قرع الكؤوس على النصوص

لفت انتباهي وأنا أقرأ لامية خمرية لأبي نواس طالعها (اِشْرَبْ صَبُوحَكَ وانعَمْ أيها الرجُلُ/ واعص الذين بِجَهْلٍ في الهَوَى عَذَلُوا) أن ما يخفيه هذا النص من أصوات وأصداء يتجاوز ما على سطحه من قرعٍ للكؤوس؛ بل إن الكؤوس فيه لتقرع على جدران النصوص المتخفية فيه. ينبغي أن أشكر ما خزنته من ثقافة شعرية قليلة فهي التي جعلتني أنتبه وأنا أقرأ اللامية الخمرية، إلى ضرب من الأصوات المحيلة على نصوص أخرى لي معرفة مسبقة بها. ليس في الأمر مجرد تناص، أي حضور بسيط لآثار أو إشارات لنصوص أخرى، بل إن الأمر ليتعداه إلى ضرب من ركوب المعاني الشعرية القديمة، وقد روضها قائلوها والسفر بها في اتجاهات ربما لم تتعود عليها من قبل، أو لو تروض لكي تسير فيها.
نقدم في مفتتح كلامنا حديثا مما بات يعرف عن مفهوم باختين للحوارية، الذي استمدت منه كريستيفا مفهوم التناص، لنقول إن المفهومين يؤكدان التفاعل بين النصوص والخطابات وإنه لا وجود لنص معزول، أو لكلام نقي، وإن الأمر يَعود في الأصل إلى أن اللغة نفسها التي نتكلمها، متعددة الأصوات، وأن تفاعلاتنا في خطاباتنا يأخذ بعضها برقاب بعض، ولا يمكن أن ننسب الكلام كله لفرد ولا إبداع شخص إليه فالمبدع لا يكون نسيجا وحده.
لو نقلنا هذه الأفكار إلى جُرْن العرفانيين الذين يعتقدون أن اللغة وتقاطعاتها والنصوص ومحاوراتها لقلنا، إنه لا يمكن أن تنفصل عن ذهن المتكلم/ المستمع، أو المبدع/ القارئ. فإذا كانت المعاني تبنى في ذهن الشاعر وقارئه، فإن التناص ليس عملية آلية، بل هي عملية بناء إدراكية لما يمكن اعتباره تقاطعات بين النصوص، وكل يبني هذه التقاطعات وفق المواقف والمواضع التي يطل منها على معانيها. بالرجوع إلى لامية أبي نواس نراه يختتمها بقوله متحدثا في مجلس الخمرة عن المغنية (هيفاء تُسمعنا والعودُ يُطربنا/ ودع هريرة إن الركب مرتحلُ) فيقتبس طالع الأعشى الكبير ميمون بن قيس في قالب صوت يغني في جو طربي بهيج يذكي النفس ويطرب ويهيج. إعادة بناء النص في سياق أغنية، هو ضرب من الاستفادة من شعر في النسيب قيل في سياق كانت فيه المرأة عنصرا مساعدا، وطرفا لا مركزا، في سياق مقدمة في النسيب هي توطئة لغرض آخر.
لكن ما يلفت النظر في هذا الاقتباس الذي يختتم به أبو نواس قطعته الخمرية، أن من يعرف بيت الأعشى، وهذا شرط أساسي في اكتشاف التناص، ينشّط ذهنه ويتداعى لاستحضار عجزه وهو: (وهل تطيق وداعا أيها الرجل) التي في طالع قصيدة الأعشى. لكن القصيدتين ترتبطان بعبارة (أيها الرجل) لنقارن بين أمره بالصبوح والنعماء في خمرية أبي نواس وسؤال الاستغراب في طالع الأعشى. بعبارة أخرى نحن بين رجلين أحدهما مدعو إلى المجلس الخمري، والثاني واقف تضطرم فيه نار الوداع في مشهد ظعن لا عود بعده ولا لقاء. النداءان يتصايحان، ولكن أحدهما يصيح في قاع صفصف، بينما يقع الآخر بردا وسلاما على شارب للصبوح، لا يعنيه من الهوى أن عذل عاذل، أو وشى واش، ولا يهمه إن قعدت هُريرته أو ارتحلت سلماه.

يبنى الكون من الناحية الإدراكية بتمثل الشاعر الحفيد، تمثلا مختلفا للأجواء الشعرية والشعورية، التي بناها الشاعر الجد الأقدم لأغراض أخرى. ليس الشاعر اللاحق آخذا للنص أخذ نقل، بل هو قبل ذلك وبعده، بان لتمثلات جديدة مختلفة: هو ليس منحازا للأقوال، بل هو منزاح في بنائه للكون عنها. وما الشعر في هذا التصور إلا تمثيل لطريقة في بنائه مختلفة. إن أبا نواس الذي يعرف جيدا نصُوص القدامى لا يحفظها عن ظهر قلب ليأتي بمثيل لها، وليس في بنائه نصه الراهنَ على الروي نفسه احتذاء، بل هو يركب هذه الأبنية اللغوية المتماثلة، ويستقلها إلى رحلة أخرى غير رحلة الظعن، رحلة إلى الأنس والبهجة أقرب. وهو يتكلم من داخل المتجاورات ليقول لنا شيئا مختلفا، وليجعلنا نراه وهو يلبس ثوبا شعريا قديما يشف لنا من خلاله عن إدراك للكون والبهجة مختلف. إنه يطل علينا من كوة الأعشى لا لنرى شاعرا باكيا مودعا، بل لنرى أعشى جديدا يُغنى في مجلس شراب لا تذهب الألباب فيه حزنا، بل طربا. بين إدراك لكون شعري أساسه النعيم وآخر أساسه الشقاء والجحيم، ينسج الوليد نصه من خيوط تركها التليد، لكن الباقي والأبقى، أعاد تلوينها وتحكيكها، وجعلها تنسج أشكالا وألوانا جديدة هي من ابتداع رؤية جديدة.

أما سلم الخاسر فيميز في إطار فضاءين، بين مراقبٍ للناس يراهم كيف ينجحون في الوصول إلى غاياتهم وجسور يريد لذة فيبلغها؛ فبين الاثنين فرق لا في تسمية الطرف الأول، بل في مآله: الفشل في الوصول إلى الغاية في مقابل الموت غما وهذا لا يصف الهدف، بل يصف لوازمه.

في البيت الثالث من لامية أبي نواس نقرأ (نالَ السرورَ وخَفْضَ العيش في دَعَة // وفَازَ بالطيبات الماجِنُ الهَزِلُ) لنذكر وبالاعتماد على ثقافتنا الشعرية، بيت الشاعر العباسي سَلْم الخاسر إذ يقول (من راقبَ الناسَ مات غما / وفازَ باللذةِ الجَسُورُ) وقال الإخباريون والنقاد، إن سلما احتذى فيه حذو بيت بشار بن برد إذ قال: (من راقب الناس لم يظفر بحاجته/ وفاز بالطيبات الفاتك اللهجُ). في كتاب «البداية والنهاية» لابن كثير نقرأ أن بشار بن برد لما سمع قول الخاسر «غضب وقال أخذ معاني فكساها ألفاظا أخف من ألفاظي»، فهو لو صدق الخبر، يخشى أن يموت بيته لأن بيت الخاسر قد كسي بأجمل الألفاظ وكان أقرب إلى الذائقة العامة. الخصومة صريحة بين بشار والخاسر وضمنية بين أبي نواس والشاعرين؛ لكنْ إذا نحن نظرنا إلى المسألة بمنظار عرفاني وعرفنا أن للبشر قدرة عرفانية يسمونها البنائية Construal، تتيح لهم أن يدركوا الوضعية نفسها ويصفوها بأشكال مختلفة، كان لنا رأي آخر. فالمضمون في الأبيات المذكورة هو تقريبا واحد: أن الإنسان الجسور هو من يصل قبل المتردد المُحجم إلى ما يطلب، وأنه هو من يفوز في الأخير. بشار بن برد بنى الوضعية بشكل تقابلي في فضاءين مختلفين أحدهما صاحب حاجة مراقب لها؛ والثاني ساع إلى الطيبات فاتك مقدام ولهج مثابر. الأول لا يصل لأن النظر حاسة مهمة، لكنها لا تحقق المطلب، والثاني يوصله إقدامه إلى ما يريد من الطيبات.

أما سلم الخاسر فيميز في إطار فضاءين، بين مراقبٍ للناس يراهم كيف ينجحون في الوصول إلى غاياتهم وجسور يريد لذة فيبلغها؛ فبين الاثنين فرق لا في تسمية الطرف الأول، بل في مآله: الفشل في الوصول إلى الغاية في مقابل الموت غما وهذا لا يصف الهدف، بل يصف لوازمه. غير أن أبا نواس خرج من المقارنة بين نمطين إلى معنى الغيرية: الماجن الهزل في مقابل غيره من البشر، وهذا يتطلب أن تقدم للمجون وللهزل معاني أخرى غير المعاني الأخلاقية السلبية التي لها. فالماجن لو قرأناه بمنظار الخاسر وبشار لوجدنا معناه أكثر لطفا لأنه متصالح مع المعنى القيمي العام: معنى الجسارة والإقدام صحيح أنه إقدام في سياق آخر غير ميادين الحرب والشدة، بل في دائرة أخرى هي دائرة يصطلح عليها في المشترك بلفظ أخلاقي سلبي هو الهزل. الشاعر يسمي أشياءه بمنظار لغة تملكتها الجماعة ولا تنصفه: أن يضفي على هذه المعاني مسحة إيجابية. نيل السرور وسعة الرزق ليست أشياء سلبية، بل هي مطالب إنسانية يقابلها في الكفة الأخرى طالبها الحقيقي والظافر بها، لكنه لا يصل إليها إلا إذا كان ماجنا هزلا. يصنع الشاعر كونين لغويين ويملؤهما بحقلين تصورين غير متوازيين في لغتنا اليومية ليصنع نزوعا مقلقا بين المرء وميله إلى السرور وسعة العيش، وهذا مطلب بشري والحكم الاجتماعي اللغوي عليه، بأن يصنف ماجنا هزلا؛ إنه سؤال في عمق التصور: هل من يسعى إلى السرور ودعة العيش ماجن هازل؟ أو لنصغ السؤال عكسيا: هل السرور، وبالتالي الهزل خارج عن أنساق سعادتنا البشرية؟ وهل المجون نقيض لدعة العيش؟ في «لسان العرب» أن مجَنَ الشيءُ يمجن مجونا إذا صلُب وغلظ (ل.ع، 13/400) هل نصدق، والمعاني بهذا الوقع، ما استقر منها أم ما كان ظل فيها ماكثا عهوده الأولى؟ وفي اللسان أيضا (الماجن عند العرب: الذي يرتكب المقابح المردية والفضائح المخزية ولا يمضه عذل عاذله ولا تقريع من يقرعه) حين ستقرأ المعنيين، ربما مال رأيك إلى ترجيح أحدهما وربما ملت إلى ترجيح الثاني، لكن المعنيَيْن وهما يجتمعان في معجم واحد تطور أحدهما عن الثاني نتيجة لوضعيات ثقافية كثيرة. كيف يطلب الماجن بمجونه دعة العيش؟ هذا سؤال يخرج بنا من تحاور اللغة والنصوص إلى بناء تمثلات عن الأكوان تتدافع فيها أسباب الحياة وتكاليفها.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية