في غياب الآليات الدولية يتلاشى مبدأ «السيادة» 

هل هناك حقا سيادة معترف بها للدولة الحديثة؟ أيا كان شكلها أو ايديولوجيتها أو انتماءاتها أو تحالفاتها؟ وإذا كانت هناك سيادة حقا، فما مداها؟ ومن الذي يُفترض أن يضمنها ويحميها؟ وهل هناك قوانين دولية لضمان سيادة الدول؟ هل الأمم المتحدة قادرة على توفير تلك الحماية؟ أم أن العالم أصبح يطلق شعارات برّاقة لترويج مقولات جاذبة ولكن بدون محتوى حقيقي؟ فمقولة الدولة الحديثة وسيادتها تكررت كثيرا، ويعتقد البعض بوجود مفاعيلها على أرض الواقع.
ولكن ماذا عن استهداف أراضي الدول من قبل جهات مناوئة لها؟ في الأسبوع الماضي ثارت ثائرة الغربيين في إثر تصريحات كيم يو جونغ شقيقة زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، أن بيونغ يانغ «طورت تكنولوجيا متقدمة لالتقاط صور من الفضاء، بفضل قمر تجسس اصطناعي»، بعدما شكك خبراء في نوعية الصور التي يفترض أنه التقطها بعد إطلاقه في نهاية الأسبوع. هذا التصريح أثار غضب أمريكا فأرسلت على الفور طائراتها إلى جنوب شرق آسيا في استعراض غير مسبوق للقوة العسكرية الجوية. واكتظت الأجواء بالطائرات الأمريكية المؤهلة لنقل السلاح النووي وفي مقدمتها القاذفة الاستراتيجية التي استخدمت لقصف فيتنام في ما سمي يومها «القصف السجادي»، وطائرات الشبح – اف 22، واف 35 وسواها. ومرة أخرى تسيطر على العالم أجواء الخوف والقلق من احتمالات نشوب حرب نووية. إن واشنطن تخشى ظهور منافسين استراتيجيين يهددون سيطرتها الأحادية على العالم، ومن أجل تحقيق ذلك لا يحتوي القاموس الأمريكي احتراما لسيادة البلدان الأخرى. ومن المؤكد أن السياسة الروسية التي دفعت بوتين لاجتياح أوكرانيا كانت نابعة من خشيته من فقدان السيادة على أراضيه إذا لم تتخذ إجراءات لتحدي تلك السياسة. وبالتأكيد فان هذا لا يبرر الحرب المدمرة في اوكرانيا التي يدفع الشعب الأوكراني أثمانا باهضة من أمنه وحياة أبنائه.
منذ سنوات تكررت الغارات الأمريكية على الأراضي السورية تارة بالطائرات وأخرى بالصواريخ وثالثة بالمسيّرات لتدمير أهداف مختلفة، آخرها ما حدث يوم الأربعاء الماضي. فقد نفذت قوات القيادة المركزية الأمريكية ثلاث غارات بطائرات هليكوبتر شرق سوريا على مدى ثمان وأربعين ساعة، واعتقلت ستة من أعضاء تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش)، ولم يعلن عن عدد الذين فقدوا حياتهم في هذا الاعتداء. هذا العمل العسكري الأمريكي لم يكن الأول ولن يكون الأخير، ما دام العالم مستعدا للتغاضي عن اختراق سيادة بلدانه. وفي منتصف يونيو/حزيران الماضي أعلنت هيئة الأركان العامة الفرنسية أن جنودا فرنسيين ألقوا القبض على مسؤول كبير في تنظيم «داعش» الإرهابي في منطقة حدودية بدولة مالي الأفريقية. وكشف لاحقا عن هوية الضحية وهو «أمية ولد البقاعي» المسؤول الكبير في تنظيم «الدولة» في الصحراء الكبرى». هنا أيضا تبدو عبثية الحدود التي تعتقد الحكومة أنها تمثل دولتها، فلا سيادة للدولة أو الحكومة أو الشعب أو الأرض.
في 27 مايو/ايار الماضي قامت القوات التركية بعملية خاصة جرت بسرية كاملة بقيادة رئيس شرطة إسطنبول ظافر أكتاش وأسفرت عن اعتقال الزعيم الجديد لتنظيم «داعش» أبو الحسن الهاشمي القرشي، المكنى بـ «زيد العراقي». وكانت قوات الأمن تراقب المنزل الذي كان يختبئ فيه لعدة أيام قبل تنفيذ العملية. هنا لا يبدو هناك خرق لسيادة دولة أخرى، فقد تمت العملية على أراضيها. لكن تركيا نفسها في العام 1999 قد لجأت لذلك الأسلوب وقامت قواتها الخاصة بخطف رئيس حزب العمال الكردستاني (بي. كي. كي). حدث ذلك في عملية معقدة أدت لإلقاء القبض على عبد الله أوجلان الذي كان قد انتقل من السودان إلى كينيا، ونقله الفريق الخاطف إلى تركيا على متن الطائرة التي استخدموها في العملية. وهنا أيضا تم خرق سيادة بلد آخر بدون حدوث ضجة من أحد. تركيا نفسها غضبت عندما قُتل جمال خاشقجي على أراضيها من قبل مجموعة اغتيال خارجية استُقدمت بشكل خاص لتنفيذ العملية، واعتبرت ذلك انتهاكا لسيادتها، وكانت محقة في ذلك. فما دامت الولايات المتحدة الأمريكية قد سمحت لنفسها بتجاوز القوانين الدولية والاستخفاف بمبدأ السيادة، فكيف تستطيع الاعتراض على من يفعل ذلك؟

