مصر.. حرية الإعلام وشبح الحكم العسكري

حجم الخط
10

توجه احد مراسلي ‘القدس العربي’ الى موقع احدى المظاهرات المعارضة للنظام لتغطيتها في حي شعبي شرق العاصمة المصرية الاسبوع الماضي، وكانت قوات الامن بدأت تضرب المتظاهـــرين بقنابل مسيلة للدموع، وتطاردهم في الشوارع الجانبيـــــة لالقاء القبض عليهم. وبمجرد ان اخرج المراسل كاميرته لتصوير ما يحدث، فوجئ بدوي انفجار احدى تلك القنابل على بعد خطوة واحدة منه، ما اصابه باختناق وصدمة فقد على اثرها الوعي، وعــــندما افاق وجد نفسه في مقهى شعبي قريب حمله اليه ‘اولاد الحلال’ وظل يعاني من صعوبة في التنفس ليومين قضى جزءا منها في المستشفى.
وقد يرى البعض ان هذه اصابة عمل عادية يجب ان يتوقعها من يختار العمل في مهنة البحث عن المتاعب، لولا انها تأتي في اطار حملة منظمة تتكرس ملامحها لاسكات الرأي المعارض. وتتراوح درجات هذا الاسكات بين القتل العمد، كما حدث مع الصحافية ميادة اشرف، التي استشهدت وهي تحمل الكاميرا ايضا قبل عدة اسابيع، والاحتجاز البدني وهو ما يعانيه عدد من الصحافيين بالفعل حاليا، وسط صمت مريب من المجتمع المدني، وكانت اخر من تعرضت له، وعلى ايدي مسؤول حكومي وليس جهة امنية مقدمة برنامج ‘الشارع المصري’ في قناة العربية. فقد ذهبت الزميلة الاعلامية لاجراء حوار مع (اللواء) اسماعيل النجدي رئيس الهيئة القومية للانفاق، الذي انزعج كثيرا من انها سألته عن الاعطال المتكررة والشكاوى من سوء الخدمة في مترو الانفاق، حيث كان يظن انها ستجري معه حوارا احتفاليا بمناسبة قرب افتتاح خط جديد للمترو، فما كان منه الا ان استعان بعناصر الامن لمنعها من مغادرة مكتبه، واجبرها على تسليم شريط التسجيل مقابل حريتها الشخصية.
وتطرح هذه الحادثة بالذات اسئلة مشروعة بشأن امكانية وجود حرية اعلام حقيقية في ظل التنامي المتوقع لنفوذ المؤسسة العسكرية مع الفوز المؤكد لـ(المشير) عبد الفتاح السيسي بسدة الحكم. ورغم ان الرجل لم يعلن برنامجه الانتخابي بعد، فان ما يفهم من الخطاب القصير الذي اعلن فيه استقالته من الجيش وترشحه للرئاسة، يحمل تعهدات واضحة بشأن مد اليد الى جميع المصريين من دون تمييز، وهو ما يعني بالضرورة السماح باختلاف الرأي وافساح المجال امام المعارضين في الاعلام الرسمي للدولة. وهو تعهد يتوقع المصريون ان يفي به، وتشير تسريبات وتكهنات انه يحمل بالفعل مبادرة سياسية للتهدئة وليس المصالحة، بانتظار ان يتأكد هذا من عدمه خلال برنامجه الانتخابي المتوقع اعلانه خلال ايام قليلة.
الا ان المشكلة تكمن في وجود فجوة بين الخطاب السياسي والتطبيق العملي، خاصة عندما يكون المسؤول الحكومي ذا خلفية عسكرية ربما تجعله غير متقبل للانتقادات او المساءلة من ‘مدني’، كما حصل في تجربة المذيعة مع اللواء، الذي اعتبر اسئلتها بشأت اعطال المترو (تهجما على مصر).
وبهذا المنطق فان مسؤولا اخر بهذه العقلية، وربما ليس بالضرورة من خلفية عسكرية، ولكن في اجواء القمع والكبت، قد يعتبر اسئلة صحافية بشأن البطالة او اطفال الشوارع او التحرش الجنسي (خيانة عظمى لمصر) وهذه عقوبتها الاعدام.
ومن هذا المنطلق ايضا، اصبحت الكاميرا في نظر البعض، اخطر من قنبلة او مدفع رشاش، فكان الاستهداف المباشر للصحافيين، إما بالرصاص الحي او الخرطوش او الاعتقال او الاحتجاز.
والسؤال هو ماذا ينقص هذه ‘التوليفة الجهنمية’ لاغراء اي شخص بأن يتحول الى ديكتاتور: اجهزة تعتقل عشرات الالاف من معارضيه، ومحاكم تصدر احكاما بالاعدام بالجملة او بالسجن او بالحظر على بعضهم، ووسائل اعلام تتصارع (لا تتنافس) في نفاقه حتى قبل ان يكون رئيسا، وشعبية كبيرة بسبب دوره في مرحلة معينة، وايضا بسبب الشعور العام بالحاجة الى شخصية قوية في سدة الحكم تعيد الاستقرار، ثم لم يقدم بعد دليلا عمليا واضحا على حقيقة توجهاته السياسية باستثناء خطاباته العاطفية غالبا.
الحقيقة ان السماح بحرية الاعلام سيكون المقياس الواضح والحاسم في توجهات العهد الجديد، والخطوة الاولى الحتمية في مصالحة المصريين مع انفسهم، والبوابة الملكية الى الطريق الصحيح نحو الاستقرار.
اما الاكتفاء بالمقاربة الامنية بدءا من مواجهة الارهاب الى مواجهة المظاهرات، مرورا باسكات ‘الصحافيين اعداء الوطن’، فقد جربت مصر هذا الطريق في الماضي، ويمكن لاي شخص ان ‘يتفرج’ على نتيجتها بمتابعة ‘محاكمة القرن’ ليرى الرئيس المخلوع حسني مبارك وهو خاضع في القفص، بعد ان كان فرعونا متكبرا في القصر.
لقد مضى العهد الذي يمكن ان يحكم فيه المصريون بالقهر من اي شخص، بغض النظر عن خلفيته السياسية او المهنية. وقد اشار المشير السيسي الى هذا المعنى تحديدا في خطابه الانتخابي الوحيد.
وبقي (فقط) ان نرى دليلا عمليا على ذلك، باطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين، ومعتقلي الرأي من الزملاء الصحافيين، من دون تمييز ومن دون تأخير، مع اعتماد مقاربة شاملة لمواجهة الارهاب، يبقى الامن فيها عنصرا رئيسيا لكن ليس وحيدا، بل الى ان يسير جانبه الانفتاح على كل من لم تتلطخ يداه بالدم مهما كانت اراؤه السياسية او توجهاته الايديولوجية.
فهل هناك من يعي ويقرن القول بالعمل أم ان قدرنا ان ندور في الحلقة المفرغة نفسها؟

