في الجزائر… أغنية لا يطلبها أحد

حجم الخط
21

ما تزال محطات الراديو المحلية في الجزائر، تستجدي المستمعين بأن تقترح عليهم الأغاني التي يطلبونها، تميل إلى هذه الحيلة في استقطاب الناس إلى برامج لا علاقة لها بالغناء، في بعض الأحيان، قد نجد أنفسنا حيال برنامج مسابقات أو برنامج رياضي، وقصد ملأ الفراغ والتمويه عن ضعف المذيع، يستقطبون الناس ببث الأغنيات التي يرغبون في سماعها، وإذا عاينا ما يطلبه المستمعون فإنهم ـ في الغالب ـ يصرون على أغانٍ مشرقية أو غربية، أو أغانٍ جزائرية من موسيقى الراي، أو المألوف أو الشعبي، لم يسبق أن طلب مستمع بث أغنية وطنية، هذا النمط من الأغاني الذي لم يعد له جمهور، ولا أحد يهتم بالعودة إليه، مع ذلك فإن الإذاعات ومعها التلفزيون، تبادر إلى تقديم هذه الأغنيات الوطنية الحماسية، غير مستوعبة أن زمنها قد انتهى، وأن لا أحد يهتم فعلاً بالاستماع إليها.

التذكير بالماضي

في كل مرة ترغب إدارات الإذاعة والتلفزيون في تذكير الناس بالماضي، تسحب من الأرشيف أغاني قديمة، عن الثورة ومآثرها، لا يوجد جيل من الجزائريين لا يحفظ عن ظهر قلب تلك الأغاني، التي تتشابه في ما بينها في كلماتها وفي ألحانها، ومن كثرة تداولها باتت لا تحمل أثراً في المسامع، فمتى ندرك أن زمن الأغنية القومية قد انتهى؟ إن استعادتها ليس سوى حشو، وإن الموسيقى شيء آخر؟ وإن ما يوحد الجزائريين ليس تذكيرهم، كل مرة، بماضِ لم يعيشوه، إنما سمعوا عنه فقط، بل يوحدهم ابتكار مستقبل يجمع بينهم.
حرب التحرير (1954-1962) هي الحدث الأكبر في تاريخ الجزائر المعاصر، سيرتها في كل مكان، في كتب مدرسية، في السينما وفي خطب الجمعة أيضاً، في أغانٍ لم تمل من التناسخ ومن تكرار ذاتها، أغانٍ تستلهم كلمات من قاموس واحد، يحفظه جل الجزائريين، تستعين بعبارات من قبيل: الجبال، الثورة، أوراس، جرجرة، بن مهيدي، بوحيرد، وغيرها، من كثرة تداولها حفظتها الألسن والقلوب، والإصرار عليها لم يعد يثير فضول ولا شغف أحد، فكلما حاولت السلطة التأكيد على المشتركات بين الجزائريين، ملأت سمعهم بتلك الأغاني، استحضرت الماضي، بدل أن تشاركهم في صنع حاضر أو التفكير في مستقبل مشترك، بتنا نعيش في النوستالجيا لا في التشريع للأيام المقبلة، نحيي الشهداء والموتى بدل أن نحيا حياة مستقيمة ونرفع من حق الأحياء في عيش كريم.

ما هو الغرض إذن من بث هذا النوع من الأغاني، كل مرة، على الرغم من أنها لا تحظى بإجماع؟ السبب الوحيد هو رغبة رسمية في حشد الناس حول الرواية الوطنية، تذكيرهم بالماضي كي يتحملوا محن الحاضر، ولا يبالغوا في طموحاتهم إزاء المستقبل.

