كيف يدعم العالم ديمستورا ويفشل؟

حجم الخط
30

وما الغريب في ذلك؟ قد يقول البعض، أليس من عادة الدول أن تدعم الوسطاء والمبعوثين الأمميين، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أنهم ينجحون دائما في ما كلفوا به؟ لكن المفارقة في النزاع الصحراوي الذي طوى ما يقارب النصف قرن قد تكون جديرة بالاعتبار، ففيما تؤكد جل دول العالم إن لم يكن كلها على دعمها للمبعوث الأممي المكلف بالملف، فإنه لا يزال عاجزا إلى اليوم عن تحقيق أي تقدم ولو شكلي أو بسيط فيه.
ومبدئيا فإن هناك واحدا من احتمالين، فإما أن تكون الإمكانات الموضوعة تحت تصرفه شحيحة ومحدودة للغاية، أو أن إرادة الدول التي تدعمه ضعيفة وغير موجودة، وفي كلتا الحالتين فإن الصورة تبدو الآن على هذا النحو، فجميع أطراف النزاع الصحراوي، وبلا استثناء ومع كل التباينات والاختلافات العديدة الموجودة بينها تتفق كلها على الجملة الآتية: «دعم جهود المبعوث الأممي للصحراء من أجل التوصل إلى حل سياسي واقعي وعملي ودائم ومتوافق عليه للمشكل الصحراوي». وليس هناك من أحد لا في الشرق ولا في الغرب عبّر عن رفضه أو معارضته لمضمونها، أو وضع سطرا صغيرا تحت عبارة الجهود وأبدى تحفظه عليها، وطرح بعض نقاط الاستفهام حول قدرة أي مبعوث أممي في الظرف الحالي على الأقل، على بلوغ الهدف المنشود. وقد يقول قائل أليس مثل ذلك الاتفاق المبدئي وفي حد ذاته إنجازا؟ لنتصور ما الذي كان سيحدث في غياب إجماع واسع على الفكرة؟ ألن يكون المجتمع الدولي قد شرع ساعتها في استخدام القوة وأعطى الضوء الأخضر للحرب؟ لكن ماذا لو عكسنا الآية وتساءلنا أيضا عما فعله ذلك المجتمع بالمقابل على مدى العقود الماضية من خلال تمترسه خلف تلك الجملة الغامضة؟ هل تراه شرع حقا للسلام، وفتح الباب له وأعطى الضوء الأحمر لمنع أي مواجهة عسكرية محتملة بين المتنازعين؟ أم أنه حاول التهرب والتملص من مسؤولياته والتنصل من عواقب أي تصعيد أو انفجار قد يحدثه ذلك النزاع في المنطقة؟

لن ينتظر أحد من أي دولة عظمى أن تستنفر إمكاناتها وتضعها تحت إمرة وتصرف ديمستورا، مع أن الانطباع الذي تعطيه هو أنها لا ترغب أبدا بتركه وحيدا في الصحراء