‘ كاتب مصري من أسرة ‘القدس العربي’

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول سامى/ نيويورك ..... لابد لليل ان ينجلى:

    حرية مين اللى انت جاى تتكلم عليها ، انت لا تستطيع ان تضع كلمة حرية وكلمة مصر ( مابعد الانقلاب ) فى جملة واحدة!!!
    وبعدين الحرية والعسكر ايضاً على النقيض لايلتقيان!!!
    انت تقول ياأستاذ ( ان مايُفهم من الخطاب القصير الذى اعلن فية السيد السيسى استقالتة من الجيش وترشحة للرئاسة ، يحمل تعهدات واضحة بشأن مد اليد الى جميع المصريين من دون تمييز ) هو فعلاً سوف يمد يده لجميع المصريين ومن دون تمييز لكنها يد الغدر والخيانة والقتل حتى لمؤيدى الإنقلاب .
    وبعدين مين اللى قالك ياأستاذ ان السيد المخلوع حسنى مبارك خاضع فى قفص … اللى فى القفص صحيح لكنة غير خاضع إلا للة هو الرئيس المنتخب من شعب مصر الدكتور محمد مرسى الأسير لدى جيش الإحتلال المصرى بتاع كفتة الإيدز ومصانع المكرونة سام 6 المضادة للطائرات ومصانع الشيبس الطويلة المدى صائدة الدبابات اما السيد المخلوع فهو يستجم فى جناح خاص فى مستشفى 5 نجوم على نفقة المصريين !!!
    السيد السيسى لا يملك عصا سحرية كما يقول داعمى الإنقلاب الان طبعا لخفض سقف التوقعات ، هو لايفقة من الاستراتيجية العسكرية والسياسية إلا …..
    انتم مش عارفين انكم نور عنينا ولا اية.
    وبكرة تشوفوا مصر

  2. يقول حنان الاتربي:

    تحية للكاتب المحترم علي تحليله العميق وشجاعته في قول كلمة الحق في زمن يستهدف فيه كل صحافي شريف. واتفق تماماً مع قوله ان حرية الاعلام هي المقياس الدقيق للديمقراطية وايضاً البداية الحتمية للتصالح، وحقا ليت الجميع يعي هذا الامر.

