ليالٍ في حدائق إسبانيا: انطباعات موسيقية لمانويل دي فايا

من القطع الموسيقية الكلاسيكية التي تحمل آثاراً أندلسية واضحة، مقطوعة «ليالٍ في حدائق إسبانيا للمؤلف الموسيقي وعازف البيانو الإسباني مانويل دي فايا، الذي ألف للأوبرا والباليه وكتب العديد من المؤلفات في قوالب موسيقية مختلفة. تحظى هذه المقطوعة بشهرة كبيرة وجاذبية خاصة منذ أن سُمعت للمرة الأولى عام 1915 وحتى الآن، هي قطعة كلاسيكية نحا فيها دي فايا منحى الموسيقى الشعبية الإسبانية التي انطبعت بطابع الموسيقى الأندلسية، وكان دي فايا قد أعد هذا العمل في بداية الأمر ليكون مجموعة من الليليات للبيانو المنفرد، لكنه جعله في نهاية الأمر معداً للبيانو والأوركسترا، فجاء متحرراً إلى حد ما من الناحية الشكلية، يصعب وضعه في قالب النوكتيرن أو الكونشيرتو بشكل صارم، ويبقى متميزاً بجماليته الفريدة. ولد مانويل دي فايا عام 1876 وتوفي عام 1946، وكانت نشأته في إقليم أندلسيا، وأحاطت به التقاليد الموسيقية المرتبطة بالتراث الشعبي لتلك المنطقة، ما منحه لغة موسيقية متفردة وجعله أحد أهم مولفي الموسيقى الإسبان في القرن العشرين، وأبرز من قاموا بالتعبير عن الطابع الخاص للموسيقى الإسبانية في إطار الموسيقى الكلاسيكية، وقد تأثر أثناء وجوده في باريس في أوائل القرن العشرين، بالتيارات الموسيقية الحديثة التي كانت سائدة آنذاك، وبالأسلوب الانطباعي الذي يرسم اللون والجو الخاص بالعمل الموسيقي، وتعد مقطوعة «ليالٍ في حدائق إسبانيا» مثالاً على ذلك، فهي مقطوعة مشبعة بروح الأندلس وخطوطه وزخارفه، لكنها مصاغة بلغة تعبيرية دقيقة بعيدة عن الفلولكلورية المباشرة، نابعة من فهم عميق للجذور الثقافية المرتبطة بالأندلس.

في جنة العارف
يستغرق عزف المقطوعة 25 دقيقة تقريباً، وتتكون من ثلاثة أقسام هي «في الجينراليف»، «رقصة بعيدة»، «في حدائق سييرا دي قرطبة». يشير القسم الأول من المقطوعة إلى حدائق الجينراليف القريبة من قصر الحمراء في غرناطة، والتي تعرف أيضاً باسم «جنة العارف» أو «جنة العريف»، يستحضر دي فايا إحساس الليل داخل جنة العارف، حيث السكون والهدوء وصوت الماء البعيد، وعبير الياسمين الفواح، وظلال الأشجار والنباتات، والزمن الذي يبطئ خطواته داخل هذه الجنة الأندلسية التي شيدت في أوائل القرن الرابع عشر، على غرار الحدائق المغربية التي شيدت في القرن الثاني عشر في مراكش وغيرها من المدن. نستمع في هذا القسم إلى حالات صوتية متتابعة تتغير تدريجياً بغموض هارموني بديع، يبرز صوت البيانو دون أن يتحول إلى بطل منفرد، وتأتينا تداخلات رائعة من الكمان أشبه بارتعاش الضوء على الماء، وتعمل الهوائيات الخشبية خصوصاً الأوبوا على تأكيد الطابع الليلي.
ينقلنا القسم الثاني من المقطوعة من التأمل والسكون إلى الحركة والحيوية، هي رقصة متخيلة ترى عن بعد أو من مسافة، وربما ترى عبر الذاكرة البعيدة، سوف يشعر السامع العربي بالألفة مع بعض النغمات الشجية الخاطفة، ويساوره الإحساس بأنه يعرف تلك النغمات التي تنفلت وتهرب سريعاً وأنه يستطيع أن يكمل لحنها. ينطلق البيانو بحرية أكبر في هذا القسم، ويشارك في بناء الإيقاع عبر زخارف قصيرة متكررة بأداء شبه ارتجالي، تبطيء الموسيقى وتسرع وتتصاعد في ذروات متتالية، فهذا القسم القصير لا يعرف الاستقرار، ولا نجد فيه ذلك الليل الساكن الذي استمعنا إليه في القسم الأول، وكذلك لا نجد فيه رقصاً صريحاً على الرغم من عنوانه، ويمكن القول إنه رقص الذاكرة المشوب بالغموض.

بتوتر متسارع يبدأ القسم الثالث من المقطوعة، احتشاد أوركسترالي وضربات قوية متلاحقة من البيانو، هنا ذروة العمل وانفجاره الموسيقي التعبيري، هنا يتسع المكان والزمان وتخرج الموسيقى من إطار الليلية إلى أفق أوسع وأكثر حركة وانفتاحاً. الإيقاع جريء قوي واضح وإن ظل محافظاً على تعقيده وعدم انتظامه، جمل موسيقية قصيرة تؤكد الطابع الأندلسي، لا يدخل البيانو في مواجهة مع الأوركسترا بل يندمج بنعومة في نسيجها، يقودها أحياناً ويتبعها في أحيان أخرى، ويتفاعل معها بما يزيد الكثافة الأوركسترالية. يمنحنا دي فايا الإحساس باتساع الرحلة التأملية التي بدأت في الجنراليف، هذا الاتساع لا يعود إلى محدوديته الأولى، فالخاتمة التي اختارها للقسم والمقطوعة عن طريق الخفوت التدريجي للنغم، يوحي بالانفتاح الشامل حتى التلاشي في الكون الواسع.

تجعلنا مقطوعة «ليالٍ في حدائق إسبانيا» نتعرف على أسلوب مانويل دي فايا المختلف في التأليف الموسيقي، وطريقته في نقل روح المكان والإحساس به دون الاعتماد على رسم الصور الموسيقية المباشرة. كما أنه لم يقتبس الألحان الأندلسية اقتباساً حرفياً، وإنما استلهم طريقتها في التفكير الموسيقي والتعبير الفني، واعتمد في بعض الأحيان على المقامات المرتبطة بالشجن والحزن الخفيف وتنغيم الغناء الأندلسي القديم. تمكن دي فايا في هذا العمل من جعل السامع يشعر بالحركة الساكنة، حيث تتقدم الموسيقى دون أن تتعجل، وتثور دون أن تفقد هدوءها الداخلي، وتتغير الألوان الصوتية لكن دون تحول مفاجئ، وهكذا يكون السامع مع الحركة والسكون معظم الوقت، كما وظف التكرار كعنصر جمالي يخلق الشعور بالاستمرارية والتأمل من دون الشعور بالملل والرتابة. ولا يخفى تأثر دي فايا بالعمارة والزخارف الأندلسية في البناء الموسيقي لهذه المقطوعة، وكما هو التصميم الهندسي البارع لحدائق وقصور الأندلس، تستخدم المقطوعة المسارات اللحنية المتشابكة والمتقاطعة والأنماط الإيقاعية، والزخارف التي يرسمها البيانو لتتداخل مع خطوط الأوركسترا، لتكوين الطبقات الموسيقية التي نستمتع بإعادة الاستماع إليها، كما نستمتع بإعادة النظر إلى الزخارف الأندلسية. كما وظف دي فايا الفواصل بين الجمل الموسيقية كما لو أنها الفراغات بين الزخارف، ليبرز كل فكرة من الأفكار الموسيقية ويسلط الضوء على جمالياتها، واستخدم الآلات الموسيقية للتعبير عن الألوان والأضواء والظلال والحركة، فحول الموسيقى إلى حديقة أندلسية تجمع بين البراعة الهندسية والخيال الشاعري.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول ALI ALI:

