ما جواب الجزائر على فرنسا؟

حجم الخط
21

هل الدوران حول الأزمة أم إنهاؤها أم تصعيدها؟ لا يبدو واضحا أي خيار ستتبع الجزائر، لا أثناء ولا بعد انقضاء المهلة التي حددتها لها فرنسا، لكن في خضم أزمتها الجديدة مع باريس، ربما ينسى البعض غضب الأخيرة من قرار أصدره الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون قبل نحو عامين من الآن وقضى بأن يؤدى النشيد الرسمي للجزائر بكلماته وموسيقاه ومقاطعه الخمسة كاملة. والسبب أن واحدا من تلك المقاطع جاء على النحو الآتي: يا فرنسا قد مضى وقت العتاب.. وطويناه كما يطوى الكتاب. يا فرنسا إن ذا يوم الحساب. فاستعدي وخذي منا الجواب. إن في ثورتنا فصل الخطاب. وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر. فاشهدوا.. فاشهدوا.. فاشهدوا”.
فقد بدت تلك العبارات المتقدة بالحماسة والوعيد تجاه الفرنسيين على اعتبارهم قوة استعمارية، وفي نظرهم في ذلك الظرف فاقدة لأي مبرر بعد ستين عاما من الإعلان عن استقلال الجزائر. ولم تتردد وزيرة خارجيتهم في ذلك الوقت حين طلب منها في أحد البرامج التلفزيونية المحلية أن تعلق على تلك المسألة عن القول: “لقد تجاوزه الزمن. لا أريد التعليق على نشيد أجنبي لكن هذا النشيد ـ أي الجزائري – كتب عام ستة وخمسين في سياق وظرف الاستعمار والحرب ويتضمن كلمات قوية تعني فرنسا”.
كما لم يفوت وزير الخارجية الجزائري بدوره الفرصة للرد على تعليق نظيرته الفرنسية، وقال في مقابلة مع وكالة الأنباء الإيطالية، إنه مندهش كيف أنها سمحت لنفسها بإبداء رأيها في النشيد الوطني لبلاده، مضيفا وبنبرة تهكمية واضحة: “ربما كان يمكنها أن تنتقد أيضا موسيقى النشيد الوطني. ربما الموسيقى لا تناسبها أيضا”. لكن أهم شيء أضافه أحمد عطاف في ذلك التصريح وحمل التصور الجزائري الذي ظل قائما إلى اليوم حول الطرف المتسبب في التوترات بين البلدين هو قوله، “يبدو أن بعض الأحزاب أو السياسيين الفرنسيين يرون أن اسم الجزائر أصبح سهل الاستخدام في الاغراض السياسية”. وبالنسبة للجزائريين فإن حلقات الأزمة التي طالت أكثر من اللازم كانت بسبب ذلك الاستخدام المفرط للملف الجزائري في المعارك الداخلية الفرنسية، ما جعل خارجيتهم لا تتوانى عن إصدار عدة بيانات كان آخرها الخميس الماضي، حين ذكرت في أحدها، أن الجزائر ترفض رفضا قاطعا “مخاطبتها بالمهل والإنذارات والتهديدات”، مضيفة أنها “ستسهر على تطبيق المعاملة بالمثل بشكل صارم وفوري على جميع القيود التي تفرض على التنقل بين الجزائر وفرنسا، دون استبعاد أي تدابير أخرى قد تقتضي المصالح الوطنية إقرارها”.

العلاقات الجزائرية الفرنسية، لم تعرف حالات طويلة من الهدوء والاستقرار، بل ظلت عقودا تعيش تحت وقع الاضطرابات والتقلبات غير أنها وصلت اليوم إلى مستويات غير مسبوقة من الانحدار

لقد أتى ذلك بعد أربع وعشرين ساعة فقط من إعلان رئيس الوزراء الفرنسي عن أن باريس “ستطلب من الحكومة الجزائرية مراجعة جميع الاتفاقيات الموقعة وطريقة تنفيذها”، وستمهلها شهرا إلى ستة أسابيع، وفي الأثناء ستقدم لها “قائمة عاجلة بالأشخاص الذين يجب أن يتمكنوا من العودة الى بلادهم”، مشيرا وفي السياق نفسه إلى أنه سيتم إجراء تدقيق وزاري بخصوص سياسة إصدار التأشيرات من جانب فرنسا، قبل أن يؤكد، أن الاتفاقيات المبرمة مع الجزائر سنة ثمانية وستين “لم يتم احترامها”، وأن حكومته لا يمكنها أن تقبل باستمرار ذلك الوضع. والسؤال الذي يطرح نفسه بعد ذلك كله هو كيف ستنتهي حرب التصريحات والبيانات، والبيانات المضادة بين العاصمتين التي ارتفعت وتيرتها بشكل ملحوظ في الأيام الأخيرة؟ وما الذي يمكن أن يحمله الرد النهائي للجزائر على ما دأبت دائما وأبدا على وصفه “بالاستفزازات” الفرنسية؟ وهل يمكن أن تكون القطرة التي ستفيض الكأس بين البلدين هي تسريب خبر منع زوجة السفير الجزائري في مالي من دخول التراب الفرنسي، بحجة أنها لا تملك المال، مثلما قالت السبت الماضي وكالة الأنباء الجزائرية في خطوة رأتها الوكالة الرسمية “قمة الاستفزاز من وزير الداخلية الفرنسي”، الذي اعتبرته المسؤول الأول وربما الوحيد عن الأزمة، لتتساءل في إحدى برقياتها إن كانت هناك حرب معلنة بين رئيس الجمهورية الفرنسية ووزير داخليته بخصوص الجزائر على حد تعبيرها؟ من الواضح جدا أن العلاقات الجزائرية الفرنسية، لم تعرف حالات طويلة من الهدوء والاستقرار، بل ظلت وعلى مدى عدة عقود تعيش تحت وقع الاضطرابات والتقلبات. غير أنها وصلت اليوم إلى مستويات غير مسبوقة من الانحدار، لكن من المسؤول عن ذلك؟ يشير الفرنسيون وفي أكثر من مرة وبشكل واضح إلى أن السلطات الجزائرية هي وحدها من تتحمل المسؤولية عن الوضع الذي آلت إليه تلك العلاقات. أما الجزائريون فإنهم وبعد أن كانوا يلقون باللائمة وبشكل أساسي على اليمين المتطرف الفرنسي، باتوا اليوم يرون أن بلادهم ذهبت “ضحية خطاب مزدوج في قمة هرم دواليب الدولة الفرنسية”، مثلما قالت وكالة أنبائهم الرسمية، من خلال وجود شق داخلها مناوئ للجزائر يتزعمه وزير الداخلية الفرنسي، وآخر لا يرغب بالتصعيد معها ويقوده الرئيس الفرنسي ماكرون، لكن هل يكفي الآن أن يخرج مسؤول جزائري حالي أو سابق ليقول مثلا ما قاله رئيس البرلمان السابق عبد العزيز زياري السبت الماضي لصحيفة “الخبر” المحلية من إنه لن يضع رجله أبدا في فرنسا باستخدام جواز سفره الدبلوماسي، وإنه اذا ما أراد أحد أفراد عائلته المقيمين فيها أن يراه فما عليه الا أن يزوره في الجزائر، وألا وجود لشيء يربط بلاده بباريس، لا يمكنها قطعه سوى الجالية الجزائرية فيها وأنه آن الأوان لأن يقطع المسؤول الجزائري ارتباطه النفسي بفرنسا حتى تكون الجزائر قد قالت فعلا كلمتها الأخيرة في الأزمة؟ وهل إن التلويح بأن مراجعة اتفاقية الهجرة أو حتى إلغاءها، لن يسبب أي مشكل للجزائريين سيكون هو الحل؟ لقد حمل الجواب الجزائري لفرنسا خلال الحرب التحريرية، وكما عكسه ذلك المقطع من نشيدها الرسمي كثيرا من الشجاعة والتحدي للغطرسة الاستعمارية. ومع أن هناك من يرى أن الجواب الحالي قد لا يكون مختلفا عن ذلك، إلا أن تغير الأوضاع والمعطيات الداخلية والخارجية تجعل الجزائريين اليوم أمام حتمية لا تغيير مضمون جوابهم، بل صياغته من جديد بشكل يجعله قادرا على أن يجيب على أهم وأكبر سؤال لم يعد لهم مفر من مواجهته، والإجابة عليه وهو، كيف يريدون أن تكون علاقاتهم غدا مع فرنسا؟ هل يريدونها أن تكون فعلا علاقات متوازنة وندية لمصلحة الشعبين؟ أم يريدونها أن تبقى علاقات مهزوزة ومتقلبة خدمة لغايات سياسية في الجانبين؟ ومن المؤكد أنه كانت هناك محاسن للأزمة الأخيرة، فإن واحدة من أهمها هي أنها منحتهم الفرصة لأن يفكروا الآن بعمق وترو في ذلك السؤال ويحددوا بالتالي ما إذا كان وقت العتاب مع فرنسا قد مضى وحان يوم الحساب معها، كما يقول نشيدهم الوطني؟ أم أن ذلك لا يعدو أن يكون مجرد ذكرى قديمة لجيل سابق تجازوه الزمن كما علقت يوما ما وزيرة الخارجية الفرنسية؟