  3. يقول سامح // الامارات:

    * بعيدا عن ( الحقد والكراهية ) والإلتزام بالموضوعية والحيادية :
    * ( الإعلام الحر 100% ) لا يوجد في أي دولة عربية ولن يوجد ( بالمستقبل )؟
    ببساطة ( نحن العرب نكره ثقافة النقد ) وأي شخص يكثر النقد ( مكروه )
    من الجميع حتىّ لو كان ما يقوله ( صوابا ) ؟؟؟!!!
    * الآن ( مصر ) تمر في ( مرحلة إنتقالية ) وهذه المرحلة تكون عادة
    ( غير مستقرة ) ؟؟؟
    * الأفضل ليكون ( الحكم ) بناء والنقد ( موضوعي ) ننتظر ( السيسي )
    وحكومته للبدء بالعمل الفعلي والجدي ع الأرض , ساعتها نقيمه
    ( سلبا أو إيجابا ) .
    شكرا والشكر موصول للأخ ( الكاتب) .

  4. يقول حسين خميس - المنصورة:

    مقال رائع كالعادة. شكرا لدفاعك استاذنا عن حرية الراي والاعلام في هذا التوقيت الحاسم. الجهلاء فقط لايقدرون اهمية هذا الموضوع.

  5. يقول أحمد - بلجيكا:

    أؤيد تعليق الأخ سامى من نيويورك…وأتمنى من كل مصرى يعيش خارج الوطن وفى كنف الحرية والديموقراطية فى بلاد المهجر….أن يكون غيورا على غرسها فى بلدنا الحبيب مصر…وأول كل شيئ هو مقاومة الإنقلاب على الشرعية وعلى حكم العسكر…بدون خوف .
    أتعجب من السيسى قائد الإنقلاب الذى لم يكن قانعا بمنصب وزير…ليصبح رئيس….ويبدأ بجمل تمهيدية مثل : أنه لايملك عصا سحرية…أو أن زيادة السكان فى مصر هى سبب التنمية وكل المشاكل…أليست هذه هى حجج مبارك طوال ثلاثين عاما ؟

  6. يقول حسن:

    لا افهم مشكلة صاحب التعليق الاول. للاسف اغلب الناس اصبحوا لايحبون صوت العقل حتى لو كان يدافع عن الحق. واقول للكاتب المحترم الاجابة عن سؤالك المهم في النهاية هي اننا ستبقى ندور في حلقة مفرغة لاننا شعوب تحب الجنازات عشان تشبع فيها لطم. لكن مصر هتفضل بخبر لان ربنا ذكرها خمس مرات في القران الكريم، حتى لو حكمها ابليس شخصيا مش عبدالفتاح ابن الحاج سعيد السيسي.

  7. يقول محمد فاضل:

    والله انك تعبر عن الوطنية المصرية الحقيقية بعيدا عن نفاق اي شخص او جماعة، ولو كنت مرشحا للرئاسة لمنحتك صوتي.

  8. يقول علي حسان:

    تحية للكاتب وللقدس العربي ومراسلها الشجاع في القاهرة الذي شاهد الضرب بالقنابل ووقف يقوم بعمله حتى كاد ان يستشهد في سبيل الواجب. رفعتم راسنا بارك الله فيكم وفي عملكم الرائع.

  9. يقول الكروي داود النرويج:

    يامسكينه يامصر
    من ام الدنيا الى قاهرة الدنيا
    قاهرة الحريات والعداله والشرعيه

    والله ان امرك اصبح بغير يدك
    تلعب امواج الدنيا بك
    ياويلك وطبعا حروف الكاف بالكسره
    لانك كسرتي خاطري يامصر

    اللهم انتقم ممن ظلم شعب مصر

    ولا حول ولا قوة الا بالله

  10. يقول سامى/ نيويورك ..... لابد لليل ان ينجلى:

    الاستاذ حسن
    مشكلة كاتب التعليق الاول هى مع الذين جربوا حكم العسكر منذ الانقلاب الاول فى يوليو 1952 واللى كان السبب في كل كوارث مصر المحروسة وما نكسة و وكسة يونىو 1967 عنا ببعيد وحتى الانقلاب الاخير فى يوليو 2013 وبعد كل ما حل بالمحروسة من خراب لسة عايزين يجربوا حكم العسكر ومثل ما إخوتنا السوريين بيقولوا …
    اللى يجرب المجرب عقلة مخرب !!!!! 

اشترك في قائمتنا البريدية