    × × التقدير و الإحترام للدكتوره مروه ، و هذا مقال موسيقي بديع ، عن مقطوعة موسيقية ، عبرت عنها الدكتوره مروه بأنها : ” كلاسيكية ، نحا فيها دي فايا – مؤلفها – منحي الموسيقي الشعبية الإسبانية ، التي إنطبعت بطابع الموسيقي الأندلسية ” ، و المقطوعة هي وليدة بيئته الموسيقية الغنية و الجذابة ، حيث حوّل الموسيقي الإسبانية إلي شكل فني ، و حسم منهج تطوره الموسيقي ، مقطوعة ” الكلمات السبع الأخيرة للمسيح ” لمؤلفها جوزيف هايدن .
    × × وكان الموسيقار مانويل دي فايا في مؤلفاته ، ينتهج فلسفة الوظيفة الصحيحة للموسيقي ، بإحداث إستجابات معينة في السامع ، تجعل منه شخصاً طيباً أو فاضلاً ، و تؤدي إلي السلوك القويم .
    × × و قد كان دي فانا تقياً ورعاً ، يهتم في إبداعاته بخلق تجربة جمالية ، معتقداً أن الإنفعال الذي تثيره الموسيقي ، ينبغي أن يوجه لغاية خيّرة ، هي تكوين الشخصية الأخلاقية ، و لطالما غضب من صديقه الشاعر فديريكو لوركا ، عند تلاعبه بالألفاظ أو تقديمه صوره شعرية جريئة ، خاصة عند تناول موضوع ديني ذو حرمة تقليدية .
    × × مقال رائع يا دكتوره مروه ، و سلم يرعاكِ ، و لا إنقطع مدادك ، و شكراً .

    1. يقول مروة صلاح متولي:

      شكرا جزيلا يا فندم 💕

  2. يقول الدكتور جمال البدري:

    كم أنت رائعة ياعزيزتي مروة؛ في اختيار هذا الموضوع عن ( ليالٍ في حدائق إسبانيا ) التي سبق واستمعت إليها في أثناء
    زيارتي إلى إسبانيا؛ لأكثر من مرّة.نعم إنها موسيقى تجمع الماضي والحاضر بإحساس متفاعل لما بين السكون العميق
    والأفق المتحلّق بأجنحة طائر يخفق؛ وكطفل دهش بطائرة من ورق تلامس السّماء الأزرق.ولن يحسّ بتلك الموسيقى
    إلا من رأى عن كثب أندلسيا كما تسمّى اليوم في إسبانيا.وحين الوقوف على الأطلال العربيّة ومياه العيون تجري بغدق
    كانت تجري في أحداق عيني؛ الدموع السواجم.وأذكر حينما قالت لي سيدة أميركيّة من ولاية فلوريدا: لقد كان العرب أصحاب حضارة؛ فلماذا اليوم أنتم بعيدون عن تلك الحضارة؟ فكان جوابي لها: أنتم السبب؛ لقد خربتم تلك الحضارة بالعدوان المستمرّ على العرب.لم أكتفِ بالمشاهدات التي تعطيك إحساس الموسيقى بل كنت أسمع النداء يأتيني من
    داخل ( الآثار ) يناديني مرحبًّا: أهلًا بأهلي بعد طول غياب.الفنّ الإسبانيّ قريب من الرّوح؛ فهو مزيج حضارات وجروح.
    وهذا الإحساس الصادق وجدته حينما رأيت أحد القصور الأندلسيّة الكبيرة قد تمّ تحويله إلى مقر لبلدية إشبيليّة؛ التي
    تسمّى اليوم باللغة الإسبانيّة: سيفيليا.ما أجمل إشبيليّة وقرطبة وغرناطة حتى بعد ألف عامّ من القهقرى؛ يامروة.

    1. يقول مروة صلاح متولي:

      شكرا جزيلا دكتور جمال على هذه المداخلة البديعة

    2. يقول المغربي الآخر:

      السبب الرئيسي في تقهقر العرب، قبل كل شيء، هو الانقسام والاقتتال فيما بينهم على السلطة والثروة منذ منتصف القرن الثالث عشر.. وهذان الانقسام والاقتتال لَهما اللذان مهدا السبيل للاستعمار بأشكاله (التركي، الإنكليزي، الفرنسي، إلخ) لكي يحتل بلدان العرب.. فليس صحيحا دائما وضع اللائمة على الاستعمار والتغافل عن المشكل الجوهري كما يفعل الانهزاميون والمتقاعون !!

  3. يقول عبد الرحيم المغربي.:

    لم يكن المبدع الكبير مانويل دي فايا.. من شعراء الكلمات..ولكنه كان شاعرا بالمتخيل الموسيقي أداة وتعبيرا….والتعبير هنا هو ابراز ضمني لذلك الانتماء الحضاري العميق الذي حاول عتاة الصليبيين..طمسه عبثا إلى درجة تجريم محاولة التعبير المكشوف عنه…؛ ومقطوعة… noches en los Jardines de España…تكشف من عنوانها ذلك التوجس من ذكر الأندلس بالمفهوم الحضاري العريق..واستبدالها بلفظ إسبانيا..في إطار قناعة دي فايا بأن الهوية الأندلسية شرقية في عمقها..ويقصد بالشرق التأثير المغربي الإسلامي.. أوروبية في شكلها…ولعل الحنين الذي تزخر به لغة المقطوعة موسيقيا..ما يحيلنا على تفاصيل تلك الأيام الخوالي التي ارتقت بالحضارة والوجدان الإنساني في الأندلس إلى درجة أن شاعرها الكبير إبن خفاجة شبهها بالجنة..في قوله.. يآ أهل أندلس لله دركم…ماء وظل…وانهار وأشجار..ما جنة الخلد إلا في دياركم..ولو تخيرت هاذي كنت أختار…؛ كما يحيلنا هذا أيضا على مبدعين اندلسيين ربطوا الجسور الثقافية بين الضفتين ومنهم التشكيلي الكبير ماريانو بيرتوتشي..مؤسس معهد الفنون الجميلة والمعهد الموسيقي في مدينة تطوان في أوائل القرن العشرين…وكان عشقه لهذه المدينة يفوق عشقه لقاديس وغرناطة وقرطبة في الضفة الأخرى..مع تحياتي للمتألقة الدكتورة مروة متولي..

    1. يقول مروة صلاح متولي:

      تحياتي دكتور عبد الرحيم وشكرا جزيلا لك على الإفادات والإشارات المهمة.
      فعلا عدم ذكر الأندلس في العنوان كان لافتا.. لكن هناك من المؤلفين الموسيقيين حتى من خارج إسبانيا في أوروبا من يبرز اسم الأندلس والأسماء الأندلسية في مؤلفاته بما يضفي نوعا من البهاء والتميز.

  4. يقول بلي محمد من مدينة الدار البيضاء سماء المملكة المغربية:

    وكاالعادة وعلى حسب الفهم ومن باب المحبة للفن في كل صوره من على درجة كبيرة من لامتياز من نجت من الشيخوخة ومن قبضة النسيان ظلت محافظة بفضل أعمدتها الراسخة في أعماق التاريخ لاصيل لا الشبيه ان صح التعبير أضع لكن ادا سمحتم وكدالك الباحثة المحترمة فهي ترسم وبجهد كبير ولا فخر في دالك الموضوع الدي يسثحق النظرة والكلمة فشكرا لكم ولها كدالك نعم .
    قرأنا الموضوع الفني الموسيقي الكلاسيكي المتميز حرفا حرفا وكلمة وكلمة فاشممنا رائحة الموسيقى لاندلسية لكن على صوت آخر وشممنا كدالك رائحة موسيقى الملحون ومادكرته يكون له حضور تحت ظل لاشجار والنخيل وانتظر منك سيدتي المحترمة كلمة عن هد ا الدي قلناه فشكرا وتحية لكل القراء المحترمين فالتاريخ الفني لاصيل سجل بمداد الدهب اسماء تفننت في كل ابواب الموسيقى بدءا بالعزف وهد ا صحيح

  5. يقول احمد المغرب:

    هناك “جنات العارف” بالمغرب وليس فقط جنة واحدة كما هو حال غرناطة من رياضات”دور او منازل” وبساتين مراكش وفاس والرباط وسلا ومكناس وتطوان وشفشاون…. هذا لسان الظاهر.
    اما الجنة الحقيقية فهي عندما تصفى سريرة الانسان بصقلها بالعلم والحكمة وتطمان نفسه بتهذيبها بمكارم الاخلاق والرحمة فهذه جنة فيها ما لاعين رات ولا اذن سمعت
    “من عرف نفسه عرف ربه”

  6. يقول بلي محمد من مدينة الدار البيضاء المملكة المغربية:

    نعود لكي نطل على الموضوع الفني المتميز الجميل ادا سمحتم وكدالك الدكتورة الباحثة شكرا لكم ولها أي موضوع فني موسيقي رسم بأتقان جيد يعاد قراءته مرات لا مرة واحدة فقط ثم الصورة الجميلة زينته حديقة ربما رسمت بريشة لالوان وهي كدالك فالتشكيل دكي لايضل على صورة واحدة

اشترك في قائمتنا البريدية