واشنطن تخشى ظهور منافسين استراتيجيين يهددون سيطرتها الأحادية على العالم، ومن أجل تحقيق ذلك لا يحتوي القاموس الأمريكي احتراما لسيادة البلدان الأخرى

قبل أقل عامين وبالتحديد في الثاني من كانون الثاني/يناير 2020 قامت القوات الأمريكية بأمر من الرئيس السابق، دونالد ترامب، بغارة جوية استهدفت الجنرال الإيراني قاسم سليماني قائد قوات فيلق القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني مع زميله أبو مهدي المهندس في محيط مطار بغداد الدولي، وتسعة آخرين، قتلوا جميعا في تلك الغارة التي خلقت توترا شديدا في المنطقة، وكادت تؤدي إلى حرب واسعة بعد أن جاء الرد الإيراني في أقل من 24 ساعة بقصف قاعدة «عين الأسد» في العراق التي تستخدمها القوات الأمريكية. ومنذ ثلاثين عاما انتهجت الولايات المتحدة سياسة التدخل المباشر في المنطقة بدون أن تسمح لأحد بالاعتراض عليها. ولم يكن الأمر كذلك قبل أزمة الكويت التي نشبت في إثر الاجتياح العراقي للأراضي الكويتية في 2 أغسطس/آب 1990. هذه التدخلات العسكرية التي حدثت جميعا خارج الأطر القانونية والشرعية الدولية بدون قرارات صادرة عن الأمم المتحدة، ساهمت في خلق عالم مضطرب يفتقد مقومات الأمن والاستقرار ولا مكان فيه لما يسمى «السيادة» للحكومات التي يفترض أن تحمي حدودها من الاختراق الخارجي. وتوسعت التدخلات الأمريكية من هذا النوع خصوصا في العراق الذي فقد سيادته وأصبح يعيش تحت ما يمكن اعتباره احتلالا أمريكيا كاملا. ولم يفقد العراق سيطرته على الأرض فحسب بل أن أجواءه ليست تحت سيطرته، فهي تخضع لهيمنة أمريكية كاملة.
ولعل إيران من بين أكثر الدول التي تخشى توسع الهيمنة الأمريكية في المنطقة، لذلك ما برحت تسعى لمنع ذلك التموضع الأمريكي بأساليبها، واستطاعت كسب نفوذ سياسي وأمني واسع، برغم اعتراض الآخرين. وبذلت جهودا لتوسيع نفوذها الإقليمي، واستطاعت تحقيق قدر كبير من ذلك عبر حضورها الميداني بواسطة أصدقائها في بلدان شتى. وبسبب علمها بما يخططه ضدها أعداؤها، فقد التزمت سياسة الرد بالمثل أولا، والقيام بعمليات استباقية لمنع تفاقم التحديات السياسية أو الأمنية ثانيا، ومحاولة اقتلاع جذور التخطيط ضدها ثالثا. ويسجل لها قدرتها على تحييد معارضيها بشكل فاعل. وتبرز قضية «عبد المالك ريغي» لتكشف عمق استيعاب طهران لقضايا الأمن الداخلي وضرورة الأعمال الاستباقية لمنع حدوث الأزمات، مع مراعاة القانون الدولي والالتزام به وبمقتضياته. ويمكن تقديم قضية عبد المالك ريغي مثالا للأمور المذكورة. فقد رصدت أجهزتها الاستخباراتية حركته وخططه فاستطاعت ملاحقته بشكل فاعل حتى وقع بأيديها. فبينما كان متجها من دبي إلى بيشكيك عاصمة قرغيزستان في العام 2010 أرغمت إيران الطائرة التي كانت تقله على الهبوط في مطار بندر عباس، ثم اعتقلته وحاكمته وأعدمته. السيادة هنا لم تخرق بشكل مباشر، لكن كان واضحا أن إيران، هي الأخرى، تستهدف معارضيها بأساليبها الخاصة.
