يعتقد كثير من النقاد أن هذا الفيلم سيكون باكورة الأفلام التي ستدخل باسم كوسوفو لعالم الأوسكار، خصوصاً بعد الإشادة التي نالها في مهرجان تورنتو 2019، وما تلاها من حصوله على جوائز في مهرجانات مختلفة.
يمكن اعتبار الفيلم تسجيلاً لأحداث شخصية، أو قريبة منها، تم التقاطها من ذاكرة عائلة مخرجة الفيلم، فعائلتها نجت من كوسوفو وحرب البلقان وعاشت منذ أواخر التسعينيات في لوس أنجلوس الأمريكية، حيث درست مخرجة العمل “أنتونيتا كاستراتي” الصحافة والاتصالات في الولايات المتحدة، وبدأت تجربتها بتسجيل أفلام وثائقية بسيطة وقصيرة، لتدخل بعدها عالم الإخراج عبر هذا الفيلم الطويل.
ضحايا الحرب المؤلمة
يبدو الفيلم من النوع الهادئ، لكن بقليل من التمعن يمكن ملاحظة الكثير من الاضطراب الذي يسكن شخصيته الرئيسية، التي تتسم بالهدوء والجاذبية ظاهرياً، لكنها تعيش مخاض انهيار على المستوى الداخلي، فحياتها تم كسرها منذ وقوع جريمة قتل طفلتها “زانا”، التي تمت ببرودة أعصاب من مجرمين لا ينتظرون عقاباً أو حتى تأنيباً على فعلتهم الشنيعة، ولم يقدم الفيلم أي معطيات عن الظروف القاهرة التي ذهبت بموجبه ضحية بريئة من ضحايا الحرب المؤلمة التي عاشها أبطال الفيلم.
“زانا” هو أيضاً اسم لمدينة صغيرة تتموضع في بيئة ريفية جميلة وبسيطة في إقليم كوسوفو، الإقليم الذي كان تابعاً قبل الحرب العالمية الأولى للدولة العثمانية، وبعد انهيار الدولة العثمانية أصبحت كوسوفو بحكم جغرافيتها، جزءاً من جمهوريات يوغسلافيا ذات الإتحاد الفيدرالي، ثم كنتيجة لتعاظم التعصب للقومية الصربية قام “سلوبودان ميلوسوفيتش” بإخضاع كوسوفو لإدارته المباشرة، بعد أن كانت قد تحلت سابقاً بموجب الدستور، بالحرية بإدارة شؤونها الداخلية والحكم الذاتي، وعلى إثر هذا الفعل قام فصيل كوسوفي بالانتقام من السلطات اليوغسلافية على فعلها التعسفي، فردت عليه الدولة برد عسكري كاسح تسبب بقتل وتشريد عشرات الألوف من المدنيين، ومع اندلاع حرب البلقان جراء خروج الكوسوفيين من الاتحاد الفيدرالي مع يوغسلافيا سابقاً، تشكلت حركات المقاومة التي طالبت باستقلال كوسوفو، والذي تم بالفعل بمساندة من الناتو، عام 2008.
ديكتاتورية تيتو
وقد كتب السياسي “هنري كيسنجر” في مجلّة نيويورك في تحليلِه لأسباب النزاع في إقليم كوسوفو قائلاً: “حرب كوسوفو هي نتيجة نزاع عمره قرون جرى على الخط الفاصل بين الإمبراطوريتين النمساويّة والعثمانيّة، بين الإسلام والمسيحية، بين القومية الألبانية والقومية الصربية. فتلك الجماعات الإثنية لم تتعايش بسلام إلّا حين كان التعايش مفروضًا عليها من الحكم الأجنبيّ أو من ديكتاتورية تيتو”.
سنشهد عبر أحداث الفيلم اجتماعاً احتفالياً يتم فيه تأبين الضحايا الذين سقطوا في الحرب ليصل المحتفلون اليوم لاستقلالهم الذي ناضلوا طويلاً من أجله منذ بدايات محاولاتهم للاستقلال عن الدولة العثمانية.
الشخصيات الأساسية بالفيلم طبيعية على المستوى الاجتماعي الواقعي، وليست شخصيات مركّبة، وبالإمكان مشاهدة العمة الحماة على سجيتها، تحاول وسعها إتمام سعادة ابنها برؤية ذريته، بالتوازي مع مساعدة زوجته ضمن الحدود الممكنة، فهي ترفض الإصغاء لتشخيص طبيب عام أن مشكلة زوجة ابنها قد تكون نفسية، لما تحمله المفردة من وصمة اجتماعية سلبية، لتحاول علاجها مع المشعوذين، وبالوقت نفسه تحاول أن تطرق لابنها باب الزواج الثاني.
الزوج أيضاً يحاول وسعه مساعدة الزوجة الغارقة في مأساة فقدها، فيبيع ما لديه كي يحافظ على زوجته التي يحبها، ولكنه يبقى رجلاً ولصبره حدود ما.
الزوجة، صاحبة المصيبة الكبرى والشخصية الرئيسية التي تدور حولها الأحداث، تقدم رمزية ألف باء الشخصية التي تمتلك كل أسباب البقاء في الحياة، من الاستقرار لمحبة ومساعدة من حولها لدفعها للنهوض من جديد ومعاودة مسار حياتها، بعد خسارتها لابنتها البكر والوحيدة، ولكنها تسقط في بئر سحيق لا قاع له من الكوابيس والإحباط واليأس جراء فاجعة ما بعد صدمة الفقد، وما رافقها من أحداث دموية صادمة خاضتها كوسوفو مع جنود الصرب الذين تم إرسالهم وأحدثوا كل تلك المهالك والفظائع التي لا تغادر ذهن من شهدها، أو كان ضحية لها بشكل مباشر أو غير مباشر.
مسار الأحداث
ترسم المخرجة مسار الأحداث بشكل متسق منطقياً، يتخلله بعض المشاهد من الذاكرة التي تستحضر فيها ما يعزز رمزية الحدث الذي يحتاج لتوضيح حين تغيب عن المشاهد خلفية المشهد، فحين نشاهد انهيار الزوجة بعد مشاهدتها بالخطأ، لأحد أفلام الفيديو المسجلة، نعلم أنه كان قد تم الاحتفاظ بتلك الأفلام كقرائن موثقة لتحصيل حقوق القتلى والضحايا في محكمة لاهاي، ليبدو السؤال المنطقي أمام المشاهد هل كان الاحتفاظ بهذه القرائن شأناً عبثياً؟ خصوصاً مع وضعية الضحايا، أياً كان اسمهم ومكانهم وحال جلاديهم والمجرمين الذين تسببوا بقهرهم وانكسارهم، وشيئاً فشيئاً ستبحث عن محاكمة “سلوبودان ميلوسوفيتش” الذي اعتقل ومات في السجن، وستجد أن المحكمة الدولية قد أصدرت في شباط – فبراير 2007، حكماً منفصلاً في قضية الإبادة الجماعية البوسنية أنه “لا توجد أدلة تربط صربيا وميلوشيفيتش بالإبادة الجماعية التي ارتكبها صرب البوسنة في الحرب البوسنية. غير أن المحكمة رأت أن ميلوسيفيتش وآخرين في صربيا خرقوا اتفاقية الإبادة الجماعية بعدم منعهم حدوث الإبادة وعدم تعاونهم مع المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة في معاقبة مرتكبي الإبادة الجماعية”.
كان هناك الكثير من الصور الرمزية التي استخدمتها المخرجة لتعزيز فكرتها حول استمرارية الحياة أو التوقف عند حد معين، فالثلج كان يحمل رمزية كبيرة في الفيلم وبالأخص في ختامه، فهو يذوب في نهر الحياة الجاري فيكون عامل تعزيز لاستمرار الحياة، لكن لو تُرك ليصبح جليداً فقد يعوق الحياة ويقتلها.
رمزية الزواج الثاني وقبول الزوجة بالموضوع، حتى لو كان نتيجة القهر، بالتوازي مع الخصوبة والرغبة بالإنجاب وأعباء الذاكرة التي تطفح بمشاهد القتل، ما تسبب بالعقم، لقد تم ربط هذه الرمزيات لتكون بمثابة خطوات لترك الماضي وأثقاله، والتخلص من أعباء القتل والكوابيس اليومية التي تجعل المرء يحمل صخرة سيزيف حتى نهايته الحتمية والوقوع في حبائل الإعياء والانهيار.
اللجوء للسحر والشعوذة لمواجهة الاكتئاب هو عين اليأس وعين القهر الذي سيقود أبطال الفيلم لمصائرهم في حالات معقدة من التعب والإجهاد النفسي الذي لا يحمل صاحبه علائم البتر أو التضرر الفيزيائي البدني المباشر، وغالباً يتم التعامل مع هؤلاء الضحايا وكأنهم أصحاء غير متضررين من مشاهد القتل والتهجير والأذى وهو ما يفاقم حالاتهم.
ختاماً، لابد من الإشارة أن “كيسي كوبر جونسون” قد شارك المخرجة بكتابة نص الفيلم.
وقد قام ببطولة الفيلم “أدريانا ماتوشي” فجسدت دور البطلة والضحية بشكل ملفت بدون تصنع أو تكلف، وشاركها البطولة “أستريت كاباشي” بدور الزوج، و”فاتمير ساهيتي” بدور أم الزوج. كما تم تصنيف الفيلم تحت باب دراما الغموض والتشويق. أما اللغة المحكية في الفيلم فهي اللغة الألبانية.
كاتب سوري