كاتب وصحافي من تونس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول Kamel Kamel:

    الجزائر انتزعت.حريتها.بالسلاح.ولم.تمنح.استقلالها.من.الجنرال.

  2. يقول عبد الرحيم المغربي.:

    في السياسة لاتنفع سوى الواقعية التي تضع الأمور في مكانها الحقيقي.. بعيداً عن المزايدات وصناعة الاوهام..التي لم تنتج سوى النكسات..ولم تكرس سوى الفساد المطبق..؛ وبالابتعاد عن تلك الواقعية والامعان في المراهنة على الدونكيشوتية اللفظية.. فإن تأخير الممارسة النقدية ستكون له أوخم النتائج على كل الأصعدة…

  3. يقول ثامر:

    الجزائر لم تكن تحت الحماية الفرنسية بل كانت هدف استطاني بكل ما تعنيه الكلمة مست جوانب كبيرة من تاريخها و تراثها و انتهكت فيها جميع الاعراف من قتل و حرق و ابادة لذا ترى الجزائر عنيدة ثابتة ندية صارمة وحادة مع مستعمر ا لا مس

  4. يقول اليوطي:

    فرنسا لم تعد في موقف يسمح لها يفرض إملائات على الأخرين وقد خسرت نفوذها في إفريقيا حيث إقتصر وجودها في بعض الجيوب التي تعتبرها حدائق خلفية .

    1. يقول ديغول:

      اقتصاد فرنسا يساوي اقتصاد أفريقيا باكمله

  5. يقول عادل:

    ليعلم الجميع أن الجزائر لن تتنازل عن ثوابتها ومبادئها مهما كان الثمن فالاسد يبقى اسد

  6. يقول أبو رحاب.:

    الحماية مصطلح استعماري طبق على الدول التي واجهت الدول المهيمنة وكانت لها ندا في مراحل تاريخية مختلفة..مثل اليابان والمانيا والمغرب.. ويختلف هذا عن مفهوم الإستكشاف الذي طبق على البلدان التي لم تكن لها هوية سياسية أو سيادية من قبل..ويمكن الرجوع إلى رسالة الجنرال شنايدر لوزير الخارجية الفرنسي في 1839..وخطاب ديغول الذي قرر فيه الاستفتاء سنة 1959..

  7. يقول غزاوي:

    مجرد تساؤل (1)
    ما جواب فرنسا على الجزائر !!!؟؟؟
    إنه السؤال الذي يتعين طرحه وليس عكسه.
    ثبتت الأيام أن صواب وصلابة الموقف الجزائري جعل ماكرون يدوس على القانون الأوروبي باعترافه بمغربية الصحراء، وجعل وزير داخليته يدوس على القانون الفرنسي بطرد المؤثر بوعلام نعمان قبل محاكمته. ولم تجد فرنسا سوى ورقة الهجرة لتضغط بها على الجزائر، فكانت سببا في تصادم بين ماكرون ورئيس حكومته ووزير داخليته لما سحبها منهما، واعتبر إلغاؤها أمر سخيف سخافة أصحابها.
    أدعوا القراء الكرام لمشاهدة الرعب والتخبط والحيرة التي وقع فيهم كزافيي دريانكور عراب ومنظر اليمين المتطرف الذي أسبح يتوسل الجزائر برمضان، “شهر السلام والحب” حسب تعبيره،”

  8. يقول غزاوي:

    مجرد تساؤل (2)
    ما جواب فرنسا على الجزائر !!!؟؟؟
    إنه السؤال الذي يتعين طرحه وليس عكسه.
    الأزمة بين الجزائر وفرنسا بدأت يوم:05/07/1830، ولن تنتهي إلا باعتذار فرنسا عن جرائمها في حق الجزائريين، والتعويض عن الأموال والثروات التت نهبتها من الجزائر طيلة 132 سنة.
    وقد كفاني الجواب عن التساؤل السالف ساسة فرنسا أنفسهم:
    سبق لماكرون أن اعترف بأن “الجرائم والأعمال البربرية التي ارتكبتها فرنسا خلال حرب الاستقلال الجزائرية تعتبر جريمة ضد الإنسانية”، لكن يجب أن يفعل ذلك كرئيس وباسم فرنسا.
    ديغول قال في مذكراته “الأمل” ما نصه: “أن الجزائر جعلت فرنسا رجل أوربا المريض” انتهى الاقتباس.

  9. يقول غزاوي:

    مجرد تساؤل(3)
    ما جواب فرنسا على الجزائر !!!؟؟؟
    كزافيي دريانكور قال في مذكراته “اللغز الجزائري” ما نصه:
    “أنني معجب بإصرارهم (الجزائريون)، والطريقة التي يُجيدون بها تركيع محاوريهم، ونحن الفرنسيين منهم طبعا” انتهى الاقتباس.
    وقال أيضا في حوار مع قناة ” Europe 1″، يوم:22/01/2025، ما نصه:
    “نحن خائفون من الجزائر، لا أدري ما هو السبب، لكننا نمارس دائما الرقابة الذاتية باستمرار اتجاهها، نحن خائفون من النظام الجزائري، ربما نحن خائفون من الجزائريين في فرنسا، لكن في رأيي أننا نبالغ في تقديري في هذا الأمر، نحن مشلولون ومرعوبون عندما يتعلق الأمر بالجزائر.” انتهى الاقتباس
    الخوف من الجزائر ليس نابع من قوة الجزائر أمام فرنسا النووية، بل نابع من صواب وصلابة موقفها ورفضها الانبطاح، ذلك ما خبرته فرنسا خلال استعمارها للجزائر.
    دومينيك دوفيلبان الذي شغل منصب وزير أول، ومنصب وزير خارجية، ومنصب وزير داخلية. في حوار على قناة “bfmtv”، يوم:23/02/2025، ردَّ على روتايو بما نصه:
    “المشاكل مع الجزائر لا تحل بتصريح في نشرة الثامنة لقناة تي.أف1، أؤكد لكم أن القبضة الحديدية لا تجدي نفعا، خاصة مع دولة مثل الجزائر، حيث الحس الوطني متجذر، أضف إلى ذلك أننا تربطنا بها قصة أليمة” انتهى الاقتباس

1 2

اشترك في قائمتنا البريدية