قصص خداع واحتيال تعكّر تنامي التسوق الإلكتروني في المغرب… وناشط حقوقي يحذّر من «قانون الغاب»

ماجدة أيت لكتاوي
حجم الخط
0

الرباط ـ «القدس العربي»: تروي مريم، وهي شابة مغربية وضعت مولودها قبل شهور، تجربتها مع أحد المواقع الإلكترونية التي تقدّم نفسها كمنصة طبية، حيث طلبت حزاما طبيا للبطن والظهر بمبلغ 600 درهم (حوالي 60 دولارا أمريكيا)، بعد أن تواصلت معها الجهة البائعة بلباقة وقدمت المنتج على أنه ذو جودة عالية ومعتمد دوليا. غير أن المفاجأة كانت كبيرة بعد التوصل بالطلب، إذ تبين أن المنتج لا يستجيب للمواصفات المعلن عنها، ولم يكن مفيدا، فيما توقفت الجهة البائعة عن التواصل معها بعد مراسلتها، بل قامت بحظرها.
كما أورد عدد من المستهلكين تجارب مماثلة مع متاجر رقمية تروج لمنتجات بجودة عالية وصور جذابة، قبل أن يفاجأوا عند الاستلام بسلع لا تطابق المواصفات المعلن عنها، أو بمنتجات رديئة لا تعكس ما تم عرضه.

تغير تدريجي
في عادات الاستهلاك

وتشهد التجارة الإلكترونية في المغرب خلال السنوات الأخيرة نموا ملحوظا، مدفوعا بالانتشار الواسع للإنترنت وتزايد اعتماد المغاربة على التسوق عبر المنصات الرقمية، في تحول يعكس تغيرا تدريجيا في عادات الاستهلاك. حيث أصبحت هذه المنصات خيارا مفضلا لفئات واسعة من المواطنين، لما توفره من سهولة في الولوج إلى المنتجات وتنوع في العروض، فضلا عن عامل الراحة الذي يغني عن التنقل والانتظار. غير أن هذا التطور المتسارع، ورغم ما يتيحه من فرص، لا يخلو من اختلالات تطرح تحديات حقيقية أمام المستهلكين والفاعلين على حد سواء.
وفي هذا الإطار، يُعرّف القانون المغربي التجارة الإلكترونية، استنادا إلى القانون 53.05، بأنها «المعاملات التجارية التي يتم بموجبها إبرام العقود وتنفيذها عبر شبكات التواصل الرقمي أو الوسائل الإلكترونية»، وهو تعريف يرتكز على الاعتراف الحجي بالوثائق الإلكترونية، ويوفر الإطار القانوني لحماية المستهلك، وتنظيم التوقيع الإلكتروني، وتحديد الالتزامات على المتاجر الافتراضية.
غير أن تطبيق هذا الإطار القانوني على أرض الواقع يصطدم بعدد من الإشكالات، في مقدمتها ضعف خدمات التوصيل. حيث يشتكي العديد من الزبناء من التأخر في تسليم الطلبات، التي قد تستغرق عدة أيام أو حتى أسابيع للوصول، رغم أن المتاجر تعلن في الغالب عن آجال تسليم قصيرة. كما تبرز مشاكل أخرى، من قبيل فقدان الطرود أو وصول المنتجات في حالة غير سليمة، إلى جانب صعوبات تتبع الشحنات بشكل دقيق، ما يجعل تجربة الشراء غير مضمونة النتائج. ولا تتوقف هذه الاختلالات عند الجانب اللوجستي، بل تتجاوز ذلك لتكشف عن حالات أكثر تعقيدا، مرتبطة أحيانا بالاحتيال والخداع.
وفي هذا السياق، تحكي أمال، الطالبة الجامعية، كيف اقتنت فستانا أنيقا لحفل تخرجها عبر أحد المواقع الإلكترونية، قبل أن تُفاجأ عند التوصل به بمقاس صغير وجودة أقل وتنفيذ مبتدئ، لتكتشف لاحقا أن التصميم المعروض كان مسروقا، فيما اختفت البائعة ولم تعد ترد على الرسائل، ولم تتمكن من استبدال الفستان أو استرجاع ثمنه.
كما يروي بعض الزبناء أنهم توصلوا بطرود ناقصة أو بمنتجات مختلفة تماما عما طلبوه، دون أن يتمكنوا من التواصل مع خدمة الزبناء، ما يعمق شعورهم بعدم الأمان أثناء التسوق الإلكتروني. ويشتكي آخرون من شركات توصيل لا تحترم المواعيد المحددة أو تسلم الطرود في ظروف غير ملائمة، مما يؤدي إلى تلف السلع أو ضياعها. ولا تقف تداعيات هذه المشاكل عند هذا الحد، بل تمتد إلى المتاجر الإلكترونية الجادة، حيث غالبا ما يحمّل المستهلك المسؤولية للبائع حتى وإن كان الخلل ناتجا عن خدمات النقل، وهو ما ينعكس سلبا على سمعة هذه المتاجر ويضعف ثقة الزبناء في المنظومة ككل.

حقوق المستهلك

من وجهة نظر بوعزة الخراطي، رئيس «الجامعة المغربية لحقوق المستهلك»، أن المستهلك يجد نفسه أمام تجارة إلكترونية منظمة وغير منظمة، التي تتمثل أساسا في مواقع التواصل الاجتماعي، داعيا المستهلك إلى العدول عن اقتناء الخدمات أو المواد عبر هذه المنصات الرقمية حماية له، في ظل غياب الحماية القانونية والضمانات، حيث عرف هذا المجال انتشار النصب والاحتيال على المستهلك.
كما أوضح الخراطي متحدثا لـ «القدس العربي»، أنه، بالنسبة للمنصات المرخصة من طرف الدولة، يتعين على المستهلك أن يعرف ما ينص عليه القانون، مبرزا أن المنصة يجب أن تتوفر على رقم هاتفي قار وعلى السجل التجاري الحساب البنكي، وكل ما يتطلبه نشاط التجارة المادية.
وفي ما يتعلق بالشكايات، أشار الخراطي إلى أن الشكايات التي تتوصل بها الجامعة يتم حلها باللجوء إلى المؤسسات الحكومية المختصة، في حين تبقى الشكايات المرتبطة بمواقع التواصل الاجتماعي حبرا على ورق، باعتبار أن هذا المجال غير منظم ويخضع لما وصفه بـ«قانون الغاب».
وبين فرص النمو والتحديات المطروحة، سجلت التجارة الإلكترونية بالمغرب معاملات تجاوزت 22 مليار درهم، بمعدل نمو سنوي يفوق 30 في المئة خلال السنوات الخمس الأخيرة.
وفي هذا الصدد، أكد وزير الصناعة والتجارة، رياض مزور، أن هذا القطاع يشهد دينامية متسارعة، مبرزا أن التحول الرقمي أصبح واقعا يفرض نفسه بقوة، خاصة على المستوى الاقتصادي، حيث أسهمت الأدوات الرقمية في تعزيز فعالية الأنشطة الاقتصادية وتحسين تنافسيتها، وجعلت من التجارة الإلكترونية ركيزة أساسية في تطوير الاقتصاد المغربي وخلق فرص العمل، لا سيما لفائدة الشباب.
كما أشار الوزير إلى أن اعتماد الشركات على الفضاء الرقمي مكّنها من توسيع معاملاتها والانفتاح على الأسواق الدولية، مما يتيح للتجار، خصوصا الصغار، تنويع مداخيلهم. وفي السياق ذاته، أبرز إحالة مشروع قانون لتعديل قانون حماية المستهلك رقم 31.08، بهدف مواكبة تطور هذا القطاع وتنظيم عمل المنصات الإلكترونية، مع تشديد الرقابة على الممارسات التجارية المضللة، مذكرا بأن الحكومة عملت على تأطير هذا المجال عبر منظومة قانونية متكاملة تشمل مدونة التجارة، وقانون حماية المستهلك، وقانون سلامة المنتجات، إلى جانب قوانين المعاملات الرقمية، وحماية المعطيات الشخصية، والأمن السيبراني، وخدمات الثقة، فضلا عن مشروع مراجعة قانون حماية المستهلك المعروض على الأمانة العامة للحكومة.

مقترح قانون

وفي الإطار التشريعي ذاته، تقدم عدد من أعضاء مجلس النواب بمقترح قانون يروم تعزيز حماية المستهلكين في مجال التجارة الإلكترونية وتقنين هذا القطاع، من خلال إرساء قواعد واضحة تضمن شفافية المعاملات الرقمية، مع تكريس حقوق أساسية للمستهلك، من بينها حق التراجع عن الشراء، وحماية المعطيات الشخصية، وضمان شروط تعاقدية واضحة قبل إتمام أي عملية.
كما يُلزم المقترح منصات التجارة الإلكترونية بتوفير معلومات دقيقة حول المنتجات والخدمات، تشمل الأسعار والتكاليف الإضافية وسياسات الإرجاع، واعتماد وسائل أداء آمنة ومحمية بتقنيات حديثة، مع إقرار حق المستهلك في إلغاء عملية الشراء داخل أجل 14 يوما من تاريخ التسلم واسترجاع المبلغ كاملا وفق شروط محددة، فضلا عن إحداث خدمة دعم فعالة ومنع التقييمات الزائفة.
وفي الجانب الزجري، ينص المقترح على فرض غرامات مالية تتراوح بين 100 ألف و5 ملايين درهم على المخالفين، مع إمكانية تشديد العقوبات في حالة التكرار، وصولا إلى تعليق أو إغلاق المنصة، إلى جانب إحداث لجنة مستقلة لتتبع تطبيق القانون والبت في شكاوى المستهلكين، بما يعزز الثقة في المعاملات الإلكترونية.

إرساء رقابة رقمية فعالة

غير أن هذا المسار، رغم أهميته، يظل غير كاف لوحده، وفق ما أكد المستشار البرلماني خالد السطي، الذي اعتبر أن تعديل قانون حماية المستهلك خطوة ضرورية، لكنها غير كافية لضمان حماية فعالة في مجال التجارة الإلكترونية. وأوضح أن هذا التعديل سيساهم في تعزيز الشفافية ومحاربة بعض الممارسات المضللة، وتوفير حماية أفضل أثناء الشراء الإلكتروني، غير أن عددا من الاختلالات لا تزال قائمة، من بينها ضعف المراقبة وآليات التطبيق، وانتشار المتاجر غير المهيكلة، والإعلانات المضللة على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب الطابع الدولي للتجارة الإلكترونية الذي يزيد من تعقيد عملية الضبط.
كما شدد السطي متحدثا لـ«القدس العربي»، على أن التطور المتسارع لهذا القطاع، خاصة مع دخول العمل بالذكاء الاصطناعي، يفرض ضرورة إرساء رقابة رقمية فعالة وتثبيت عقوبات صارمة ومطبقة وسريعة، محذراً من أن البطء في التنفيذ قد يعقد الأمور، ومبرزا أهمية تنظيم المنصات الإلكترونية، خاصة وأن أغلبها منصات خارجية، بالتوازي مع ضرورة توعية المستهلك. وختم بالتأكيد على أن القانون يظل مهما، غير أن الحماية الحقيقية تقتضي منظومة متكاملة تجمع بين التشريع والمراقبة والتوعية، وليس مجرد تعديل قانوني اعتيادي فقط.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية