طلب مني أحد الأشخاص منذ مدة ليست بالقليلة وصار صديقا في ما بعد، أن أطلع على بعض أعماله الشعرية. استلمتها منه وكان رأيي أن هذا المادة تقوم على الحكاية والسخرية ما يجعل منها نصوصا أقرب إلى القصص، وفعلا بعد أن تعرفت على صاحبها اكتشفت فيه إحساسا رفيعا بالسخرية ونسج السدى القصصي واستذكار الحكايا الساخرة.
الرديء والمتخيل المفهومي
هذه التوطئة تجرني إلى فكرة لطالما استولت عليّ، وجعلتني ربما في أحيان كثيرة أعتزم التوقف عن القراءات النقدية، أو في أخف الحالات النزول بالقراءة من مستوى الفحص إلى مستوى الانطباع أو التقديم، لكنني غالبا ما كنت أجدني متجها في النص صوب الجملة التي تختزن مفهوما ما، ينسجم مع متخيلٍ مفهوميٍ في ذهني، أستطيع أن أبلور من خلاله فكرة ما تتسع إلى أن تصير بحجم قراءة. وكثيرا ما كنت أؤكد لنفسي أولا ثم لمن أتناقش معه أنني لا أفتش في النص عن «الرداءة»، ما تهمني جمالية تمنحني فرصة إنقاذها من «الرداءة»، أو في أحيان أخرى تنسيني تلك الجمل والفقرات العابرة ما يمكن الحكم عليه بالرديء. لا أستطيع أن أحكم على ما أقوم به بالصواب أو الخطأ، لكن هذا ما جعلني أخطو خطوات في عالم الكتابة عن الكتب، أو ما نصطلح عليه بالقراءة التذوقية.
أمسك في أحيان كثيرة رواية أو مجموعة شعرية ثم أندمج في القراءة، ينتابني بداية شعور بالعزوف، لكن أجدني بعد لحظات مندمجا في سياقات فكرية أوحت لي بها جمل وأقحمتني في عالمي الفكري الخاص بعيدا عن النص في مستوياته، التي نحكم عليها بالجودة أو الرداءة، هذا لا يعني أنني لم أبعد من مجال ناظري كتبا بعينها، عجزت عن استعذابها، لأنني أدرك أن التكلف واصطناع الجملة من أشد عناصر الكتابة خطورة، فاستمداد الخيال لا يكون بالطريقة التي نجبره فيها على التخيل، وإنما يكون ذلك طواعية منه، إذ نجده بداية في «فورة استثنائية» يمدنا بالجديد الذي لم نخطط له، وتابعا في «فورة مباغتة»، تلك مرحلة الحلم، إذ يحث الخيال على اقتناص لحظات كاشفة لحكاية أو لسطر شعري من غيابٍ في حضورٍ لا يميز فيه المبدع بين وجوده الوجودي ووجوده اللاوجودي.
الملكة ومهارة الابتكار والصياغة:
لا يخلو الواقع النقدي من معركة الرديء والجيد، بل على الخصوص من معادلة الانخراط في «الرديء النصي»، لإنتاج «المقولة الدالة»؛ من النقاد العرب نجد طه حسين يستعمل السخرية والتهكم، مما يعتقده رديئا، وعبارته الشهيرة «لا أفهم» التي واجه بها عبد العظيم مؤنس ومحمود أمين العالم ما زالت مستمرة في وعي القراءة التهكمية، وحينها كان صراع الحداثة والقدامة، وأيضا عباس محمود العقاد، الذي كان يشرح رداءة النص من خلال «التشريح المنطقي»، أي ضعف «الوحدة العضوية»، أو «الصدق الشعوري»، ومن النقاد القدامى نجد الأصمعي أو النابغة، كانت أداتهما في الحكم على النص هي «المفاضلة المباشرة»؛ منظار يحتكم إلى الذوقية التي ربما يكون منشؤها «العكاظية التاريخية» في دُربتها للذائقة على التقاط الشعر، في زمن محدد بالتتالي والدور، فهناك شعراء كُثُر يتراوح وعي الناقد بين قصائدهم كما لو كان بندولا في ساعة حائطية، ولعل هذا ما دفع هاملتون جِب إلى الحكم على «أن العرب لا ينظرون إلى الأشياء، نظرة عامة شاملة، بحكم تكوينهم الفكري»، ولا شك في أن هذه نظرة استشراقية تجعل من الآخر هو التالي في الثنائية، التي تبدأ بالكامل ثم بعده يترتب الناقص، فحركة النقد العربي في الجاهلية كانت في بداياتها وتطورت في الزمن مؤسسة لتاريخيتها عند محطات عدة؛ عند ابن طباطبا، ابن جني، ابن سلام الجمحي، الجرجاني.. وغيرهم.
طه حسين كانت طريقته هي إخضاع النص إلى القواعد الأكاديمية الصارمة، ومن ثمة كل نقص يراه في النص هو نتاج «الجهل بمناهج البحث»، كما كان حكمه على كتاب «الإسلام وأصول الحكم» لعلي عبد الرازق، وهذا مما ورثه عن المدرسة الفرنسية وتطرفه في تطبيق منهج الشك الديكارتي الذي فاق في توسيع استعمالاته ديكارت نفسه.
لو نختبر مثل هذه الرؤية لطه حسين نجد أنه يتعامل مع النص، كما لو كان قائله، أي يجب أن يخضع لأسلوبه وطريقته في الإنتاج، وهذا عين «الذوق» حينما يصبح سيفا مسلطا على كل لسان يحتكم إلى القواعد الناظمة بعيدا عن الدربة والسماع في الانفتاح على النصوص الدارجة في الوعي وفي الواقع. ابن خلدون يرى في المقدمة أن مفهوم الذوق هو «حصول ملكة البلاغة للسان»، و»هذه الملكة إنما تحصل بممارسة كلام العرب، وتكريره على السمع، والتفطن لخواص تركيبه، ولا تحصل بمعرفة القوانين العلمية في ذلك، التي استنبطها أهل علم اللسان، فإن هذه القوانين، تفيد علما بذلك اللسان، ولا تفيد حصول الملكة بالفعل في محلها». هناك الملكة التي هي أصل المقدرة على الإنتاج والتجريب، ومن ثمة اكتساب مهارة الابتكار والتجديد، ثم هناك علم اللسان الذي يخضع للقوانين الناظمة المحددة لخواصه، والتي يعتبر الكاتب/المبدع غير معني بها، فغلبة القانون على الملكة تؤدي إلى التغطية على ما يمكن الاستفادة منه حتى من «الرداءة»، لأنها دليل توجيه وتصويب المبتدئ، الذي يملك شيئا من الموهبة إلى تصحيح المفاهيم والرؤى، وهذا ما انطلق منه أدورنو في مواجهة مصطلح «الواقعية الاشتراكية» لصياغة مفهوم «الفن الملتزم» مقابل «الفن الدعائي».
من «التشريح المنطقي» إلى «التشريح التعليمي»
في مقابل «التشريح المنطقي» الذي كان يستعمله العقاد، نجد «التشريح التعليمي» الذي استعمله الناقد الأمريكي سليث بيرنشتاين، وفحواه الإفادة من النصوص الرديئة في تدريب الطلاب، إذ عمد إلى جمع «أسوأ الجمل الافتتاحية» في الروايات، وألف كتبا في تعليم الكتابة الإبداعية، حيث أثبت أن شرح «لماذا هذه الجملة بشعة؟» أسرع في تعليم القارئ من شرح «لماذا جملة شكسبير عظيمة؟».
ما يهم الخلوص منه في هذا المجال، في اعتقادي، هو أن الكتابة مجال الدربة، وكل كتابة هي تعبير عن اللحظة التي عاشها صاحبها بما يمكنه من الوصول إلى عناصرٍ ظنها في حينها كافية لإنتاج نص جمالي، وبالتالي، يكون، في رأيي، الحكم على النص لا من خلال رداءته، ولكن من باب التفكير في ظروف إنتاجياته والعناصر التي يمتلكها وإمكانية تطوير الرؤية لها عن طريق إنتاج معادِلات موضوعية قادرة على تصحيح المفهوم النظري، اعتمادا على جدليتي الملكة وعلم اللسان وفق رؤية ابن خلدون.
هناك من الكتابات التي تُنجز انطلاقا من تفكير أناني طفولي، يفضحه عجز اللسان عن التعبير عن مكنون المقال (المكتوب)، لأن مصدر الكتابة كان ذاتيا يمتح من غيرة مرضية لا تترك لصاحبها مجالا لاكتشاف ما يمكن أن يكون مجال إبداعه، فهو يكتب من باب أن الجميع يكتب، ولماذا لا أكتب أنا؟ فتجده يخبط عشواء في النقد تارة وفي الشعر والرواية تارة أخرى، وهو في كل هذا غير منتبه إلى القعر الذي يهوي إليه مهددا وجوديته بتغطيته مصدر إلهام آخر ليس بالضرورة أن يكون عالم الكتابة، فالتجربة والجهد والموهبة، هذه العناصر التي يحددها حنا مينه في كتابه «كيف حملت القلم»، إنما تعكس أولا تجربة حنا مينه في اكتشاف ذاته، عبر تجربة حياتية مريرة توزعته بين مهنٍ متعددة وطفولةٍ مأساوية، حتى أدرك أن لديه ما يقوله عبر القلم، الذي يعتبر حمله مسؤولية متداولة بين جملة دالة، وحركة منسجمة ودلالة تلك الجملة، فالنص منتجُ سياقِه الشخصي والاجتماعي؛ في نطاق الشخصي تتحدد التوافقات الوازنة للذات في مضمار القلم، وفي نطاق الاجتماعي تتحدد الأدوات والتصورات التي يمكن أن تولد مناطق الجمال في مأساوية الواقع القبحية.
كاتب جزائري
تصحيح ..الكاتب هو عبد العظيم انيس وليس عبد العظيم مؤنس
شكرا جزيلا أستاذ.