إن من الصعب رسم خط واضح لمسارات الدول، من حيث القرب أو البعد عن القانون الدولي سواء في مجال الحريات العامة وفق ضوابط الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أم الالتزام بالقانون الدولي الذي يفترض أن يساهم في الحفاظ على سيادة الدول بمنع العدوان وإزالة أسباب التوتر عبر الوساطات، وكذلك بإيجاد آليات دولية لمحاكمة المجرمين من بينها محكمة الجنايات الدولية. وبدلا من الإذعان لهذه الضوابط، رفضت الولايات المتحدة ودول أخرى من بينها البحرين توقيع بروتوكولات روما التي تؤسس لعمل المحكمة. وبدلا من ذلك مارست الولايات المتحدة أساليب الإكراه تارة، وممارسة دور الشرطي ثانيا، واختراق سيادة البلدان عبر اختراق حدودها البرية وانتهاك مجالها الجوي لملاحقة المجرمين باعتقالهم أو تصفيتهم ثالثا. ويتم ذلك عادة بدون إطلاع حكومات الدول على خطط التدخل واختراق المجال الجوي وتنفيذ أعمال إجرائية على أراضي الدول الأخرى. وتكفي الإشارة الى الرفض الإسرائيلي المتواصل لمحاولات منح الفلسطينيين شيئا من السيادة على الأراضي التي يفترض أن تمارس السلطة الفلسطينية السيادة عليها. فالاختراقات الاسرائيلية اليومية عائق كبير أمام احترام تلك السيادة، وواحد من أسباب رفض السماح لأهل فلسطين تأسيس دولتهم المستقلة.
لقد أصبح العالم عاجزا عن وقف الاختراقات المستمرة لـ «سيادة» الدول، فلم يعد ثمة معنى واقعي للمفهوم الأكاديمي لها. فإذا كانت تعني «أن يكون للدولة الحديثة السلطة المطلقة والكلمة العليا واليد الطولى على إقليمها وعلى ما يوجد فوقه او فيه» فإن الواضح أن الأمر ليس كذلك. فما دام التصدي لتلك الاختراقات شبه مستحيل خصوصا إذا كانت من قبل دولة عملاقة كالولايات المتحدة، فإن من الصعب حماية تلك السيادة بشكل فاعل. ومن المؤكد ان تداعي مفهوم السيادة وتطبيقاته يساهم في إضعاف الحكومات أمام شعوبها، وبالتالي يؤسس لفقد السيادة السياسية الداخلية، والعجز عن إدارة البلاد والشعب وفق نصوص القانون. أليس ذلك مقدمة للفوضى العارمة التي تفتح المجال للتمرد والعصيان، ومن ثم للفوضى السياسية والاضطراب الأمني والسياسي؟ مطلوب من الجهات المعنية بأمن العالم إعادة النظر في مفهوم السيادة والسعي لإدراجه ضمن شروط الأمن والسلام الدوليين.

كاتب بحريني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول إبن آكسيل:

    سيادة الدول مثل إستقلالية القضاء ….عقيدة لا دخل للآخرين فيها ….

اشترك في قائمتنا البريدية