لا لـِ«اسرائيل» وحربها… ولا للتسليم بالاحتلال

حجم الخط
3

تاريخ لبنان المعاصر سلسلةٌ لا تنتهي من المآزق المتداخلة. لا ينتهي مأزق إلاّ وقد وُلد من تداعياته مأزق أو مآزق أخرى. مأزقُ اليوم هو استمرار حرب «اسرائيل» على لبنان المأزوم رغم موافقة حكومته على اتفاق وقف الأعمال العدائية بـِ»رعاية» الولايات المتحدة الأمريكية منذ 28 نوفمبر 2024. الاتفاقُ ينصّ على وقف إطلاق النار وإخلاء منطقة جنوب نهر الليطاني من المسلحين لضمان نشر الجيش اللبناني مع قوات «اليونيفل» الأممية في هذه المنطقة بغية تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي 1701.
مع موافقة الحكومة اللبنانية على اتفاق وقف إطلاق النار، وافقت المقاومة (حزب الله) على تسليم مواقعها وسلاحها في منطقة جنوب الليطاني إلى الجيش اللبناني وسحب مقاتليها منها. استغلت «إسرائيل» إنسحاب المقاومة وقامت باحتلال خمسة تلال داخل جنوب شرقي لبنان، تُشرف على كامل منطقة جنوب الليطاني، ولم تكتفِ «إسرائيل» بذلك، بل استأنفت اصطياد مزارعين وعمال لبنانيين وفلسطينيين عائدين إلى بيوتهم بالمسيّرات، بدعوى أنهم قياديون في تنظيمات مسلحة معادية لها.

بات واضحاً أن الكيان الصهيوني يضع لبنــان أمام خيارين كِلاهمــا مرّ: استمرار حربه الهمجية أو تسليم لبنان باحتلال العدو لأرضه، ماضياً وحاضراً، كأمر واقع لا فكاك منه

