أفلام عديدة، ملفتة ومكلفة، تغص بالأحداث المتسارعة، تدور حول كشوفات علمية تحذر من فناء الوجود البشري على هذا الكوكب. ولأسباب متنوعة، منها الأخطار الخارجية التي تهدد الأرض، كما حدث في عهود ماضية عندما فنيت سلالات من الكائنات الحية كالديناصورات، بينما أفلام أخرى تنذر بخطر داهم جراء تلاعب الإنسان بميزان الطبيعة وتخريبه للبيئة…..
والملاحظ أنه بالرغم من جودة تنفيذ هذه الأفلام ودقة حبكتها، التي تحفز المشاهد وتشده نحو النهاية والحدث المتوقعين جراء مخاطر الارتفاع الحراري، واختلال الميزان البيئي، والتلوث وما ينتج عنه من النفايات السامة وغيرها من الكوارث التي يسهم فيها الإنسان بفساده ليرسم نهاية وجوده؛ إلا أن السياسات الدولية للدول المتقدمة الصناعية لا تفعل شيئاً حاسماً لتتعامل مع خطر داهم نحن سببه، ونشترك برسم مصيرنا الختامي، جميعنا من خلاله.
حقول التكنولوجيا
المصيبة أنه يتنامى داخل عقلية إنسان اليوم أنه بات “قادراً ومسيطراً” على ما يدور حوله في الطبيعة، فبين فترة وأخرى يقفز الإنسان قفزات كبيرة في حقول التكنولوجيا والبرمجيات، وصار بإمكانه السفر خارج الكرة الأرضية أيضاً، ما يمنحه ايحاءً مزيفاً بالقوة القادرة على فعل كل شيء، وهذا بالضبط مكمن الخطر، فمشاعر القوة والسيطرة على قوى الطبيعة، والتصدي لأي أخطار خارجية تهدد الكرة الأرضية، تجعل الإنسان الذي يعيش عصر “العصرنة والتكنولوجيا” يستهين بحجم الأضرار الوشيكة، مراوغاً ومتلاعباً، بل ومنشغلاً بتوافه أمور، ستكلفه بالنهاية وجوده عينه.
ترفد هذه الأفلام المحاولات الحثيثة للعلماء وآخر ما توصلت إليه التكنولوجيا ليتم منع الحدث المأساوي من التحقق، وفي النهاية نشاهد نصراً بشرياً متوقعاً يصنعه الإنسان بإعجاز مبهر ضد ما هو محتوم. لكننا في فيلم اليوم نشاهد صراعاً مختلفاً بين الإنسان والأخطار الخارجية الداهمة التي تحيق به، فهو يتيه في فساده ويضيع في تفاهة ما صنعه بيده، بانزلاقه لمستوى من العبثية واللاكتراث، والانغماس في عالم المنافسة بدلاً من تضافر الجهود ومشاركة العمل لتقف الإنسانية في صف واحد لصالح استمراريتها.
ضمن هذا التصور من الوهم المسيطر، تستمر دورة الإنسان بإفساد البيئة، مع أن الطبيعة تصيح ليل نهار معلنة أنها على وشك أن ينفد صبرها، فقد أرسلت للبشر الكثير من العلائم والإشارات، ليكف الإنسان عن الاستمرار بأذيتها وأذية نفسه، لأنه بالنتيجة سيتضرر من تضررها بشكل حتمي، مهما تذرع أو تصنّع أنه قادر على احتواء أو إصلاح الضرر الذي يقوم به بيديه.
فناء الديناصورات
قد يكون فناء الديناصورات وغيرها من الكائنات الحية في بداية الحياة أمراً طبيعياً، فقد حدث منذ عهد سحيق، ولم يكن للديناصورات عقل أو تفكير، ولم يكونوا ضمن أنظمة متطورة تمتلك الكثير من العقول والعلوم والتكنولوجيا، وتستطيع تطويع وتخفيف المصائب الكبرى، باللجوء لطرائق متفوقة متفرقة دلتها عليها تجارب من حضارات مختلفة، وطرائق تفكير متنوعة، ولكن في الفيلم تحدث الطامة الكبرى، حتى مع وجود كل هذه التكنولوجيا، وكل هذه العلوم، وكل هذه المعطيات الأولية عن مكان وزمن الضربة التي ستسحق الوجود البشري من على وجه البسيطة، لكنه بالمقابل يخضع لابتزاز الساسة وألاعيب الأثرياء المتنفذين، وهذا ما يستفز المشاهد ويدفعه ليتفكر بما وصل إليه.
«الدونالدية الترامبية الشعبوية»
منذ لحظات اللقاء الأولى لبطلي الفيلم، برمز السلطة العليا ممثلة برئيسة الولايات المتحدة سيتضح لنا أولويات تافهة وأدنى من الهم الدولي العام، إذ تتركز لدى هذه الفئة من النخب السياسية المتربعة على هرمية القوى في العالم المتحضر، تصورات تتلخص بتأمين مصالح ناخبيهم ومن أوصلوهم للسلطة فقط. هنا نشاهد سهاماً سينمائية ناجعة تجاه حالة “الترامبية” السياسية التي انسحبت من اتفاقية باريس للمناخ، متذرعة بذرائع تافهة، لها ما لها من تداعيات على مستوى الكرة الأرضية بأكملها، وفي الوقت عينه نشاهد العائلية التوظيفية بشكلها السفيه، حين نجد ابن الرئيسة، كما في حالة “ملينيا ابنة ترامب”، يتم وضعه في منصب خطر يزيد من سوء الأمور وتعقيدها.