ربما يرى كثيرون أن القرارات هي كل ما يمكن للآلة الجماعية الممثلة في هيئة الأمم المتحدة أن تنتجه، لكن ماذا عن الدول؟ هل إن أقصى ما يمكنها فعله هو أن ترسل التصريحات الدبلوماسية الغامضة أحيانا والحيادية والمفتوحة على مختلف الاحتمالات والفرضيات في أخرى؟ أم أن عليها ممارسة كل أشكال الضغط من أجل دفع الأطراف إلى الجلوس إلى طاولة الحوار والتوصل في آجال معقولة إلى التسوية المطلوبة؟ لن ينتظر أحد بالطبع من أي دولة من الدول العظمى أن تحشد جيوشها وتحرك أساطيلها العسكرية الضخمة، أو تستنفر إمكاناتها وطاقاتها الرهيبة وتضعها تحت إمرة وتصرف ستيفان ديمستورا، مع أن الانطباع الذي تعطيه باستمرار هو أنها لا ترغب أبدا بتركه وحيدا في الصحراء. ولعل أغرب ما يحدث مع الدبلوماسي الإيطالي السويدي المخضرم هو أنه لا يسمع من كل من يصادفه إلا كلمات التشجيع والدعم والتأييد المطلق لجهوده، أما كيف يحصل ذلك من دون أن تتحرك عجلة حل النزاع الصحراوي ولو مترا واحدا إلى الأمام، فتلك هي الأحجية الحقيقية. ومن الواضح أن الخصال الشخصية والمهنية لديمستورا لا تحجب أمرا آخر، وهو أنه قد يكون واحدا من أكثر الدبلوماسيين الدوليين حظا، فقد أعاده المنتظم الأممي بسرعة إلى دائرة الضوء، بعد أن توارى عن الأنظار لفترة قصيرة في أعقاب تقديمه قبل خمس سنوات من الآن استقالته من دوره كمبعوث أممي إلى سوريا، على أمل أن تستفيد الهيئة الدولية من الخبرات التي راكمها على مدى أربعة عقود من مسيرته المهنية، وتتوصل أخيرا إلى إقرار تسوية نهائية لواحد من أكثر النزاعات تعقيدا وصعوبة. ولم يكن طريقه بالتأكيد مفروشا بالورود غير أنه استطاع أن يحوز، ومنذ توليه قبل نحو عامين منصب المبعوث الأممي للصحراء، على كم هائل من إعلانات الدعم السياسي لجهوده، ومع ذلك لا يبدو أنه حقق حتى الآن أي نجاح يذكر. والبعض قد يرجع ذلك إلى تصلب وتشدد أطراف النزاع، وتمسك كل واحد منها بمواقفه. لكن هل يكون عجزه عن تقديم رؤية أو تصور لذلك الحل العملي والتوافقي، الذي تنص عليه القرارات الأممية لفض المشكل سببا من الأسباب؟ أم أن الأمر يعود فقط وببساطة إلى أن الدعم الذي يحظى به هو في الأصل دعم مزيف وغير حقيقي؟ لقد ترددت الربيع الماضي بقوة أنباء حول نيته تقديم استقالته، ولم ينفها أو يؤكدها، وكل ما فعلته الأمم المتحدة هي أنها كررت ما قامت به في السابق، حين تواترت أنباء مماثلة حول تفكيره في الاستقالة من مهمته في سوريا، وأكد هذه المرة ستيفان دوجاريك الناطق الرسمي باسم الأمين العام للأمم المتحدة للصحافيين في مايو الماضي أن تلك الأخبار كانت «عارية من الصحة»، لكن المشكل قد لا يكمن في بقاء ديمستورا أو رحيله، بل في وجود الشروط والظروف المطلوبة لنجاح أي مبعوث أممي في مهامه في ظل الأوضاع الإقليمية والدولية الحالية من عدمها، ورغبة الدول الكبرى في إغلاق الملف، أو إبقائه مفتوحا حفاظا على مصالحها في المنطقة. فما الذي سيكون بوسع أي مسؤول أممي أن يفعله إن كانت أكبر دولة في العالم تمعن في إرسال الإشارات المشوشة والمتضاربة حول الملف؟ ففيما اعترفت أمريكا مثلا، وقبل ما يقرب من ثلاث سنوات بمغربية الصحراء، واعتمدت رسميا خريطة جديدة للمغرب، جاءت آخر تصريحات لوزير الخارجية الأمريكي، خلال لقائه الأخير الأربعاء الماضي مع نظيره الجزائري، التي قال فيها إن الجانبين الأمريكي والجزائري، أكدا دعمهما الكامل للعملية السياسية للأمم المتحدة بالنسبة للقضية الصحراوية، لتلقي ظلالا من الشك حول حقيقة النوايا الأمريكية. فإن كان الأمريكيون يرغبون حقا بحل النزاع، ولا يزالون يعتقدون كما أكد ذلك أنتوني بلينكن في لقائه مع نظيره المغربي ناصر بوريطة في مارس الماضي، أن مخطط الحكم الذاتي للصحراء الذي طرحه المغرب «جاد وذو مصداقية وواقعي» فهل إنهم عاجزون حقا على فرض ذلك الحل على شركائهم أولا، ثم إقناع أطراف النزاع والمجتمع الدولي في مرحلة موالية بالقبول به؟ من الواضح أن ما يفضلونه هو الهروب إلى الأمام وإبقاء الحل النهائي معلقا إلى أجل غير معلوم. ومن المؤكد أيضا أن باقي الدول والقوى الكبرى تقاسمهم تلك الرغبة، وهذا ما يجعل من الدعم الشكلي والصوري الذي يقدمونه للمبعوث الأممي للصحراء مفهوما. فكل ما يعطونه هو الوعود التي تشبه السراب غايتها ليست تحقيق النجاح، بل مداراة الفشل الذريع في معالجة المشكل. لكن ما الذي يجعل الرجل مصمما رغم إدراكه لذلك على مواصلة دوره؟ الداعمون له يعرفون ومن دون شك الجواب.
كاتب وصحافي من تونس

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول Nacer:

    مقال شيق كالعادة. في نزاع الصحراء حتى المغرب تعلم كيف يناور ببراعة ودهاء دبلوماسي . المغرب لم يضع جميع أوراقه في سلة واحدة . العلاقات بين المغرب روسيا والصين في نفس ميزان العلاقات مع أمريكا. و فوق كل هذا المغرب في صحراءه بحيث جعل أقصى ما يتمناه البعض هو الضغط على المغرب من أجل تقديم تنازل بسيط باحياء المفاوضات التي هي الأخرى لن تغيير شيرا من الأمر الواقع .

  2. يقول مغربي من الكركرات:

    يا سادة مشكل الصحراء انتهى منذ المسيرة الخضراء سنة 1975، التي جاءت تتويجا لإتفاقية مدريد الموقعة مع المستعمر الاسباني بشكل قانوني و مسجل لذا الأمم المتحدة، و بنفس الطريقة كان المغرب قد استرجع سنة 1958 منطقة سيدي افني, ثم سنة 1969 استرجع منطقة طرفاية من نفس المستعمر. الدور الان على سبتة و مليلية و جزر الخالدات. اما المسلسل الاممي الذي يقوده ديميستورا فهي عملية لا تسمن و لا تغني من جوع لأنها تندرج في إطار أرشفة الملف اداريا في دهاليز الأمم المتحدة كإجراء بيروقراطي ينص عليه ميثاقها.

    1. يقول جيرار فوري:

      اذكرك ان اتفاقية مدريد سنة 1975 تنص على تقاسم الصحراء الغربية بين المغرب و موريتانيا.

    2. يقول سفيان:

      ردا على جيرار فوري, ارجع الى الرأي الإستشاري لمحكمة العدل الدولية لتعرف لماذا تم تقاسم المغرب و موريتانيا اقليم الصكراء الغربية.

  3. يقول سعد المغربي:

    شكرا لك سيدي الكريم نزار على مقالاتك الدقيقة و الموضوعية.كما ختمت مقالك هذا، لا توجد رغبة سياسية من القوى الدولية لا سيما أمريكا و أوربا لإيجاد حل نهائي.لأن مرحليا، لا سيما أمريكا لبس لها مصالح كبيرة في المنطقة. امريكا و أوروبا و لا سيما فرنسا و إسبانيا لا تعمل على حلحلة المشكل بل تعمل على تدبيره : بمعنى تركه دون حل و ممارسة الضغط على أطراف النزاع( المغرب و الجزائر) حسب السياق الولي و الإقليمي…تارة بملف حقوق الانسان، الهجرة، حرية الصحافة…….

    1. يقول لاعق اليد:

      النزاع بين المغرب و الجمهورية العربية الصحراوية وحاليا هناك حرب بينهما

  4. يقول محمد الأمين - الجزائر:

    قد يكون من الحكمة تقسيم الصحراء الغربية إلى شطرين جزائري و مغربي!

    1. يقول علي الصحراوي:

      ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، وبالتالي فالحل هو التضحية بالنفس والنفيس سواء في فلسطين أو الصحراء الغربية أو أي بقعة في العالم، والمفاوضات والحلول السياسية لا يفهما الساسة المحتلين

    2. يقول عبد المجيد فرنسا:

      و لماذا لا يتم تقسيم الصحراء الشرقية بين المغرب والجزائر ؟

    3. يقول علي الجزائري:

      ” أرضنا تكفينا و زيادة ” .. على شعب الصحراء الغربية عدم وضع السلاح فهو الحل الوحيد و الوسيلة المثلى لاسترجاع الحقوق المهضومة.

  5. يقول غزاوي:

    مجرد تساؤل.
    فهل إنهم (الأمريكيون) عاجزون حقا على فرض ذلك الحل (الحكم الذاتي) على شركائهم أولا، ثم إقناع أطراف النزاع والمجتمع الدولي في مرحلة موالية بالقبول به!!!؟؟؟
    التساؤل السالف مقتبس من المقال، الذي قفز على حيثيتين مهمتين.
    1- “الحكم الذاتي” يعتبره مؤيدوه “مجرد” مبادرة تستحق الإشادة بعدما كان المغرب يرفض أي تنازل، لأن هناك مبادرة أخرى لجبهة البوليزاريو متمثلة في “تقرير المصير” تؤيدها الشرعية والقانون الدوليين ودول أكثر من الدول التي تدعم المبادرة المغربية.
    ذلك ما أكده الأمين العام للأمم المتحدة في رد على سؤال حول نزاع الصحراء بعد محاضرة في جامعة “science pro” الباريسية، يوم 22/06/2023:، قال ما نصه:”المغرب يقدم حلا في إطار سيادته، وهو الحكم الذاتي، وجبهة “البوليساريو” تريد تطبيق حق تقرير المصير عبر استفتاء عام، وإلى حد الآن لم نجد توافقا بين الطرفين.”انتهى الاقتباس
    الفيديو منشور على اليوتوب تحت عنوان:
    “موقف أنطونيو غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة من نزاع الصحراء الغربية المحتلة”
    2- المقال لم يقل لنا كيف نفرض الحل (مبادرة الحكم الذاتي) على الشعب الصحراوي؟
    3- لماذا لا نفرض “تقرير المصير” الذي يتوافق مع الشرعية والقانون الدوليين وأهداف بعثة “المينورسو”.

