للكلام وظائف كثيرة وأهمّها التبيين والتمثيل. والفرق بينهما، أنّ التبيين يمكن أن يكون شرحا وتفسيرا صريحا لقول يعتقد أنّ سوقه بلا توضيح يمكن أن يستغلق فهمه، على من نحدّثه ولذلك نشرحه. أمّا التمثيل فهو ضرب من التبيين يكون بإيراد مثال به نشرح، ولكنّه شرح فيه مقاربة ومقايسة أو اجتزاء لعنصر إن أوردته فُهم الباقي. فالكلام في هذين الضربين من الشرح يمكن أن يقسّم إلى أصل هو المُبَانُ عنه، أو المُمثّل عليه، وفرع مؤسّس عليه هو التبيين والمثل.
في التعليم يمكن أن نعمد إلى هذه الأشكال من الشرح حتى يفهم بها المتعلم، ولكنّ الإشكال في هذا الشرح أنّ الكلام الشارح ينبغي أن يكون استئنافا مبسطا وناجحا للكلام الأوّل المشروح. في الشرح يمكن أن نعيد الخطاب في شكل إطنابي نحاول فيه في كلّ مرّة أن نجرب شرحا أفضل يتناسب مع ذهن من نشرح له إلى أن يفهم عنّا المقصود. غير أنّ بعض التمثيل لا استئناف فيه ولا تكرير، فإمّا أن ينجح في تفسير ما يراد شرحه، وإمّا أن يفشل، لذلك يكون الشارح كمن يحمل سلاحا ناريا ليس فيه إلا قذيفة واحدة وعليها أن تكون مسدّدة جيدا في الهدف. هذا هو حال الأمثال باعتبارها خطابا شارحا يعتمد على المشهدية وعلى المقايسة، ولكن أيضا على ضرب من العلاقات الإدراكية المسقطة من المثل على الكلام الأصلي.
أكثر الناس في الحديث عن أمثال القرآن، ولكنّ ما نريد توضيحه في هذا القول هو أنّ هناك ضربين من الأمثال أحدها يُساق في ذكر من حسن مثلا والثاني في ذكر من ساء مثلا. وهذه العبارة بنفسها استعملت في مواضع كثيرة من الذكر الحكيم كما في قوله تعالى في سورة الأعراف (177): «سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ». سنعود إلى السياقات التي ذكرت فيها الأمثال التي تضرب في ذكر من سَاء عملا، أو تصوّرا أو سلوكا. لكن قبل ذلك علينا أن ننظر في السياق الذي يفهم فيه هذا النوع من الأمثال. أوّل ما ينبغي ملاحظته أنّ الحديث عمّن ساء مثلا أو عمّن حسن مثلا هو حديث ينبغي أن يُفهم في ارتباط لا بطرفين متقابلين، بل بمثلّث فيه أعلى الهرم وفيه القطبان. أعلى الهرم هو المثل الأعلى وهي صفة الله المقدّس المتعالي. يقول تعالى في سورة النحل (60): «لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ».
واضح أنّ في الكلام تبئيرا على الهرم وعلى جزء طرفي المثلث وهو الطرف السيئ الذي ينطبق عليه المثل السيئ. في أعلى الهرم وهو المثل الأعلى توجد قيم مطلقة هي التي قياسا عليها يكون الطرف الموجب ممّن صدقت عليه الأمثال الحسنة؛ ويكون الطرف السالب ممّن انطبقت عليه الأمثال السالبة. وبالرجوع إلى معنى الآية المذكورة فإنّ علوية المثل الأعلى، لا تكمن في مقارنته بمن آمن بالآخرة وهو المثل الحسن وبمن لم يؤمن بها وهو المثل السيئ؛ علوية المثل هنا هو أنّ الله لا يصدق عليه لفظ الإيمان الموجب أو السّالب، بل هو مصدر ذلك الإيمان بما هو اعتقاد فيه يتقاسمه الناس ويختلفون فيه في حركة التناقض البشرية التي لا يراد لها أن تكون أحادية: إيمان لا غير. وقد قارب بعض المفسّرين هذا المعنى لكنّهم لم يُدركوه بالصفاء الذي ينبغي أن يكون إذ قال القرطبي: «ولله المثل الأعلى أي الوصف الأعلى من الإخلاص والتوحيد قاله قتادة. وقيل: أي الصفة العليا بأنّه خالق رازّق قادر ومجاز. وقال ابن عباس: مثل السوء النار، والمثل الأعلى شهادة أن لا إله إلا الله. وقيل: ليس كمثله شيء».
الجزء الأوّل من الشاهد ينقض الجزء الثاني منه، لأنّه يجعل العُلوية في الصفة التي يمكن أن يختلف فيها البشر في الإخلاص والتوحيد، والحقيقة أنّه مصدرهما بأنّ معنى الإخلاص والتوحيد مشتقّ منه فهو المنبع الأعلى لهذا المعنى الذي ينقسم البشر بالنسبة إلى الاتصاف به قسمين متعارضين. والجزء الثاني من الكلام فيه تأويل بنفي المثل (ليس كمثله شيء) وفيه تعارض آخر بين انفراد الذات الإلهية بالصفة المطلقة التي لا نظير لها لدى أيّ متصف بها؛ والمثل الأعلى الذي يعني بعبارة مقترضة من التصوّرات العرفانية اللاطرازية: إنّها مثل لا يمكن أن يكون طرازا عليه تقاس بقية الكيانات قربا في الشبه أو بعدا كما نقول عن طائر الدوري إنّه طراز الطيور في ثقافة البحر الأبيض المتوسط، وأنّ الببغاء قريب منه؛ بينما يكون البطريق عنه بعيدا. ليس هذا هو المقصود في المثال الأعلى: المثال الأعلى تجريد للقيمة أو الصفة بحيث أنّ الإحاطة بحقيقتها تظلّ منقوصة، إنْ نحن نظرنا إلى ما تمثّل منها لدى البشر وتجسّد فهي صفة خُطاطية يصعب أن تجتمع في عناصرها التي تمثلها. ففي الإيمان مثلا، فإنّ علوية المثل فيه لا تكمن في أنّه الطرف الأعلى الذي به يفهم إيمان المؤمن أو عدم إيمان غيره، بل إنّه أكثر تجريدا ممّا يمكن أن يدركه المؤمنون أو ينفيه غيرهم. في هذا التجريد والخطاطية العلوية تسرّب كثير من معاني الصوفية في علاقتهم بالمطلق الذي لا يمكن تجسّده في التفاصيل.
لنعد إلى من ساء مثلا في سياق الآية المذكورة في سورة الأعراف وبالتحديد إلى الآيتين السابقتين (175- 176) في قوله تعالى: «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ». مَثَل الكلب الذي يلهث سواء أحملت عليه أم لم تحمل هو المثل الذي يشرح به من ساء إيمانه واختار اتباع الشيطان. ولكنّه لم يورد إلاّ بعد ذكر حديث بعض من انسلخ عن آيات الله: لقد كان أمامه طريقان واحدة ترفعه (ولو شئنا لرفعناه) وأخرى ‘تخلده إلى الأرض» في الحركتين العلوية والسفلية، رصد لما يمكن أن تجسد به منزلة الإنسان الإيمانية وهو يختار سبيله.
وفي هذا الاختيار ضرب من الاختبار في اتباع خطين أحدهما صاعد هو خط الإيمان وثانيهما نازل يتمثل في اتباع خطّ الغيّ هي التي ضرب لها مثل الكلب. قد لا يحتاج المثل شرحا وتفسيرا، لأنّ الكلام المشروح واضح في أصله. وينقل القرطبي آراء في هذا المثل فيقول: «قال القتيبي: كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش، إلا الكلب فإنه يلهث في حال الكلال وحال الراحة وحال المرض وحال الصحة وحال الري وحال العطش. فضربه الله مثلا لمن كذب بآياته فقال: إن وعظته ضل وإن تركته ضل؛ فهو كالكلب إن تركته لهث وإن طردته لهث، كقوله تعالى: وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم، سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون..» من خلال انفتاح بنية الشروح على التّعدد يمكن أن نقول، إنّ المثل بنفسه صار بنية تتطلّب بدورها. وهذا فيه عدول في التفسير عن مقصد المثل لأنّ الانضباط المنهجي ينبغي أن يربط معنى مثل الكلب في لهاثه، بمعنى اختيار من أغواه الشيطان عن اتباع الآيات الإلهية وهذه حالة مناقضة لمن ارتفع به الحظ فاتبع طريق الإيمان. وهكذا فإنّ (ساء مثلا) هي العبارة المفتاح التي تقرّب بين المثل السيئ وأسباب ضربه فليس الكلب المذموم في هذا المثل هو المذموم في ذاته، بل هيئته التي اقترنت بحال من أحواله محمولا عليه مطاردا، أو متروكا في شأنه متوهما أنّه سيحمل عليه من جديد.
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية
إن أهمية تدبر قصص الأنبياء، وفي طليعتها قصة أيوب عليه السلام ( الذي كان يصارع “الشعور بالخزي” أمام الناس، وهو شعور قاتل، و”انكسر” تماماً تحت وطأة “مهانة” زوجته التي باعت جزءا من جسدها وهو شعرها)، تكمن في كونها دستوراً لفهم التدافع البشري المعقد، فهي تكشف عن الحلقة المفرغة التي تعيش فيها البشرية؛ حيث يميل الناس للاحتقار والشماتة وقت الضعف، ثم يرتد ذلك حِقداً وحسداً بمجرد رؤية المبتلى وقد استعاد عزه، وهي حلقة نابعة من طباع الأنانية والتنافس المتجذرة في النفس البشرية. وبتحليل موقف أيوب عليه السلام بعد الشفاء، نجد نموذجاً فريداً للترفع؛ فهو بصفته نبياً صُفّي قلبه بالوحي، لم يحمل غلاً أو رغبة في الانتقام، لكنه بالتأكيد لم يعد ينظر للناس بنفس العين القديمة، مدركاً بوعيه اليقيني أن هناك فرقاً جوهرياً بين العفو الذي يمنح السلام الروحي وبين استعادة الثقة التي تُبنى على صدق المواقف لا زيف الكلمات….
….إن التدبر للقصص، وكذلك التصالح مع “نقص البشر” يحررنا من وهم انتظار “مجتمع الرحمة” و “المدينة الفاضلة” الخالية من الضغائن، والتي تبقى وعدا إلهيا يختص به الله تعالى آخر الزمان وليس قبله، أما في سياق الدنيا، فإن الحكمة الحقيقية هي الاستغناء النفسي بالله؛ بحيث يترفع المؤمن عن الحقد لكنه يضع “مسافة آمنة” تحميه، محولاً معاناته إلى جسر للتحرر من عبودية آراء الناس الذين تتقلب وجوههم بتبدل الأحوال.