يُقاوم الجزائري حياة ضنك، مستبسلاً ضد كورونا، وشح مواد أساسية، غذائية أو طبية، بينما آخرون بدل أن يرأفوا بحاله، ويمدون له يد العون، يصرون على تذكيره بمقاومات السابقين، في الجبال ضد الاستعمار، بات الجزائري مضطراً للتفكير في حلول لمشاق العيش باستعادة الماضي والاستمساك به، لا بمنازلة راهنه، وطرح بدائل من أجل مستقبل أفضل. يعيش مثل حلزون عنيد في قوقعة الماضي التي تحجب عليه النظر إلى الحاضر. تلك الأغاني الوطنية، التي تملأ الإذاعة والتلفزيون، بمناسبة وغير مناسبة، تتغنى بمقاومة جماعية منتصف القرن الماضي، تتحدث عن توحد أفراد، بينما الجزائري اليوم يعيش مقاومته وحيداً، كل مواطن على حدة يبحث عن خلاص لنفسه، لذلك فإن تلك الأغاني والأناشيد لا تعني له شيئاً، لأنه يسبح في واقع مخالف تماماً للواقع الذي كتبت عنه تلك الأغاني.
لا يمكن أن نصنف تلك الأغاني بوصفها ظاهرة موسيقية، بل هي بالأحرى ظاهرة اجتماعية، غايتها كسب الجماهير لا الإعلاء من قيمة الفن، في أكثر الأحيان يتداول عليها مغنون رجال، بأصواتهم من طبقة الباريتون، التي ترتفع مرات في محاولة منهم وصول طبقة أوبرالية، لكنهم يظلون عاجزين عن ملائمة الأصوات مع الإيقاع، فالإيقاع في غالبه حربي أو خفيف، يسير بين متناقضين، والشيء اللافت في هذه الأغاني هو الكلمات المنتقاة من سجل تحفيز إنزيمات الفخر المبالغ فيه، لا إنزيمات التأمل والتفكير والنقد.
يبدو أن مغنيي الأناشيد الوطنية غير مقتنعين بما يفعلون أيضاً، لم يسبق أن صادفنا واحداً منهم أصدر ألبوماً كاملاً في هذا النوع، أو على الأقل أصدر أغنية واحدة في كل ألبوماته، في جل الحالات يكتفون بعمل يتيم، بغرض بثه من الراديو والتلفزيون، ثم ينصرفون في تأدية أنماط أخرى، يستمع إليها الناس، يعلم هؤلاء المغنون أن الأغنية الوطنية لا تدر لهم ربحاً ولا شهرة، بل يكتفون بالحد الأدنى منها، قصد الترويج لأنفسهم في وسائل الإعلام الحكومية، لا أكثر، إدراكاً منهم أنه لا يوجد جمهور لهم من الجيل الجديد، ومن يستمع لأغانٍ وطنية، أشخاص تجاوزوا الخمسين أو بعض أحفاد قدامى المجاهدين، فهي أغان تشوبها مسحة حزن أو خشوع أكثر مما تشوبها مسحة فرح أو تحفيز على الرقص.

كسب تعاطف شعب

ما هو الغرض إذن من بث هذا النوع من الأغاني، كل مرة، على الرغم من أنها لا تحظى بإجماع؟ السبب الوحيد هو رغبة رسمية في حشد الناس حول الرواية الوطنية، تذكيرهم بالماضي كي يتحملوا محن الحاضر، ولا يبالغوا في طموحاتهم إزاء المستقبل. رغبة رسمية في تذكيرهم بأن النظام أوصلهم إلى الاستقلال، وذلك أمر كفيل باتباعه لا عصيانه، فهذا الضخ المستمر للأغاني الوطنية ليس له غرض سوى كسب تعاطف شعبي، وتبرير الأزمات التي يمور فيها المواطن، كل يوم. «الأرض» و «الدم» من الكلمات التي تتكرر في الأناشيد الوطنية، مع أن الجزائري لا يود سوى عيش في سلم بعيداً عن الدم، تأتي الأغاني الوطنية كمكمل للنشيد الوطني، مع أن الواقع يثبت أن تأثيرها يكاد يزول، ويكفي النشيد الوطني وحده في تذكير الجزائريين بصلاتهم في ما بينهم، لاسيما أن غالبية هذه الأغاني كتب عقب الاستقلال، لا خلال الاحتلال، ما يعني أن مغنيها على مسافة واحدة من حرب التحرير تماما مثل المستمع، بالتالي لا غاية منها سوى الترويج للمغني عينه، لا إشراك المستمعين في عمله.

روائي جزائري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول aleb aissaoui:

    إذا اردت ان تنتقد نظام الحكم في الجزائر وتشويه صورة البلد تحت عنوان ثقافي فلتكن لك الشجاعة والدخول في الوضوع مباشرة انا من اسرة ومنطقة ثورية لا ارى غرابة في عدم طلب الأغاني الوطنية للترويح عن النفس اما بالنسبة لندرة المواد الأساسية فلا وجود لها صحيح هناك مضاربة واحتكار وحتى غلاء ولكن ندرة فلا الباقي البلد يعاني كما يعاني كل العالم من تأثيرات كورونا….ولا غالب إلا الله

  2. يقول Abdelhamid Dehane:

    سياسة او ثقافة ؟
    مازلنا نحن الى ماظينا المجيد و تا ريخنا العضيم.

