تتسع المبادئ لتشمل الأفكار، لذلك كانت الأسماء البدئية كما يبين القرآن الكريم حين علم آدم الأسماء كلها، وذلك للوقوف عند معانيها، وبما أن الإنسان كائن عاقل، فقد ترك له الله اشتقاق الدلالات المعرفية والفكرية، تحفيزا لمعاينة المفهوم، ففهم الأشياء بمسمياتها، يضع العقل أمام مهمته الجوهرية في تشكيل بانوراما اللغة العارفة، التي تترجم العالم بما يحتويه من إنسان وأشياء وأفكار في دائرة النص، وبالتالي يصبح النسق الوجودي تفاعليا فعالا يصنع الإطار العام لمضمون فعل القراءة المنتجة عبر تبادل وتداول المعنى في جزئياته الاختلافية والاتفاقية، وتلك المسافة الغائبة بين النص والفكر.
هامش القراءة
يتجاوز العقل المعطى المعرفي الممنهج ليلج دوائر السؤال، تلك الوظيفة الأزلية للعقل، فيصطدم بالهامش التفسيري الذي يتجاوزه بالطبيعة الأفق التساؤلي، فتتأكد الحركية الإنسانية في أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ضمن هذا الإطار الخاضع في جملته للسؤال، باعتباره يقع في حقيقة الواقع الجدلية، التي تعتبر في مجملها مجموعة تناقضات تسند الظواهر وتؤسس لأبعادها الفلسفية، فيبدو الهامش التفسيري مسطحا مغرقا في المباشرة. تعتبر الحياة مسرح الإنتاجية الانسانية، بما هي مجموعة تناقضات جدلية، تتمثل سلوكيا في السعي الدؤوب للإنسان من أجل استغلال الطبيعة، وامتلاك ناصية أسرارها ثم تحويلها إلى مادة لخلق الثروة التي لا تُنتج بمعزل عن طبيعة الإنسان الأنانية، وحب التملك والسيطرة، لهذا جاءت نظرية العقد الاجتماعي لجون جاك روسو تفسر الانتقال من المجتمع الطبيعي إلى المجتمع المدني، على أساس تناقض المصالح وطغيان الأنانيات، فكان السبيل الوحيد لتنظيم السلوك والعلاقات داخل المجتمع، اللجوء إلى سلطان القانون (النص) كآلية لتنظيم الحركية المجتمعية، وترشيد الرغبات المادية، فحوّل الإطار التنظيمي الواقع من مجرد واقع منظور إلى فضاء فكري أساسه النص وانفتاحه المعلن واللامعلن على الما بعد، والماوراء.
المبدأ سابق الفكرة/ ماوراء النص
المبدأ سابق الفكرة، فمبدأ العدالة تكرس وعيا، ثم ترتبت الأفكار بعديا لتنظمه وفق ما تستدعيه الحاجة إلى تكافؤ الفرص في المعيش والعدالة في توزيع الثروة، وكذلك مبدأ الحرية، سبق وجوده في الوعي ثم ترتبت الأفكار لتنظيم المبدأ، وفق ما يقتضيه الوقوف عند بداية حريات الآخرين، والقانون ذاته سبق الأفكار، التي جاءت في ما بعد لتنتظمه في قواعد نصية، تستوجب الأمر والنهي والردع، كالتزامات لتوجيه العلاقات الإنسانية، والحد من طغيان تجاوزاتها، فالنص القانوني (القاعدة القانونية) تنبثق حقيقته في المبدأ الماورائي، الذي حدد معانيه وليس في القاعدة العلمية التي حددت مفهومه الذي لا يتعدى نطاق الحرفية وحصرية المعنى.
إن تجاوز النص إلى ما وراء النص يتيح للعقل قراءة الفحوى والمضمون بطرق تخترق وتؤهل النظر إلى امتلاك أدوات يُحاوَر عبرها العلمي المؤطر بالفكري المطلق، فالعلم قولبة نظرية، أي انغلاق ليس في مضمون النص المتعلق بمجال معين، لكن في علاقة الرؤية بالمفهوم المؤطر (المصطلح)، ولذلك يتعذر الوصول إلى عمق الخطاب ومستوياته الفكرية، إذا تحصن العقل بمستوى الحرفية، الذي يشتغل عليه «إنسان القلة» الذي يواجه به مالك بن نبي «إنسان الفطرة».
مونتسكيو وروح النص/ ثقافية التلقي
إن المجتمع الذي يقف عند حرفية النص، مجتمع منغلق بطبيعته، لأنه سوف يواجه إشكالية المصطلح، فيتحدد مفهومه للقانون مثلا وفق منظور شكلي يتميز باستعصاء النفاذ إلى المعنى أو الروح، ولهذا كانت «روح القوانين» لمونتسكيو، حيث هناك «سبب أولي، وتُمثل القوانين العلاقات الموجودة بين السبب الأولي ومختلف الأفراد، وعلاقات مختلف الأفراد هؤلاء في ما بينهم» كما يؤكد، فالسبب الأول هو الذي ينفي به فكرة «الحتمية التي توجِد كائنات ذكية» وهو ما يجعل العلاقات بين المفاهيم في النص لا تقف عند الظاهر، بل تتعداه إلى الغوص في جذور ما يسميه مونتسكيو «السبب الأول» أو «الله».
إن عنوان «روح القوانين» وبمقابلة الصور اللغوية نستطيع أن ندرك أن ما يتداوله الواقع هو شكل القوانين، فالقاضي في كثير من الأحيان يقف عند حرفية النص، في مواجهة قضايا يتداخل فيها اقتناعه الشخصي ووجهة نظره الفكرية مع ما يطرح أمامه من قضايا قد تكون دعواها رُفعت بمنطق يتضارب مع حيثياتها، وهو ما يثير قضية اقتناع القاضي، فيعمد إما إلى قمع اجتهاده القضائي، وبذلك يحرم القانون من أحد مصادره الحيوية وهو الفقه، الذي لا يلجأ إليه إلا على سبيل الاستئناس، أو يبادر إلى تطبيق النص معارضا بذلك اقتناعه الشخصي.
تؤدي الماورائية أو المعنى الخفي إلى تشكيل الوعي بالأشياء والأفكار، لأنها تختزن نسقا من الروح التي تسكن الذات، وما تلحقه بها من رغبة في استكناه الغامض وخوض غمار المجهول.
انطلاقا من «روح القوانين» تتأكد ضرورة الاشتغال على روح النصوص أيضا التي تجعل من الحرفية أو الشكل بابا إلى فضاءات واسعة من الفهم للقانون كنص، ما يجعل النص (القانوني) متداولا ثقافيا في المجتمع، فعندما يتخلى النص عن هيمنته ليس كإلزام أو إجبار، وإنما كبنية (نسق نهائي) لا تقبل الاختزال إلى معطى معرفي/ثقافي، يتجاوب (النص القانوني) مع رغبة الأشخاص في الاطلاع والفهم، وبالتالي سريان الثقافة القانونية ببساطة تجعل النص فاصلا في تحديد الواجبات والحقوق، هذا من جهة، ومن جهة أخرى تفادي الصدام مع تجريد النص، فالمجتمع العارف الذي يقبل على هذه الثقافة البسيطة في إدراكها والمركبة في مظاهر اكتسابها، يسهل فيه السلوك القانوني كما تتكرس فيه العلاقة بين المواطن والمؤسسة لتداول روح القانون، ويكون نتيجة ذلك الوقوف عند الحقوق والواجبات ببراغماتية تخضع لعقلانية المعرفي وصرامته المنجَزَة في وعاء الثقافي والتربوي والإعلامي.
المجتمع وبناء سيرورة التوافق
يُكْسِبُ التعامل الثقافي مع الواقع المجتمعَ صفة المعرفية الشفافة التي تتعلق بإرساء مفهوم «التقاليد» حيث تتحول الأشياء في مسار الممارسة الوجودية إلى رمزيات مدرَكة بوعي الإقران، بين تاريخ الذات وأثر كينونتها في الواقع،، فتتحول التقاليد بفضل العراقة إلى مؤسسة للوعي بأهمية الفعل، فنقول مثلا تقاليد عريقة في القراءة، هذه التقاليد تساهم بشكل تجهله المجتمعات المتخلفة في تبسيط المعرفة المتخصصة، عن طريق تحويلها إلى ثقافة في مستوى شعبي تشتمل على عنصر التشويق.
إن الإعلام بما له من دور في صناعة الوعي، يشكل الوتيرة المتناغمة مع حركة العقل في نسج منوال مجتمع يتوافق وأبجديات رغبة الناس في رؤية أثر حركتهم على شاشة إدراكهم، ولعل الواقع يضرب مثلا بــ CNN التي تعتبر واحدة من بين عشرٍ أخريات تقوم بتحديد «جدول أولويات العالم» وأيضا «واشنطن بوست» كما يذكر محمد حسنين هيكل، وهو دور خطير استراتيجيا على الدول التي تقع في دائرة الجدولة، لكنه يكشف عن أهمية الإعلام كسلطة ذات تأثير، والكلام عن تثقيف الإعلام وإعلام التثقيف، إنما يصب في جوهر إشكالية معرفية النص وتداوله كسلطة للمعنى (الروح) لتحرير الفكر من جمود الشكل.
تؤدي الماورائية أو المعنى الخفي إلى تشكيل الوعي بالأشياء والأفكار، لأنها تختزن نسقا من الروح التي تسكن الذات، وما تلحقه بها من رغبة في استكناه الغامض وخوض غمار المجهول، فعلى مستوى النص يظهر الاختصاص الأكاديمي وأدواته التي تستعصي على العامي، لكن عالم الأشخاص، وفي سياق تطور المجتمعات، يجد نفسه ملزما بالإحاطة بأساسيات تشكل روح الأكاديمية، فالعلم كقولبة ينغلق على اللامعلن، وتمثل مساحة الانغلاق فسحة الفكر، فباسكال أو برتراند رسل أو ابن سينا، جميعهم تعمقوا في الاختصاص، وعن طريق عنصري النظر والتفكير، نفذا إلى روح العلم أو فلسفته، متجاوزين انغلاق البنية العلمية التي تقف عند حدود الكيف إلى انفتاح اللامعلن المبثوث في لماذا، ولعل قصة ابن طفيل «حي بن يقظان» تبين كيف يصل الإنسان «بفطرته إلى الحقيقة الكامنة في أعماقه، وهي الدين» كما يقول عبد الحليم عويس، تلك الحقيقة التي ليست في النهاية سوى رغبة الإنسان في هدم أسوار الانغلاق، في مظاهر الأشياء، وبناء العلاقة معها على أساس فهم عناصر حقيقتها الجوهرية الغامضة، التي تتوافق وبنيته الروحية، والتوافق مع النص لا يكون سوى بالحفر في طبقاته، بحثا عن «جوهر فرد» يصل بالعقل إلى إمكاناته العملية في تفجير كون الأسئلة اللامحدود.
كاتب جزائري
شاهدت هدا الشريط
قراءة مقالاتك العذبة دائما ممتعة وشيقة سيدتي
مقال مميز وعميق الرؤية في تشكيل الوعي بالأشياء والأفكار ….كل التقدير الكبير لك الأستاذ عبد الحفيظ بن جلولي
في لغة القرآن وإسلام الشهادتين، الله، يذكر لنا، لا يعلم بالنية، خلف أي قول أو فعل أو عمل إلا الله، وعلى ضوء النية، سيتم الحساب، في اليوم الآخر،
ومن هذه الزاوية الإشكال يبدأ، عندي مع عنوان (ماوراء النص: ثقافية التلقي)، فجماعة علم الكلام (الفلسفة) تؤمن هناك علم ظاهر، وعلم باطن، السؤال، من أين لهم، علم بالنية (الباطن)، هنا؟!
أي إعلام بدون خط فاصل، وواضح، بين المهزلة والتهريج شيء، والسخرية شيء آخر، يمثله أسلوب اللبناني (نديم قطيش)، ونموذج هيكل برنامجه، الجديد، على قناة سكاي نيوز عربية
https://youtu.be/jkbYlwgIw0g
فيصبح كل شيء رمادي، قابل للتمرير، حتى الكيان الصهيوني، في تلك الحالة،
ولا حول ولا قوة إلا بالله، هذه ليس حرية، وليس إعلام،
هذا هو الردح، بغير أخلاق، فيما يطلق عليه خلط الأوراق، لتسهيل عملية الصيد في المياه العكرة، على الأقل من وجهة نظري،
وإلا فيكون تعميم أسلوب إدارة وحوكمة جورج بوش الإبن بعد 11/9/2001، إما معنا، وإلا أنت إرهابي،
ونسحب منك ما يدل على الوطن والوطنية والجنسية والهوية، حتى لو كنت دبلوماسي، أو من ضمن المؤسسة الأمنية والعسكرية، بل وحتى الدول، كما حصل مع (تايوان)،
وتحولت من صاحب حق نقض/فيتو، إلى مثل أهل فلسطين من (البدون)، في زمن الثنائي (كيسنجر-نيكسون) على أرض الواقع، سبحان الله.
هو أول ما خطر لي على ما ورد تحت عنوان (الجزائر: مذكرات توقيف بحق ديبلوماسي منشق ومدون وضابط سابق في المخابرات وناشط)، والأهم ماذا بعد ذلك؟!
لأن من وجهة نظري، المفهوم العملي، لمعنى علمانية، المنتج الوطني، الفرنسي/الأوربي، فالكثير لم ينتبه، إلى أن الغموض، لزيادة ثمن المنتج، وقتاً (في التفكير)، وثمناً (كعائد اقتصادي)، هو أسلوب منتجات الثقافة الفرنسية (الأوربية)، التي لم تستطع، أن تفوز على منتجات هوليوود، في مجال الفن، عند المنافسة في أي سوق حر،
وهو ما خطر لي، عند قراءة أول سطور تحت عنوان (بالأبيض والأسود إلى أن نؤمن بالحب)، ولكن الأهم بالنسبة لي يا (بروين حبيب)،
هو ما معنى الإيمان أولاً، وهل يمكن أن يكون هناك (حب) للآخر، مع وجود الشك لدى (الأنا) بلا دليل، فقط من أجل إثبات عدم وجود خيانة؟!
وهو ما ورد تحت عنوان (جدل في فرنسا بشأن عزم الحكومة حظر الذبح الحلال للدواجن- (تغريدة))، وأخيراً، فرنسا الأوربية، وصلت إلى ما وصلت له إسبانيا قبل خمسة قرون في عهد الأندلس، لطرد اليهودي قبل المسلم، في عام 2021 سبحان الله.
فالثقافة الأوربية تنطلق من، بدون حب الأنا، لا يمكن حب الآخر، داخل الأسرة أو الشركة أو المجتمع وبالتالي الدولة؟!
ولكن بدون حياء أو خجل، هل يمكن أن تكون هناك حضارة بواسطة العري، أو علاقة الجسد، أمام الناس؟!
ثقافة (النحن) كأسرة انسانية، تنتج منتجات انسانية شيء مختلف تماماً، عن عقلية أي موظف، في الدولة، بلا مسؤولية، عن جودة وكفاءة ومنافسة في الخدمات التي يقدمها، من وظيفته،
ولذلك، هناك سؤال، لماذا نحتاج عملة (صالح) الإليكترونية؟!
بدل كل الطرق السابقة (بطاقات الدفع المقدم)،
لو أرادت الدولة، أن لا أفكر، في الهجرة، والاستثمار في دولة أخرى،
لا يجوز للدولة، أن تأخذ رسوم، دون تقديم خدمة مقابل ذلك، وإلا أي إنسان، سيرفض، لأن هذا مفهوم الاستعباد والعبودية،
يجب أن توفر الدولة أي خدمة أولاً، ومن يرغب في شراء هذه الخدمة، يدفع ثمنها،
أما أن تفرض الدولة على أي إنسان، دفع ثمن أخطاء الموظف، فقط لأنه داخل حدود الدولة، فهذا هو معنى الظلم، على أرض الواقع،
وهنا إشكالية دول مجلس التعاون في الخليج العربي أو الفارسي بالذات،
مع عقلية الآلة/العالة/الروبوت، بعد عام 2016 في الإمارات العربية المتحدة، وفي السعودية وبقية دول مجلس التعاون بعد 2017 عندما تم إعلان تجنيس أول روبوت (كمواطن)، لتحسين مستوى جودة وكفاءة الخدمات للدولة بواسطة الإنسان والأسرة والشركة المُنتجة للمنتجات الانسانية،
الحمدلله ماليزيا، بدأت مفهوم تكوين مؤسسة (الحلال)، بخصوص أي منتج، لأي دولة فيها مسلم، والآن السعودية طرحت مبادرة (الحلال)، في عام 2021،
ولذلك تعجبت لماذا يجب أن يكون أول متحف سينمائي؟!
أو بالشرق الأوسط، في البداية، بتقنية عالية الجودة؟!
ينقلك لزمن الرسول اللـهُـمَ صَلِ وسَلّمْ وبَـاْرِكْ عَلَيه في تعريف ما ورد في الرابط التالي
https://youtu.be/bJctc-CJ9as
أنا أحب أطرحه، وأخيراً، منتج منافس، لمجمّع الملك فهد، لطباعة لغة القرآن وإسلام الشهادتين، وترجمة معنى المعاني، بكل الألسنة التي يمكن التدوين بها في العالم، سبحان الله.
الأهم، الآن، كيف نُنتج منتَج، منافس لعقلية الفذلكة اللغوية، كما هو حال مترجم (غووغل) أو غيره على الآلة، التي في يد كل واحد منّا للغات، من خلال منتج سوق صالح (الحلال)، كنتيجة لتنفيذ مشروع صالح التايواني، من خلال تعليم كل اللغات، ومن ضمنها لغة الآلة، لتكوين إنسان أو أسرة أو شركة منتج للمنتجات الانسانية ينافس الآلة/العالة/الروبوت، في الجودة والكفاءة بل وحتى العائد الاقتصادي، من طريقة تفكير الفرنسي (الوطني) على الأقل، في أجواء سوق العولمة الحر.??
?????