. فمن خلال التخلي عن نهج عفا عليه الزمن، يمكن للديمقراطيين استعادة قيمهم، وتعزيز تحالف أكبر وأكثر استقرارا والبدء في بناء العالم الذي يريدونه، بدلا من الدفاع عما لا يمكن الدفاع عنه.

وقال إن الديمقراطيين كانت لديهم مواقف مثالية لدعم إسرائيل. فقد رأى لويس برانديز الكيبوتسات الاشتراكية في إسرائيل ملاذا لليهود الأوروبيين وجزءا من جهد عالمي للنهوض بالسياسات التقدمية. وكان اعتراف هاري ترومان بإسرائيل التزاما بأمن الشعب اليهودي بعد الهولوكوست. وخلال الحرب الباردة، احتفظت إسرائيل بوضعها المزدوج كدولة عرضة للخطر وحليف ديمقراطي.

وظل هذا الدعم يتجاهل تشريد الفلسطينيين، مع أنه في واقع اليوم أصبح من الصعب على السياسيين التوفيق بين الرواية التي يروونها عن إسرائيل وواقع حكومة يمينية عازمة على منع قيام دولة فلسطينية وضم الضفة الغربية.

وما عليكم إلا النظر إلى اللغة التي يستخدمها العديد من الديمقراطيين بشكل روتيني. إسرائيل هي “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط” و”لها الحق في الدفاع عن نفسها”. يجب على السلطة الفلسطينية “الإصلاح” وأن تكون “شريكا موثوقا به للسلام” لتحقيق “دولتين تعيشان جنبًا إلى جنب، في سلام وأمن”. وهو كلام لا اعتراض عليه إلا أنها لغة محنطة تذكر باتفاقيات أوسلو عام 1993، التي زعمت أنها قايضت الاعتراف الفلسطيني بإسرائيل بحق تقرير المصير الفلسطيني.

 ويقول ردوس إنه في الوقت الذي عمل فيه في البيت الأبيض في عهد باراك أوباما، كانت إسرائيل قوة عسكرية عظمى إقليمية. وانتشرت المستوطنات الإسرائيلية بشكل كبير في جميع أنحاء الضفة الغربية. وأدى تنامي الحواجز الأمنية ونقاط التفتيش والقيود المفروضة على العمل وحرية التنقل إلى إجبار الفلسطينيين على العيش حياة مقموعة.

وقال إن لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية إيباك، والمنظمات المتحالفة معها أرادت عدم وجود أي خلاف بين الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي، وحملت أوباما المسؤولية وأجبرته على المضي في نفس الخط الذي يريده نتنياهو. مع أن الأخير واصل انتقاد سياسة أوباما الخارجية، وبخاصةً أي جهود لترسيم حدود الدولة الفلسطينية وسعيه للتوصل إلى اتفاق نووي مع إيران.

وقد وضع هذا العديد من الديمقراطيين في موقف حرج، إذ سعوا للحصول على دعم من منظمات، بما في ذلك مانحو أيباك ولجان العمل السياسي التابعة لها، والتي أنفقت عشرات الملايين من الدولارات لمهاجمة سياسات رئيس ديمقراطي وقوضت باستمرار الجهود المبذولة لتحقيق حل الدولتين.

في عام 2009، تظاهر نتنياهو بالحديث عن إمكانية قيام دولة فلسطينية وبحلول عام 2015، كان يعد بأنه لن تكون هناك دولة فلسطينية في عهده. وهذا يجسد عبث المساعي لحل الصراع خلال عهد أوباما. في كلتا الحالتين، بدا نتنياهو مصرا على تحميل الفلسطينيين مسؤولية فشل مفاوضات السلام.

 وباختصار، بحلول عام 2016، كانت نقاط الحديث الديمقراطية تلك، والتي كان ردوس يستخدمها بشكل روتيني، مجرد ستار دخان، مجرد صيغة قديمة تستخدم في واشنطن بدلا من وصف الواقع في الشرق الأوسط.

ترامب تخلى عن إجماع أوسلو ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس وأغدق عليه نتنياهو وأيباك المديح والكلام المتزلف

فإذا كان لدى الديمقراطيين أي أوهام حول نهج نتنياهو في السياسة، فكان ينبغي على إدارة ترامب الأولى أن تحلها.

إلا أن ترامب تخلى عن إجماع أوسلو ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس وأغدق عليه نتنياهو وأيباك المديح والكلام المتزلف. ومع ذلك، عندما أعلن ترامب عن اتفاقيات إبراهيم لتطبيع العلاقات بين إسرائيل وبعض الدول العربية، رحب بها العديد من الديمقراطيين بسذاجة باعتبارها اتفاقية “سلام” على الرغم من أنها لم تنه أي حروب وهمشت الفلسطينيين.

وبعد فوز بايدن بترشيح الحزب الديمقراطي للرئاسة عام 2020، دعم ردوس محاولةً لإدراج عبارة في برنامج الحزب تشير إلى “الاحتلال” الإسرائيلي للضفة الغربية، وتتعهد بتقييد المساعدات لإسرائيل إذا ضمت الأراضي الفلسطينية. وقد رفضت هذه المحاولة، مما عزز الرسالة القائلة بأن الديمقراطيين غير مستعدين لمعارضة السياسات الإسرائيلية حتى لو تعارضت بشكل مباشر مع مواقف الحزب الديمقراطي الراسخة.

وقد كانت إدارة بايدن تعرف أين يقف نتنياهو وأن سياساته استبدادية ضد القضاء والإعلام والمجتمع المدني، إلا أنها ظلت تركز على اتفاقيات إبراهيم، لا سيما مبادرة ضم المملكة العربية السعودية إلى الاتفاقيات دون إقامة دولة فلسطينية.

وقال ردوس إن صدمة 7 تشرين الأول/أكتوبر كان يجب ألا تقود إلى دعم حملة انتقام. فبعد الهجمات، بدأ كبار القادة الإسرائيليين يشيرون إلى الفلسطينيين في غزة بـ”حيوانات بشرية” يعيشون في “مدينة شريرة”، وقطعوا عنهم سبل الوصول إلى الغذاء والماء.

وما حدث للحزب الديمقراطي أنه لم يعرف كيفية فهم وإدارة الوضع، فعندما حثت إدارة بايدن في النهاية على ضبط النفس، وصفت بأنها غير مؤيدة لإسرائيل بما يكفي، واستمر تدفق الأسلحة. وعندما اقتربت من دعم وقف إطلاق النار، أبقى نتنياهو على الحرب للحفاظ على تماسك ائتلافه اليميني المتطرف، حتى مع وجود استطلاعات رأي تشير إلى أن غالبية الإسرائيليين يؤيدون إنهاء الحرب مقابل الإفراج عن الأسرى الإسرائيليين المتبقين. وعندما احتج المشرعون الديمقراطيون، ضخت أيباك والهيئات التابعة لها أموالا للجمهوريين في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية لهزيمتهم.

ومع أن قلة من الديمقراطيين هي التي دعمت سلوك إسرائيل، لكن الكثيرين اختاروا التركيز على قصة الإرهاب الفلسطيني ورفض السلام. هذه الغريزة جزء من المشكلة. نعم، كان ياسر عرفات محاورا صعب المراس في قمة كامب ديفيد عام 2000، لكن هل يبرر هذا التهجير المتواصل للفلسطينيين في الضفة الغربية منذ ذلك الحين؟ نعم، انخرطت حماس في “أعمال إرهابية شنيعة”، فهل يبرر هذا إلقاء قنابل أمريكية الصنع وزنها 900 رطلا على مخيمات لاجئين مليئة بالأطفال؟

ويقول ردوس إن أحدا اليوم لا ينكر أن الحكومة الإسرائيلية منعت وصول المساعدات إلى غزة واستخدمت القوة ضد المدنيين بما يتجاوز قوانين الحرب ودمرت معظم قطاع غزة. وقد دفعت هذه الحقائق العديد من الباحثين ومنظمات حقوق الإنسان وهيئات الأمم المتحدة إلى استنتاج أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية، باستخدام أسلحة زودتها بها الولايات المتحدة وهي وصمة أخلاقية لا تُمحى.

ردوس: إذا كان الطفل الفلسطيني مساويا في الكرامة والقيمة للطفل الإسرائيلي أو الأمريكي، فلم يعد من الممكن دعم هذه الحكومة الإسرائيلية بينما تتستر وراء شعارات مبتذلة عن السلام

ومع ذلك، لا يزال العديد من الديمقراطيين عالقين في منطقة محايدة، متمسكين بحجج واهية منفصلة عن واقع الشرق الأوسط، وصعود الاستبداد العالمي، والتوجه اليميني المتطرف للسياسة الإسرائيلية والأمريكية. فإذا كنت تعتقد أن الطفل الفلسطيني مساو في الكرامة والقيمة للطفل الإسرائيلي أو الأمريكي، فلم يعد من الممكن دعم هذه الحكومة الإسرائيلية بينما تتستر وراء شعارات مبتذلة عن السلام.

وقد أدرك الناخبون هذه الحقيقة، حيث أظهرت استطلاعات الرأي أن ثلث الديمقراطيين فقط لديهم نظرة إيجابية لإسرائيل، بانخفاض عن 73% في عام 2014. فيما عارضت أغلبية الأمريكيين تقديم المساعدة العسكرية للحكومة الإسرائيلية هذا الصيف، ويتفق 77% من الديمقراطيين على وقوع إبادة جماعية في غزة. ويتفق أكثر من 60% من اليهود الأمريكيين على أن إسرائيل ارتكبت جرائم حرب ضد الفلسطينيين في غزة.

بدأ السياسيون الديمقراطيون في الاستجابة. ففي هذا الصيف، صوتت أغلبية أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين على منع نقل الأسلحة إلى إسرائيل. ودعا عشرات الديمقراطيين في مجلس النواب مؤخرا إلى اعتراف الولايات المتحدة بدولة فلسطينية. ويرفض المزيد من الديمقراطيين قبول أموال أيباك ومع ذلك، لا يزال الجدل محتدما، ويتجلى ذلك في رفض بعض القادة الديمقراطيين دعم المرشح الديمقراطي لمنصب عمدة مدينة نيويورك أو التنصل من أيباك أو وقف تسليح نتنياهو.

ومن غير المفيد تناقض حزب مع ناخبيه ومعتقداته المعلنة إلى هذا الحد. وأبسط ما يمكن فعله هو الصواب: رفض تقديم المساعدة العسكرية لحكومة ارتكبت جرائم حرب؛ دعم المحكمة الجنائية الدولية في عملها، سواء كان يركز على فلاديمير بوتين أو بنيامين نتنياهو ومعارضة أي جهد إسرائيلي لضم الضفة الغربية أو تطهير قطاع غزة عرقيا؛ الاستثمار في قيادة فلسطينية بديلة من حماس قادرة في نهاية المطاف على حكم دولة فلسطينية والدفاع عن الديمقراطية في إسرائيل كما في الولايات المتحدة. صحيح، لا بد من وجود غطاء قوي لحركة استعادة الديمقراطية الأمريكية. لكن هذه الحركة لا يمكن أن تنجح إذا كانت خاضعة لجماعات مثل لجنة أيباك التي تمول سياسات اليمين المتطرف.

وتساءل الكاتب إن كان سيؤدي اتخاذ هذه المواقف إلى حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بسرعة؟ لا، لكنها ستقدم مخططا لمستقبل مختلف في الشرق الأوسط، وستجعل السياسة الخارجية للحزب الديمقراطي متوافقة مع قناعاته الأساسية.

كما أن أي توجه سلمي لن يؤثر على يهود الشتات وإسرائيل نفسها، فبسبب أفعالها، تُعاني إسرائيل من عزلة عميقة، وستزداد عزلتها مع استمرار الوضع الراهن. وبدلا من تمكين اليمين الإسرائيلي والاستسلام لأفعاله، ينبغي على الديمقراطيين أن يكونوا مصدر تضامن مع الإسرائيليين الذين يريدون بديلا حقيقيا عن نتنياهو وائتلافه. وهذا يتطلب استعدادا لاستخدام النفوذ، لا وعدا بالتخلي عنه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية