لماذا تأخرت لحظة الحسم… متى وكيف ستنتهي الحرب؟

في الحروب الكبرى، لا تُقاس النهايات بعدد الصواريخ التي سقطت، بل بمدى القدرة على الخروج من منطق الحرب نفسه. ومع مرور الوقت على المواجهة الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يتضح أن السؤال لم يعد متعلقا ببداية الحرب أو دوافعها، بل بمآلاتها المفتوحة على احتمالات لا يمكن حصرها. غير أن ما يلفت الانتباه في هذه الحرب تحديدا هو أن مسارها لا تحكمه فقط موازين القوة، بل أيضا اختلاف الإرادات السياسية بين أطرافها، وعلى رأسها الدور الإسرائيلي الذي يبدو، أكثر من أي وقت مضى، عاملا حاسما في إطالة أمد الصراع بدل الدفع نحو نهايته.
منذ اللحظة الأولى، ظهرت الحرب كأنها عملية عسكرية محسوبة الأهداف: تحييد القدرات النووية، ضرب البنية الصاروخية، وإضعاف شبكة الحلفاء الإقليميين لإيران. لكن هذه الأهداف، التي بدت واضحة نظريا، سرعان ما اصطدمت بواقع أكثر تعقيدا. فالحروب التي تُبنى على فرضية «الضربة الحاسمة» نادرا ما يمكن حسمها بسهولة، خصوصا عندما يكون الطرف المقابل قادرا على إعادة تشكيل أدواته، والانتقال إلى نمط حرب مختلف، يقوم على الاستنزاف بدل المواجهة المباشرة.
في هذا السياق، لا يمكن فهم إطالة أمد الحرب من دون التوقف عند الحسابات الإسرائيلية. فإسرائيل لا تنظر إلى هذه المواجهة باعتبارها مجرد جولة عسكرية، بل كفرصة لإعادة رسم خريطة الشرق الاوسط الجديد، التي طالما بشّر بها نتنياهو، إذ تبنت تل أبيب، منذ سنوات، ما يمكن تسميته بسياسة «الإدارة الدائمة للصراع» حيث لا تسعى إلى إنهائه بقدر ما تعمل على إبقائه ضمن حدود يمكن التحكم بها. هذه المقاربة، التي ظهرت بوضوح في غزة وجنوب لبنان، انتقلت اليوم إلى المواجهة مع إيران، ولكن على نطاق أوسع وأكثر خطورة.

إسرائيل لا تنظر إلى هذه المواجهة باعتبارها مجرد جولة عسكرية، بل كفرصة لإعادة رسم خريطة الشرق الاوسط الجديد، التي طالما بشّر بها نتنياهو

التحول الأبرز في الاستراتيجية الإسرائيلية يتمثل في الانتقال من سياسة الاحتواء إلى سياسة الضربات المستمرة. لم يعد الهدف هو ردع الخصم فقط، بل استنزافه على المدى الطويل، عبر استهداف قياداته وبناه التحتية وقدراته الاقتصادية، غير أن هذا النمط من الحروب لا ينتج نهاية واضحة، بل يخلق حالة من «الحرب المفتوحة»، التي يمكن أن تستمر لسنوات من دون حسم. وهنا تكمن المفارقة:
كلما اقتربت واشنطن من خطوة الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع طهران، أججت إسرائيل جولة صراع جديدة لتحقيق تفوق عسكري، لتبعد التوصل إلى تحقيق نهاية سياسية للصراع. إلى جانب البعد الاستراتيجي، هناك بعد داخلي لا يقل أهمية. فالحروب بالنسبة للحكومات الإسرائيلية ليست مجرد أدوات أمنية، بل أيضا أدوات سياسية. في ظل الأزمات الداخلية والتحديات الانتخابية، تتحول الحرب إلى وسيلة لإعادة ترتيب المشهد السياسي وتعزيز شرعية القيادة. وهذا ما يجعل خيار الاستمرار في الحرب أكثر جاذبية من خيار إنهائها، خاصة إذا كانت النهاية تتطلب تقديم تنازلات قد تُفسَّر على أنها ضعف.
في هذا السياق، يبرز عامل إضافي يزيد من تعقيد المشهد، يتمثل في التذبذب الواضح في تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تعكس حالة من عدم الاستقرار في تحديد الهدف النهائي للحرب. ففي أوقات مختلفة، قدّم ترامب روايات متناقضة: تارة يتحدث عن اقتراب «تحقيق الأهداف» وإمكانية إنهاء العمليات قريبا، وتارة أخرى يلوّح بتصعيد واسع قد يشمل ضرب البنية الاقتصادية لإيران، أو حتى الدفع نحو تغيير النظام. هذا التناقض لا يُعد مجرد اختلاف في الخطاب، بل يكشف عن غياب رؤية استراتيجية متماسكة، حيث تتأرجح السياسة الأمريكية بين الرغبة في إعلان النصر السريع، والخشية من التورط في حرب طويلة. كما أن هذه التصريحات المتقلبة تُضعف مصداقية المسار التفاوضي، إذ تمنح الطرف المقابل انطباعا بأن واشنطن نفسها لم تحسم خياراتها بعد. وفي الوقت ذاته، تضع الحلفاء، وفي مقدمتهم إسرائيل، أمام مساحة أوسع للمناورة، ما يسمح لهم بدفع الحرب في اتجاهات قد لا تتوافق بالضرورة مع الحسابات الأمريكية. وهكذا، يتحول الغموض في الموقف الأمريكي من عنصر ضغط على الخصم إلى عامل إرباك يطيل أمد الصراع بدل أن يسرّع نهايته. لكن الحسابات الإسرائيلية لا تجري في فراغ، بل تتقاطع مع حسابات أمريكية مختلفة. فواشنطن، رغم دعمها العسكري والسياسي لإسرائيل، تجد نفسها مضطرة إلى موازنة عدة اعتبارات مثل: استقرار أسواق الطاقة، تجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة، والحفاظ على أولوياتها الاستراتيجية في مناطق أخرى من العالم. لذلك، تميل الإدارة الأمريكية إلى البحث عن «مخرج» من الحرب، حتى إن كان هذا المخرج غير مثالي. غير أن هذا التوجه يصطدم برغبة إسرائيلية واضحة في مواصلة الضغط العسكري، ما يخلق حالة من التباين في الأهداف، رغم وحدة الميدان.
هذا التباين ينعكس بشكل مباشر على مسار الحرب. فكلما اقتربت واشنطن من طرح مبادرة لوقف التصعيد، تظهر على الأرض ديناميات جديدة تعيد خلط الأوراق. ضربات إضافية، توسيع نطاق العمليات، أو فتح جبهات فرعية، كلها أدوات تُستخدم لإبقاء الصراع في حالة اشتعال. وبهذا المعنى، تصبح الحرب أقل ارتباطا بالأهداف المعلنة، وأكثر ارتباطا بإدارة التوازنات السياسية داخل كل طرف.
في المقابل، تدرك إيران هذه المعادلة جيدا، وتبني استراتيجيتها على أساسها. فهي لا تسعى إلى تحقيق انتصار تقليدي، بل إلى إطالة أمد الحرب إلى الحد الذي يجعل كلفتها غير محتملة بالنسبة لخصومها. ومن خلال استخدام أدوات غير تقليدية، مثل الهجمات غير المباشرة واختناق طرق الطاقة العالمية، نتيجة اغلاق مضيق هرمز الذي مثل ورقة ضغط هائلة على الخصوم، إذ نجحت طهران في نقل المعركة من المجال العسكري إلى المجال الاقتصادي والسياسي. وهنا، مرة أخرى، نجد أن إطالة أمد الحرب تصبح هدفا بحد ذاته، وليس مجرد نتيجة. غير أن ما يجعل هذه الحرب مختلفة عن سابقاتها هو تداخل المستويات المحلية والإقليمية والدولية فيها. فإغلاق ممرات الطاقة وسلاسل التوريد العالمية، واستهداف البنية التحتية، وتوسيع نطاق العمليات إلى دول أخرى، كلها عوامل تجعل من الصعب احتواء الصراع ضمن حدود جغرافية محددة. ومع كل يوم يمر، تتزايد احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع، ما يجعل الحديث عن «نهاية قريبة» للحرب أقرب إلى التمنيات منه إلى التحليل الواقعي.
ورغم ذلك، لا يمكن القول، إن الحرب ستستمر إلى ما لا نهاية. فكل الحروب، مهما طالت، تصل في النهاية إلى نقطة تُفرض فيها التسوية، سواء عبر التفاوض أو الإرهاق أو التغيرات الداخلية. لكن السؤال الحقيقي هو: أي نوع من النهايات ننتظر؟ هل ستكون نهاية تُعيد الاستقرار، أم مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من الصراع؟
في الحالة الحالية، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحا هو نهاية غير مكتملة، تُبقي على جذور الصراع قائمة. قد يتم التوصل إلى اتفاق يخفف من حدة العمليات العسكرية، لكن دون معالجة الأسباب العميقة للحرب. وهذا يعني أن الصراع سيظل قابلا للاشتعال في أي لحظة، خاصة في ظل استمرار السياسات التي تقوم على إدارة الصراع بدل حله. وهنا، يعود الدور الإسرائيلي ليطرح نفسه من جديد. فطالما استمرت تل أبيب في تبني مقاربة تقوم على التفوق العسكري كبديل عن التسوية السياسية، فإن فرص إنهاء الحرب ستظل محدودة، بل إن هذه المقاربة قد تدفع نحو دورات متكررة من العنف، حيث يتحول كل «نصر» عسكري إلى مقدمة لجولة جديدة من الصراع.
في النهاية، لا يمكن فهم هذه الحرب بمعزل عن السياق الأوسع الذي تتحرك فيه. فهي ليست مجرد مواجهة بين دول، بل تعبير عن أزمة أعمق في النظام الإقليمي، حيث تتداخل المصالح، وتتصادم الرؤى، وتغيب الآليات القادرة على إنتاج تسويات مستدامة. وفي مثل هذا السياق، تصبح الحروب أكثر قابلية للاستمرار، وأقل قابلية للانتهاء. لذلك، فإن الإجابة على سؤال «متى وكيف ستنتهي الحرب؟» لا تكمن في قراءة التطورات العسكرية فقط، بل في فهم طبيعة الاستراتيجيات التي تحكم أطرافها. وإذا كانت هذه الاستراتيجيات، كما يبدو اليوم، تقوم على إطالة أمد الصراع لتحقيق مكاسب مرحلية، فإن النهاية لن تكون سوى محطة مؤقتة في مسار أطول من عدم الاستقرار.
وفي عالم تتغير فيه موازين القوة بسرعة، وتتشابك فيه المصالح بشكل غير مسبوق، قد لا تكون المشكلة في غياب الحلول، بل في غياب الإرادة لإنهاء الحرب أصلا. وهنا، تحديدا، يكمن جوهر الأزمة.
كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية