في حداثة الشعر العربي المعاصر : «أنشودة المطر» بين تعدد المناهج وإغفال المراجع

بعد كتابه القيم «في طريق الحداثة» 2019 يواصل نايف العجلوني في إصداره الجديد «في حداثة الشعر العربي المعاصر» تتبع المظاهر الجديدة الحداثية في شعرنا المعاصر، على اختلاف منابت الشعراء، وأصولهم، وتنوع بيئاتهم، واختلاف أقطارهم. وقد استوقفتني في سِفْره هذا ثلاث من القضايا؛ الأولى هي البحث الموسوم بتعدد المقاربات النقدية ـ قراءة في أنشودة المطر للسياب. وهي المبحث السابع، لأن الحافز الذي دفع به لتتبع القراءة المتعددة، المختلفة نهجا، والمتباعدة موعدا، كان قد حفزني للوقوف لديها لكن من مدخل لم يخطر للعجلوني ببال. فالذين قرأوا هذه القصيدة قراءات نقدية، وكتبوا عنها، تباينوا بين الانطباعية، شرارة وروز غريب وإيليا حاوي، والقراءة من المنطلق الأسطوري خريوش وفؤاد رفقة وجبرا وأسعد رزوق وريتا عوض، وإلى حد ما إحسان عباس، والأسطوري المقارن الجيوسي ومحمد شاهين. والموضوعي لدى كل من عبد الواحد لؤلؤة، وإلياس خوري، وعلي جعفر العلاق في: من الأسطورة إلى أسطورة النص.

ولم يفت الباحث تتبع ما يعرف بالقراءة الأيديولوجية، أو السوسيو- تاريخية. والتوقف لدى معتمدي قاعدة الالتزام. كما لم يفته أن مثل هذه القراءات يهيمن عليها النهج المزدوج، فتجمع مثلا بين الأسطوري والسوسيو- تاريخي، أو الانطباعي. وتحرزا، نفى عن قراءته هذه اعتماد المصطلح «منهج»، فهو يعدها قراءات لا تمس الحاجة فيها لمنهج صارم معين، ولذا يرى في قراءة هاشم ياغي – مثلا – قراءة تنطلق من هذا المنهج، ومثلها قراءة أحمد أبي حاقة الذي لا ينفي عن القصيدة تصنيفها تصنيفا حاسما في الشعر الحديث الملتزم. وهذا أيضا ما يتراءى له في قراءة عراقية للقصيدة من تأليف عبد الرضا علي 1984. وفي النظر النقدي ما يُحسب، أو يصنَّفُ على أنه لساني أو نقد أسلوبي، ومن هذا الباب ما توقف لديه المؤلف من قراءات لقاسم البريسيم حول البنية الصوتية في القصيدة، ومحمد الخبّو في كتابه مدخل إلى الشعر العربي الحديث، وكذلك حسن ناظم في ما نشره تحت مسمى البنى الأسلوبية في «أنشودة المطر» (2002) وعلى هذه الطريق ثمّة دراسات أخرى لكل من محمد لطفي اليوسفي، ومالك المطّلبي وآخرين؛ كسامي سويدان في معرفة النص الشعري، وعلي الشرع الذي حاول تتبع القراءات التفكيكية للقصيدة.

ومن الطبيعي التذكير بأنَّ الإحاطة التامة التي لا تترك صغيرة، ولا كبيرة، أو واردة، أو شاردة، في الظواهر الأدبية الحديثة، وما يكتب فيها وعنها، شيء صعب المنال، إن لم يكن من المحال. فالمعاصرة حِجابٌ مثلما يقال في الأمثال. فقد كنت قد وقفتُ في بحثٍ لي، يبدو أن المؤلف الفاضل فاته الاطلاع عليه، في كتابي الذي صدر في بيروت بعنوان الأسلوبية ونظرية النص (1997) عن تلك القصيدة تناولتها فيه تناولا جديدا، لأن غايتي من ذلك مجادلة السائد في اللغة والأدب والفكر، وهو مؤتمر قدم فيه البحث في الجامعة التونسية في منوبة في شهر فبراير/شباط 1996 ونشر في جامع أوراق المؤتمر، وفي كتابي المذكور آنفا. ومما فاته الاطلاع عليه أيضا ما كتبه عنها عبد الجبار داود البصري (1986) ومحمد التونجي 1968 وعلي عزّت 1976 وحسن صعب 1965 ونايف أبو عبيد 1981 وحسين عبد اللطيف 1982 وعلي عباس علوان 1986 وعبد الجبار عباس 1972 ونذير نبعة 1982 وسمير قطامي.
ومما تراءى لي في هاتيك الدراسات جميعها أن الدارسين منهم، والنقدة، يسلّمون تسليما شبه أعمى بأن القصيدة متماسكة النص، ولا يؤخذ عليها أدنى مأخذ، وإنما هي قصيدة مبرأة من أيّ عيب مما يعاب فيه الشعر. وفيما تحقق لي بعد وضعها تحت مجهر النقد النصي، أو شبه النصي، مما جد في الدراسات اللغوية، افتقارها للتماسك الداخلي. ففيها فجوات تنم عن انقطاع يشجع الدارس على إثارة تساؤلات حول تواصل أجزاء النص تواصلا يحقق لها ما تتطلبه من بنية كلية تندغم فيها الأبنية الصغرى، في تفاعل داخلي ونمو عضوي. وقد أثارت الدراسة سخطا لدى بعض المعجبين بالقصيدة، فتوالت الردود عليها مدّة، وكان أكثرها حدة ما كتبه عبد الجبار داود البصري تحت عنوان لافتٍ للنظر (السياب أردنيا) فهو يتوقف في المقال إزاء ما نشر عن الشاعر في الأردن بأقلام أردنيين.

ويبدو أن المؤلف مُعجبٌ بالقصيدة، فالبحث الثامن- وهذه هي القضية الثانية – يتناول فيه المثاقفة المجزية بين السياب وإليوت. فهو بعد أن قال ما قال في أنشودة المطر، يعود بنا إليها ليقول الكثير عما يتصل بتأثير إليوت Eliot في السياب، وبصفة خاصة في هذه القصيدة. فنظرتهما إلى التراث لا تخلو من قاسم مشترك لا يمكن إخفاؤه، أو إنكاره. فكلاهما يؤمن بما في الإبداع من عنصر فردي، وأن هذا الجانب الفردي لا جرم أن فيه شيئا من تأثير التراث الشعري بصفة خاصة، وغير الشعرى بصفة عامة. فالشاعر الجيد صوت نسمع فيه أصوات أسلافه من كبار الشعراء، مثلما نسمع فيه صوت الحضارة التي إليها ينتمي، وينتسب. ويعزو المؤلف هذا الموقف المشترك لديهما إلى أسباب على رأسها الأوضاع التي يمر بها الشعر العربي، وما فيها من حوافز التجديد، والتغيير، والتطوير، وفي الوقت نفسه ثمة أوضاع مماثلة يمر بها الشعر الغربي على أيدي نفر من الصوريينImagists في شعرهم الحر، ونظريَّتهم المناهضة للشعر الرومانسي.

فالتراث والمعاصرة بينهما ضربٌ من الديناميكية، وهذا ما حدا ببعضهم؛ كجابر عصفور، وماهر شفيق فريد، وخلدون الشمعة، لدراسة الصلة بين شعر إليوت والسياب دراسة سلطت الأضواء على ما بين الأرض الخراب The Wast Land لإليوت، وأنشودة المطر، من تأثر وتأثير. وقد تناول بعضهم تأثره بإليوت مباشرة من غير وسيط كمحمد شاهين- وهذه هي القضية الثالثة – ومما يتضح أن أكثر الذين درسوا شعر السياب من هذه الزاوية سلطوا الضوء على تأثره بإليوت في هذه القصيدة لما فيها من نزوع أسطوري، ومن رمزية الماء وتقديسه عند قدماء العراقيين، لكنهم غضوا البصر، وصرفوه، وربما لم يتنبهوا لتأثره بالشاعرة إيديت سيتويل Edith Sitwell وهي من أبرز شعراء إنكلترا (1887- 1964) واسمها يقترن بأسماء منها؛ أودن، وديلان توماس، وإليوت. والتفت إلى هذا السوري نذير عظمة في دراسة شيقة بعنوان بدر شاكر السياب وإيديث سيتويل دراسة مقارنة (دار المعرفة، الكويت، 1979). ففي هذه الدراسة يورد المؤلف مقاطع عدة، وأبياتا جمة، مشتركة، بين السياب – في قصيدته أنشودة المطر بالذات – وقصيدة سيتويل « ما يزال المطر يسقط» المنشورة عام 1940 وهي قصيدة تشير بالمطر فيها للغارات على لندن. فمطلع القصيدتين يكاد يكون واحدا. والرمز الرئيسي فيها يوشك أن يكون واحدا، وهو التقابل الفظّ بين الحياة والموت. وكلاهما يعبر عن خيبته ورؤيته الكئيبة ومع ذلك يريان بريق الأمل، أو الخلاص ينبثق من عتمة الأرض العقيمة القاحلة.

ويبدو أن الباحث الفاضل، كغيره من الباحثين الذين تناولوا القصيدة، فاته الاطلاع على هذا الكتاب. ولو أتيح له الاطلاع عليه، فمن المؤكد أنه سيعدل عن الكثير الجم من آرائه بهذا الشأن. فهو يختتم جولاته هذه بما يذكره الراحل محمد شاهين عن تردُّد كلمة المطر، والماء، والعبارات المكرورة، واللازمة، مما يسفر عن نظام فسيفسائي يقوم على توزيع الخطوط والألوان توزيعا يتمخض عن توليد الكثير، الذي لا حدود له من المعاني. وهذه المزية يجدها القارئ في القصيدتين أنشودة المطر، وما يزال المطر يسقط.
يحتلّ السياب وشعره في هذا الكتاب النصف، إن لم يكن الثلثين، فقبيل هذه البحوث الثلاثة ثمة قراءة لقصيدة حدائق وفيقة، الذي لا نميل إليه في هذا النوع من الدراسات التي ينعقد معظمها حول الكاتب نفسه، أو الشاعر ذاته، لا يتعداه المؤلف لغيره. فممّا يزعج المتابع أن يجد ناقدا أو باحثا لا يكتب إلا عن الشخص نفسه؛ فلا يتناول في دراساته أو كتبه إلا إدوارد سعيد مثلا أو محمود درويش أو عمر الخيام أو غالب هلسا أو مؤنس الرزاز أو عرار (مصطفى وهبي) أو تيسير سبول فتكون مؤلفاته وآثاره على المدى المنظور والبعيد كالتكرار الذي لا يحس به المؤلف نفسه ولكن يشعر به متابعوه. فالتنوع سمة الإبداع النقدي الذي لا يتعارض مع وحدة الأداء، والنهج، والأسلوب الأدبي.
وأيا ما يكن الأمر فإن ما يتضمنه كتاب الناقد نايف العجلوني هذا، إلى جانب كتابه السابق «في طريق الحداثة»، كتابان يضمنان للمؤلف موقعا بهيّا في زحام النقدة الذين يسعدهم أن يضموا بينهم ناقدا فعالا كالعجلوني.

ناقد وأكاديمي من الأردن

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول حسين مجيد:

    أغفلتم مرجعاً مهماً هو كتاب “قراءة جديدة في أنشودة المطر”، تأليف تيري دي يانغ، ترجمة سحر أحمد. الغدير للطباعة والنشر، البصرة، 2011.

    1. يقول د. نايف خالد العجلوني:

      في واقع الحال، لم أغفل الإشارة إلى دراسة تيري دي يونغ، بل تمت الإشارة إلى دراستها الأصلية باللغة الإنغليزية، في إطار المقارنة بين السياب وإليوت.

اشترك في قائمتنا البريدية