    1. يقول كريم:

      جوابا على أسئلتك : منذ 2007 لم تعد قرارات مجلس الأمن تتضمن مسألة الإستفتاء (يمكن للجميع التأكد من ذلك)وذلك بعد ما تبين إستحالة تطبيقه ، أما طرح المغرب للحكم الذاتي وعلى عكس ما تم ذكره فهو الذي يحظى بدعم معظم الدول ، وأخيرا فإن قرار مجلس الأمن الأخير طالب بعقد موائد مستديرة بحضور الجزائر وهي لازالت إلى الآن ترفض مدعية أنها فقط طرف ملاحظ ، والجميع يعرف أنها الطرف المسؤول عن إطالة هذا النزاع المصطنع.

  6. يقول غزاوي:

    مجرد تساؤل.
    من هو مصدر الإشاعة !!!؟؟؟
    جاء في المقال ما نصه:
    “لقد ترددت الربيع الماضي بقوة أنباء حول نيته (دي مستورا ) تقديم استقالته” انتهى الاقتباس.
    واختتم بما نصه:
    “ما الذي يجعل الرجل (دي مستورا ) مصمما (على أداء مهمته)” انتهى الاقتباس.
    مما يعنى أن خبر الاستقالة مجرد إشاعة

  7. يقول م٠سفيان:

    ديمستورا لم ينجح لأن أحد طرفي النزاع وهو المغرب يرفض حق الشعب الصحراوي في تعبير عن صوته في إستفتاء حر.هل يقبل الإنضمام إلي المغرب أو الإستقلال أو الحكم الذاتي..أسئلة لابد على الصحراويين من الآجابة عليها. و لكن المغرب يتعنت و يراوغ و يضيع الوقت بدون فائدة. يتكلم عن الحكم الذاتي ولكنه في نفس الوقت لا يعطي فرصة للمعنيين بالأمر الصحراويين للإدلاء برأيهم في ذلك. نفس شيئ تقوم به إسرائيل. الأمم المتحدة قررت حل الدولتين و لكن الكيان الصهيوني لا يريد ذلك.

    1. يقول محسن- المغرب:

      المغرب قبل الاستفتاء و لا يجب أن ننسى ان المغرب هو صاحب الاقتراح ، لكن العراقيل التي وضعتها الجزائر للوائح الذين يحق لهم حق التصويت حالت دون ذلك ، علاوة على أن الجزائر ترفض بشدة إحصاء عدد سكان المخيمات المنحدرين من أصل صحراوي . لا تغطوا الشمس بالغربال ، و المغرب هو من اقترح الحكم الذاتي الذي يكفل حلا وسطا أي لا غالب و لا مغلوب ، المغرب يضحي دائما من أجل مصلحة الجميع .

  8. يقول سعد:

    المسألة منتهية، الصحراويون الوحدويون يعيشون بكرامة على أرضهم داخل وطنهم

  9. يقول محمد العلمي:

    عندما تكون لديك كعكة تاكل منها جميع دول مجلس الامن ، اكبر تجار الاسلحة في العالم
    الكعكة هي قضية الصحراء

    مصالحة المغرب و الجزائر يجعل منهما قوة افريقية نظرا لتكاملها الاقتصادي .

  10. يقول محمود:

    مشكلة الصحراء الغربية هي تصفية الاستعمار عبر تقرير المصير لشعبها و هذا منصوص عليه في قوانين الامم المتحدة و كل قراراتها لذالك لا يمكن ان يكون حل اخر خارج القانون الدولي.

    1. يقول مغربي صحراوي وأفتخر:

      المغرب هو من وضع ملف صحرائه في اللجنة الرابعة ولهذا لن تجد ولو قرار أممي واحد يتكلم عن الإحتلال

    2. يقول صحراوي:

      @ مغربي صحراوي
      وهل المغرب هو من أقر حق تقرير المصير للشعب الصحراء الغربية الذي تبنته الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي

1 2

اشترك في قائمتنا البريدية