  3. يقول مريم:

    الاناشيد الثورية هي تعبر عن وجود وكينونة لبلد ما وخاصة الجزائر وما ادراك مالجزائر نحن نفتخر ببلدنا وتراثنا واصالتنا وكل ما يتعلق بتاريخنا العريق وخاصة ثورة التحرير المجيدة سنبقا اوفياء لها ولشهدائنا الابرار وانا شخصيا احب الاستماع لكل الاغاني الثورية والاناشيد الوطنية وساعلمها لاولادي واحفادي إنشاء الله وحب الوطن من الايمان

  4. يقول علي الامازيغي:

    الاغنية التي يطلبها الجزائريين هي الشعب الجيش خاصة خاصة، وان تو ثري فيفا لالجيري

  5. يقول ميلود:

    من زعم أنه بإمكانه الوصول إلى المستقبل بعيدا عن الماضي فحاله كمن يدعي أنه وُجد من غير أب ، حيث ظل محتوم عليه حين ولوج دار المستقبل أن يثبت هويته ولو بالتبني لأنه لا مكان هناك لعديمي الهوية.

  6. يقول ميلود:

    من زعم أنه بإمكانه الوصول إلى المستقبل بعيدا عن الماضي فحاله كمن يدعي أنه وُجد من غير أب ، حيث ظل محتوم عليه حين ولوج دار المستقبل أن يثبت هويته ولو بالتبني لأنه لا مكان هناك لعديمي الهوية.

  7. يقول غزاوي.:

    مجرد تساؤل.
    هل تطالب الجزائريين بنسيان ماضيهم كما طلب أعداؤهم وخصومهم !!!؟؟؟
    بعض الأشخاص في الجزائر عندما عجزوا أن يمتهنوا أي نشاط محترم يقتاتون منه احترفوا المعارضة إلى درجة طعنوا في المقدسات ليسمعوا أصواتهم.
    الكاتب شاهد أن هذه الأغاني لا تدر مالا على أصحابها وهذا دليل أنهم لا يسعون خلف المال من ورائها بل لشيء أخر لا يعرف الكاتب ولا يحس به.
    جاء في المقال ما نصه:
    ملأت سمعهم بتلك الأغاني، استحضرت الماضي، بدل أن تشاركهم في صنع حاضر أو التفكير في مستقبل مشترك.” انتهى الاقتباس
    من لا يعرف ماضيه يضيع حاضره ولا يدرك مستقبله.
    جاء في المقال ما نصه:
    “والشيء اللافت في هذه الأغاني هو الكلمات المنتقاة من سجل تحفيز إنزيمات الفخر المبالغ فيه” انتهى الاقتباس
    كثير من الشخصيات والقامات العالمية اختارت أن تكون جزائرية أو تمنت أن تكون كذلك.
    صحيح أن ماضي الجزائريين مصدر فخر لكنهم لم يفتخروا بها كما يجب عكس ما روج له الكاتب.
    دولا مجدت الاستعمار ودولا افتخرت بالعبودية ودولا غنت للعنصرية وأنت يا أستاذ تستكثر على الجزائريين أن يفتخروا بماضي مجيد قليل من الدول صنعته.

  8. يقول سمية:

    معك حق في أنها عن ماض لم نعشه لكن كيف لا نتغنى بها ولا تلمسنا معانيها في حين أننا لا نزال نعاني من آثار ما خلفه ذلك الماضي لحد هذه الساعة؟
    ملاحظة: صادفت هذا المقال بعد بحثي في غوغل عن اناشيدنا القديمة والتي كانت في البرنامج التعليمي الجزائري من 2000 الى 2008 ومن بينها الأناشيد الثورية “التي لا يطلبها أحد”

  9. يقول نس عرب:

    لماذا تطلب منا الإنقطاع عن ماض حقيقي والتغني فقظ بمستقبل مجهول. المستقبل يصنعه الماضي لأنه امتداد إليه وتعودنا دائما أن نسمع هذه الأغاني في الأعياد الوطنية وتترك فينا نكهة خاصة . ارى أن قلمك مسموم كيف تهاجم شيئا يتعلق بالذاكرة والهوية بحجج ضعيفة
    أما في الإذاعة طبيعي أن يطلب الإنسان التنوع في مسامعه

  10. يقول امحمد الأول:

    لأن أغاني الوطن والثورة صارت بالنسبة لشباب اليوم مثل حكايات الجدات في زمن العولمة.

1 2

اشترك في قائمتنا البريدية