بلغت هذه الاعتداءات ذروتها عشيةَ عيد الأضحى المبارك، بقيام العدو الصهيوني للمرة الرابعة على التوالي بإنذار أهالي ضاحية بيروت الجنوبية بإخلاء 9 مبانٍ سكنية بدعوى احتوائها أمكنة لصنع مسيّرات لحزب الله، ومنعت الجيش اللبناني بسلسلة غارات تحذيرية من تفتيش المباني المهدَّدة للتحقّق من صحة المزاعم الإسرائيلية، فسارع العدو إلى تدميرها برمتها، كما اقترف الجريمة ذاتها في مبانٍ ببلدة عين قانا الجنوبية.
رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام، شجبوا ودانوا العدوان الإسرائيلي الهمجي وطالبوا المجتمع الدولي بالتدخل السريع لوقفه. الولاياتُ المتحدة ظلّت صامتة ما دلّ ولو بصورة غير مباشرة إلى تواطئها مع «إسرائيل». ألم تستخدم حق النقض veto قبل ساعات معدودات لتعطيل مشروع قرار تقدّم به عشرة من أعضاء مجلس الأمن الدولي يقضي بدعوة «اسرائيل» إلى وقف حربها الوحشية على قطاع غزة؟ ماذا تريد «إسرائيل» والولايات المتحدة من لبنان؟ بات واضحاً أن الكيان الصهيوني يضع لبنــان أمام خيارين كِلاهمــا مرّ: استمرار حربه الهمجية أو تسليم لبنان باحتلال العدو لأرضه، ماضياً وحاضراً، كأمر واقع لا فكاك منه. التسليمُ بالاحتلال يعني التسليم بالتوسع الصهيوني الحاصل في حرب 1967 عندما احتلت «إسرائيل» منطقة مزارع شبعا في جنوب لبنان الشرقي، ولم تخرج منها بدعوى أنها أرض تابعة لمنطقة الجولان السوري التي كانت قد احتلتها في السنة ذاتها. مع أن «إسرائيل» خرجت لاحقاً من القسم الشمالي للجولان بموجب اتفاق مع سوريا سنة 1974 إلاّ أنها تمسّكت بوضع اليد على منطقة مزارع شبعا اللبنانية بدعوى انها ما زالت أرضاً سورية محتلة. اليوم بات كل الجولان السوري ومعه مزيد من القرى والمواقع إلى شماله وشرقه في قبضة «إسرائيل»، بحيث أصبح العدو يحتل الآن نحو خُمس مساحة سوريا الإجمالية. وعليه، ثمة احتمال قوي بأن يتصّرف العدو مع لبنان كما تصّرف مع سوريا، فيقوم باحتلال منطقة جنوب الليطاني الخالية حاليّاً من المقاومة لتصبح هذه المنطقة إلى جانب المناطق الأخرى التي يحتلها العدو في جنوب لبنان تساوي نحو خُمس مساحة لبنان الإجمالية.
ما العمل لتفادي مفاعيل هذا الخطر الماثل؟
صحيح أن لبنان الرسمي دان ويدين اعتداءات «إسرائيل» المتواصلة ويرفض تهديدات وزير حربها يسرائيل كاتس بالمزيد منها، غير أن ثمة فريقاً سياسياً فاعلاً في البلاد له وزراء في الحكومة يظاهرون الكيان الصهيوني في دعاواه ضد سلاح المقاومة ويؤيدون ما تطلبه أمريكا من رئيس لبنان ورئيس حكومته لجهة تطبيع العلاقات مع «إسرائيل» وترسيم الحدود الشمالية لكيانها مع حدود لبنان الجنوبية، ومحاكاة دول الخليج النفطية في إسلوب التحفظ حيال إيران، بل معاداتها، الأمر الذي يشجع الكيان الصهيوني على تصعيد اعتداءاته وتوسعه في لبنان. لتفادي هذه المفاعيل والتداعيات الخطيرة المحتملة يجدر بلبنان الرسمي، كما بلبنان الشعبي المعارض، اتخاذ المواقف والتدابير الآتية:
أولاً: استمرار قيام لبنان الرسمي، بلسان رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة، بإدانة الاعتداءات الإسرائيلية على أراضيه، ورفض تهديدات العدو بالتصعيد، وإبلاغ المسؤولين الامريكيين سراً وعلانيةً بأن استمرار واشنطن في التغاضي وبالتالي تغطية اعتداءات «إسرائيل» لا يعني سوى تشجيعها على المضي فيها، وان ذلك من شأنه أن يؤدي إلى تعميق تعاطف فئات واسعة من الشعب اللبناني مع المقاومة ومطالبتها باستئناف نشاطها لردع «إسرائيل» عن التمادي في اعتداءاتها الهمجية.
ثانياً: تأكيد رفض لبنان الرسمي ولبنان الشعبي للربط المريب بين إعادة الإعمار ومطالبة «إسرائيل» وأمريكا حكومة لبنان بنزع سلاح المقاومة (حزب الله) في كل أنحاء البلاد، ما يستوجب المبادرة إلى الإعلان بلا تردد بأن الحكومة اللبنانية ستباشر أعمال إعادة الإعمار بما لديها حاليّاً من أموال وما يمكن أن يأتيها من مساعدات وقروض من الدول العربية والصديقة من دون قيد أو شرط.
ثالثاً: عقد مؤتمر شعبي جامع تشارك فيه قيادات من لبنان الرسمي ولبنان الشعبي لمطالبة الدول العربية، خصوصاً الدول المنتجة للنفط، والدول الصديقة المحبة للحرية والسلام، بالتحرك السريع لدعم لبنان سياسياً واقتصادياً، لاسيما لجهة رفع الحظر عن قدوم رعاياها إلى لبنان (خلال موسم الصيف على وجه الخصوص) والمبادرة إلى تقديم المساعدات والقروض اللازمة له، بغية إعادة إعمار مناطقه المتضررة بفعل الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة. وإذا تلكأت القيادات الرسمية عن المشاركة في المؤتمر الشعبي الجامع فإن قوى المعارضة الوطنية تكون مستعدة بلا إبطاء إلى الاتحاد والتعاون في عقده وإنجاحه.
رابعاً: مبادرة حزب الله إلى الإعلان عن أن استمرار «إسرائيل» في العدوان، لاسيما على مناطق الجنوب والبقاع وضاحية بيروت الجنوبية، سيحمله بالتأكيد على إعادة النظر بموقفه بما يؤدي عاجلاً إلى إعادة انتشار قوى المقاومة في منطقة جنوب نهر الليطاني، كما في سائر المناطق الصالحة لمقاومة العدو براً وجواً.
خامساً: ضرورة قيام قوى المعارضة الوطنية النهضوية بتسريع جهودها للتنسيق والتعاون، في ما بينها بغية توعية الجماهير وتعبئتها في جبهةٍ عريضة أو إطار تنظيمي واسع لتعزيز فعاليتها الوطنية والسياسية، ولدعم النضال الوطني بغية إنجاز الأولويات الثلاث المتزامنة والأكثر إلحاحاً فـي المرحـلة الراهنـة وهي: مقاومة «إسرائيل « وتحرير أراضي لبنان المحتلة، والشروع في إعمار جميع المناطق المتضررة من الاعتداءات الإسرائيلية الهمجية، ومباشرة تحقيق مضمون وثيقة الطائف التي جرى استيعاب بنودها الإصلاحية في متن الدستور المعدّل سنة 1990، وذلك بدءاً بتنفيذ المواد 22 و27 و95 منه.
أخيراً، نرفع هذا النداء الصارخ إلى جميع المسؤولين والمواطنين، آن الأوان لنتجاوز كل أحقاد ومشاحنات ومشاجرات وصراعات ومخططات الماضي الجنونية بغية الاتحاد بلا إبطاء لإنقاذ لبنان من حاضره البائس ولبناء مستقبله الواعد.
كاتب لبناني
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول فصل الخطاب:

    اقتربت نهاية عصابة تل أبيب يا حبيب والأيام بيننا ✌️🇵🇸😎☝️🔥🐒🚀

  2. يقول صقر قريش:

    لبنان المقاوم انتهى والى حين.
    الانبطاح ولا اريد استعمال مصطلح آخر يعن على اللسان، هو سيد الموقف وهو نقطة الملتقى لجميع الطوائف.
    المسيحيون وجل اهل السنة وقسم كبير من الدروز وقسم لا يستهان به من الشيعة اجتمعوا على الانبطاح وقد ساعدتهم الظروف الإقليمية والتغيرات المفروضة في الرئاسة والحكومة على اخذ خطوات الحبو الاولى لتحقيق ذلك الهدف، واسهمت الضربة الكبيرة التي تلقاها حزب الله، والذي كان السد المنيع ضد طوفان الانبطاح، أسهمت في الكشف عن هشاشة الحالة والركض بل والقفز مباشرة بعد الحبو باتجاه سونامي الانبطاح الجارف في المنطقة.
    الكل كان على حرف، ولبنان الرسمي وجزء كبير من شعبه is no different from the neighbours.
    وحتى لا نظلم لبنان فالحال من بعضه، اقول ان الكل يا ابو الشباب محيطيا وخليجيا وعلى الحدود في رفح تاثر بظاهرة ياسر، وليس اي ياسر، انه ياسر ابو الشباب يا خال.

  3. يقول مراقب صريح صريخ:

    كلمات في الصميم ، في الأشهر الماضيه وقبل الحرب بين حزب الله واسرائيل كانتوالمقالات البلاغية وتحليلات عسكريه من ذوي الاختصاص والذين جميعا اثبتو انهم. افرغ من فؤاد ام موسى كلها لا تخلو من الإشادة بتهديدات حسن نصرالله وان معادلة الردع قد تغيرت وانه يرفع قفاز التحدي لكن العدو آثر السلامة البحتية اعترافاً منه شبه صريح بتغير معادلة الردع ان تل أبيب مقابل الضاحية وان مفاعل ديمونة مقابل البنية التحتية اللبنانيه،،، الخ الاسطوانه ، ثم جاءت كارثة معادلة الردع وإذا حزب الله بعد تدمير قياداته و مخازن صواريخه يستجدي وقف إطلاق النار وتفويض غيرة للمفاوضات ، المهم لماذا على دول الخليج بشكل خاص ان تقوم بإعادة إعمار ما دمرته الحرب كل مرة لقرارات طائشه يتخذهاحزب الله. بأوامر من ايران حسنا تفعل الدول الخليجية والعربية بأنه لا إعمار في لبنان إلا ان يتخلى حزب الله عن كامل سلاحه. وتصفيره الذي هو سبب كل تدمير وارهاب الشعب اللبناني. ويتحول كغيره إلى حزب لبناني نقي ؟

اشترك في قائمتنا البريدية