في الفيلم، كما هو في عالم الواقع، نجد أن رجال الأعمال يتحكمون ويمتلكون رجال السياسة، بالمعنى الحرفي للكلمة، وهم من يطوعون السياسة حسب مصالحهم، أما رجال السياسة فمرتهنون للأموال التي تضخ لهم في حملاتهم الرئاسية، منشغلون بحسابات الرأي العام ونقاط الرضى عن قراراتهم، يخوضون حروباً عبثية حول إيصال شخصية جدلية لمركز عام يستلزم وجود مستوى أخلاقي يتناسب مع شاغل المنصب فقط ليفرضوا وجوده بسطوة قراراتهم.
الذكاء الاصطناعي
يطرح الفيلم فكرة الرعب من الذكاء الصناعي الذي صار بإمكانه رصد ودراسة كل شيء عن حياتنا، وبالتالي يقدم تصورات عن شخصياتنا وخياراتنا، كما بإمكانه توقع نهاياتنا، ولكنه وبحسب الفيلم، لن يكون قادراً على تحدي الخيارات الشخصية التي تخص الإنسان، مهما وقع بأخطاء شخصية في حياته، وهذا التصور المرعب الذي يتوقعه الإنسان، فما يصنعه ويمنحه “الإذن” بالتصرف في تسهيل أمور حياته، سينقلب عليه ويكون سكيناً يمكن أن تضربه ضربة قاضية حين تصبح في يد أعدائه.
الإعلام الأصفر الرخيص، الرائج والمسيطر: في عالم الإعلام يبدو الترويج للمعلومة، أكثر أهمية من إيصال المعلومة، ولذلك سنشاهد في الفيلم المطالبة بالتدريب لإيصال فكرة اصطدام النيزك للعامة موضوعاً ذا أولوية، يتقدم على فكرة وخطورة توقع انتهاء الحياة قريباً بذاتها، ناهيك عن أننا سنشاهد مواضيع قد لا نتوقع مدى سيطرتها على عقول المتابعين، بالرغم من سطحيتها وسذاجتها وتفاهة طرحها، بالتوازي مع حجم أخطار كثيرة وكبيرة تحيط بالإنسان، من مثيل الجوع والعوز والتصحر والتوقعات بطمر ساحلية مدن كاملة في عالم الحقيقة الواقعية.
نلاحظ ضمن الفيلم أن ربط حدثين أحدهما تافه للغاية، مع حدث وجودي في مجتمع متقدم تقنياً، قامت وسائل الإعلام بتدجينه وتسفيه أفكاره، وتحقير أولويات أساسية من أخلاقه ومسلكياته، أمر مقصود في الفيلم، لإحداث صدمة في عقل المشاهد.
ختاماً: في حال كنت تريد فيلماً على مستوى من الإثارة وتلاحق الأحداث المسبوكة بشكل متسارع، فهذا الفيلم على الأغلب لن يعجبك ولن يرضي ذائقتك، هذا الفيلم مصنوع لتشاهد الرداءة التي لا تتوقع أصلاً أنها ممكنة الحدوث، وعليه كان شطط الأحداث، وتفاهة نقاش الحدث الأكبر المفجع المتوقع، وإقرانه بمقارنات ومفارقات صبيانية، هو شيء مباشر وأساسي في الفيلم، وهو أمر استفزازي مقصود نظراً لحجم الكارثة التي يعيشها عالم الإعلام، فهو العالم المسيطر اليوم على تشكيل الوعي في المجتمع، ويقتحم منازلنا ويتغلغل في عقول أطفالنا.
ولابد أن نقول إن الكم الكبير من النجوم السينمائيين والحاصلين على جائزة أوسكار، من مثيل ميريل ستريب وليناردو ديلكابريو وجينيفير لورانس وكيت بلانشيت ومارك ريلانس أو المرشحين لها من مثيل جوناه هيل، والأداء الغارق بالكوميديا السوداء، خلافاً لما يتوقعه المشاهدون من جدية هؤلاء الممثلين باختيار الشخصيات، تجاه الكارثة الخطيرة المحدقة بالإنسانية جمعاء، كل ذلك كان له أثر سلبي على تقييم الفيلم تجاه فكرته الأساسية من قبل المشاهدين الجديين، ولكنني أعتقد أن صانعي الفيلم وعلى رأسهم آدم ماكيه، الذي ساهم أيضاً بكتابة السيناريو مع ديفيد سيروتا، قد نجحوا بالوصول للعينة المسيطرة من المشاهدين، ممن يهتمون بفيديوهات تافهة، نشاهد عداد مشاهداتها يرتفع لأعداد مهولة ونحن نقف ذاهلين تجاه حجم الفقاعة التافهة المسيطرة في الحياة الواقعية.
كاتب سوري
أحسنت يا أستاذ