فينيسيا ـ «القدس العربي»: افتتح مهرجان فينيسيا في دورته الرابعة والسبعين (30 أغسطس/آب إلى 9 سبتمبر/ أيلول) بفيلم «انكماش» للمخرج الأمريكي ألكسندر باين. يأتينا باين بعد غياب دام أربعة أعوام بعد آخر أفلامه «نبراسكا» (2013) بفيلم يخرج فيه عن إطاره المألوف ليدخل عالم الخيال العلمي الممتزج بالكثير من السخرية ليقدم من خلاله رؤية إنسانية طموحة ونقدا لاذعا للإنسان والبشرية.
يقدم الفيلم فكرة رئيسية جذابة وملهمة وتتخلله الكثير من الومضات الذكية بالغة السخرية، والكثير من لحظات النقد الساخر من الإنسان عموما، ولكن رغم العناصر الجذابة واللمحات الذكية، لا يقدم باين في نهاية المطاف رؤية كاملة ناجحة. يتراوح الفيلم بين لمحات ذكية تثقلها طموحات فكرية ضخمة، وينتهى بنا الحال إلى فيلم مفتقر للزخم.
يبدأ بفكرة رئيسية ثاقبة وشديدة الجاذبية: فريق من العلماء في النرويج يتوصل إلى الاكتشاف الفذ الذي يمكنه أن ينقذ الكون والبيئة والبشرية. استهلك الإنسان موارد الطبيعة وأنهك الأرض وألحق بمناخها الكثير من الضرر، والحل السحري لإنقاذ الأرض: تقنية جديدة لتصغير حجم الإنسان وانكماشه، ليصبح في حجم دمية صغيرة يمكن حملها على راحة اليد، وبهذا الحل السحري يمكن أن يحد الإنسان من استهلاك موارد الأرض ويحميها من التلف.
وبعد نقل اللحظة التاريخية لمجموعة من الرواد الذين ضحوا بالحجم لإنقاذ البشرية، ينقلنا باين إلى ما بعد ذلك بعشرة أعوام، حينها تكون الفكرة قد خرجت تماما عن إطارها المثالي لتتحول إلى ظاهرة استهلاكية من الطراز الأول. تسعى أعداد متزايدة من البشر لتصغير حجمها حتى تتمكن من العيش في حياة الترف واللهو الذي ما كان بإمكانها الانغماس فيه لو كانت في الحجم الطبيعي.
تراود فكرة الانكماش زوجين من أوماها الأمريكية هما بولو أودري سفرنيك (مات ديمون وكريستين ويغ). هما زوجان عاديان لا تختلف حياتهما كثيرا عن حياة الآلاف من الأسر الأمريكية متوسطة الحال، حياتهما تخلو من السعادات الكبرى أوالمنغصات الضخمة، وهمهما الرئيسي هو أن يكفي الدخل لدفع القسط الشهري لثمن المنزل. هربا من الضغط المالي وسعيا وراء الحلم الاستهلاكي الأمريكي الأعظم، يقرر الزوجان إجراء عملية الانكماش حتى يتثنى لهما العيش في قصر فاخر وبحبوحة من العيش لا يتيحها إلا الحجم الصغير.
النصف الأول من الفيلم يزخر باللحظات الكوميدية التي نضجفيها بالضحك، كتلك اللحظة التي تفقد فيها بول سفرنك جسد هو أعضاءه الذكرية بعد عملية الانكماش، أو كتلك اللحظات التي تجمع بين أصدقاء بحجمهم الكبير بأصدقاء انكمشوا حجما، أو كتلك المشاهد عن الدعاية للمنتجعات السكنية لصغيري الحجم.
في هذه اللحظات ينجح باين في استخراج ضحكات صافية من الجمهور، ولكنها ضحكات هادفة أيضا، فنحن نضحك لإدراكنا ذلك التحول المذهل للفكرة النبيلة إلى فكرة استهلاكية من الطرازالأول.
في النصف الثاني من الفيلم تتشعب الخطوط السردية، ويذهب بنا باين من مسار إلى آخر ومن حبكة فرعية إلى إخرى فيضعف تأثير الفيلم ويترهل تحت وطأة كل ما حاول مخرجه أن يحملهمن أفكار وطموحات.
يدخلنا من عالم عجيب إلى آخر عن طريق بول الذي يحاول التأقلم مع عالمه الجديد في دنيا صغارالحجم بعد أن هجرته زوجته. بول عادة سلبي وغير مقدام، ولكن الأقدار تنقله من رحلة إلى أخرى داخل عالم الصغار، ليكتشف أن ذلك الذي يسكنه المنكمشون لا يقل جورا وتعسفا ومجونا وفسادا وتفاوتا في الثروة عن عالم الكبار.
يسعى مات ديمون قدر الإمكان أن يلعب دورا مؤثرا في أدائه لشخصية بول، ولكن تفكك البناء السردي للفيلم وتشعب مساراته يحول بينه وبين ذلك.
أبرز شخصيتين يلقاهما بول في مسيرته، وهما أيضا الشخصيتان اللتان تبقيان في ذاكرتنا بعد انتهاء الفيلم هما دوسان (كريستوفوالتز)، ذلك الجار الذي يعيش حياة الترف والحفلات والفتيات والليل والسهر، ونغوك لان (هونغ تشاو)، المرأة الفيتنامية التي تنظف منزله. عن طريق دوسان ولأن يدخل بول عوالم ما كان لشخص لا يراوح مداه المألوف أن يدخلها. دوسان هو مثال عقلية رجل الأعمال الماجن، ذلك الذي يجد فرصة في كل شيء لخلق المزيد من الربح دون بذل الكثير من الجهد.
أما نغوك فهي معارضة فيتنامية عاقبتها السلطات بالسجن وتصغير الحجم، تفر إلى أمريكا، ولكنها تبقى على نقائها الثوري وعلى دفاعها عن حقوق الإنسان.
يدخلنا باين في المسارين ويدخل بول فيهما، ولكن الطريق يضيع منا وسط كل هذه التشعبات، ويفقد الفيلم الكثير من زخمه. يغرقنا الفيلم في الكثير من التفرعات والتشعبات والكثير من الحوارات والأحاديث التي يقصد بها إثارة اهتمامنا وتعاطفنا مع الكثير من القضايا، ولكن ما يحدثه الفيلم من تأثير مناقض تماما لإثارة الاهتمام، حيث نغرق في الأحاديث التي تفقد بريقها وطرافتها وتأثيرها.
ليت باين اكتفى بفكرته الرئيسية في الفيلم وليته التزم بالمعنى الحرفي لكلمة انكماش التي اتخذها عنوانا لفيلمه، ولم يتخم الفيلم بالكثير من الأفكار المبتسرة.
ننهي مشاهدة الفيلم وقد تراكمت في رؤوسنا أشباه أفكار ومرت على أعيننا شذرات مشاهد، ونتمنىلو أننا بقينا مع فكرة رئيسية واحدة ذات مغزى يبقى في العقل والذاكرة.
نسرين سيد أحمد